الإسلام > الحج والعمرة > شروط إجزاء الحج عن الفرض ثمانية وهي > د- عدم النية عن الغير
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةمنه بنِيةِ النَّفلِ كالصَّلاةِ، بخِلافِ الصَّومِ؛ لأنَّ وقتَ أداءِ الصَّومِ لا يَتسعُ لِأداءِ النَّفلِ، وهذا لأنَّ الحَجَّ عِبادةٌ مَعلومةٌ بالأفعالِ، لا بالوقتِ؛ فكان الوقتُ ظَرفًا له لا مِعيارًا، وفي مِثلِه لا يَتميَّزُ الفَرضُ من النَّفلِ إلا بالتَّعيينِ.
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ من حجَّ بنِيةِ النَّفلِ وعليه حَجةُ الفَرضِ أو نَذرٌ أنَّه يَقعُ عن الفَرضِ أو النَّذرِ؛ لأنَّ نِيةَ النَّفلِ لَغوٌ؛ لأنَّه عِبارةٌ عن الزِّيادةِ ولا يُتصَورُ ذلك قبلَ الأصلِ، وإذا لغَت نِيةُ النَّفلِ يَبقَى مُطلَقُ نِيةِ الحَجِّ، وبمُطلَقِ النِّيةِ يَتأدَّى الفَرضُ.
يَدلُّ عليه أنَّ نِيةَ النَّفلِ نَوعُ سَفهٍ قبلَ أداءِ حَجةِ الإسلامِ، والسَّفيهُ مُستحِقٌّ الحَجرَ، فجُعِلت نِيةُ النَّفلِ لَغوًا تَحقيقًا لمَعنى الحَجرِ، فيَبقَى مُطلَقُ النِّيةِ، ويَجوزُ أنْ تَتأدَّى حَجةُ الإسلامِ بغيرِ نِيةٍ، كما في المُغمَى عليه إذا أحرَم عنه أصحابُه، فبنِيةِ النَّفلِ أوْلى (١).
د- عَدمُ النِّيةِ عن الغيرِ: وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ إذا كان المُحرِمُ بالحَجِّ حجَّ عن نَفسِه قبلَ ذلك، فإنْ نَوى عن غيرِه وقَع عن غيرِه اتِّفاقًا.
أمَّا إذا لَم يَكنْ حجَّ عن نَفسِه حَجةَ الإسلامِ ونَوى عن غيرِه فقد اختلَف الفُقهاءُ فيه، هل يَقعُ عن نَفسِه أو عن غيرِه؟
فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَقعُ عن غيرِه مع
(١) «المبسوط» للسرخسي (٤/ ١٥١، ١٥٢)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٧)، و «أصول البزدوي» (١/ ٣٥١)، و «أصول السرخسي» (٢/ ٢٧٧)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٢٢٣)، و «كشف الأسرار» (٤/ ١٣٢)، و «الفروع» (٣/ ٢٦٩)، و «الإنصاف» (١/ ١٠١).
الكَراهةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوى» (١)، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أذِن للخَثعميَّةِ أنْ تحُجَّ عن أبيها ولم يَستفصِلْ، هل حجَّت عن نَفسِها أو لم تحُجَّ؟ وكذلك الجُهنيَّةُ أذِنَ لها أنْ تحُجَّ عن أمِّها نَذرَها، وللمَرأةِ الأُخرَى، ولِأبي رَزينٍ العُقيليِّ وغيرِهم -كما سبَق- ولم يَستفصلْ واحِدًا مِنهم، ولا أمَره أنْ يَبدأَ بالحَجِّ عن نَفسِه.
والخَثعميَّةُ -وإنْ كان الظاهرُ أنه قد عَلِمَ أنها حجَّتْ عن نَفسِها؛ لأنها سأَلتْه غَداةَ النَّحرِ حينَ أفاضَ من مُزدَلفةَ إلى منًى، وهي مُفيضةٌ معه، وهذه حالُ مَنْ قد حجَّ ذلك العامَ- غيرُها ليسَ في سُؤالِه ما يَدلُّ على أنَّه حجَّ، ولأنَّه شبَّهه بقَضاءِ الدَّينِ بقولِه: «أرَأيتَ لو كان على أبيكَ دَينٌ أكُنتَ قاضيَهُ؟ قال: نَعمْ، قال: فدَينُ اللهِ أحقُّ أنْ يُقضَى» (٢)، والرَّجلُ يَجوزُ أنْ يَقضيَ دَينَ غيرِه قبلَ دَينِه.
وأيضًا فإنَّه عَملٌ تَدخلُه النِّيابةُ، فجازَ أنْ يَنوبَ عن غيرِه قبلَ أنْ يُؤدِّيَه عن نَفسِه، كقَضاءِ الدُّيونِ وأداءِ الزَّكاةِ والكَفاراتِ.
ولأنَّ كلَّ مَنْ صحَّ منه أنْ يحُجَّ عن نَفسِه صحَّ منه في تلك الحالِ أنْ يحُجَّ عن غيرِه -إذا لم يَكنْ عليه فَرضٌ مِثلُه- جازَ أنْ يَفعَله عنه إنْ كان عليه فَرضٌ مِثلُه، أصلُه قَضاءُ الدَّينِ.
ولأنَّه أحرَم بالحَجِّ عن شَخصٍ لا يَنقلِبُ عن غيرِه، أصلُه إذا أحرَم عن
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
نَفسِه أنَّها لا تَنقلِبُ عن غيرِه؛ لأنَّ بَقاءَ فَرضٍ عليه لا يَمنعُه أنْ يَفعلَ ما ليس بفَرضٍ من جِنسِه، أصلُه الصَّومُ والصَّلاةُ.
وأجابوا عن حَديثِ ابنِ عَباسٍ الآتي ذِكرُه، وفيه: «هَلْ حَجَجْتَ عن نَفسِك؟»، بأنَّه مُضطرِبٌ في وَقفِه عن ابنِ عَباسٍ ورَفعِه، ولو سلِم الحَديثُ فحاصِلُه أنَّ الأمرَ بالحَجِّ عن نَفسِه للنَّدبِ، لِإطلاقِه ﷺ في حَديثِ الخَثعميَّةِ وغيرِه بقولِه ﷺ: «حُجِّي عن أبيكِ»، من غيرِ استِخبارِها عن حَجِّها لنَفسِها قبلَ ذلك، وتَركُ الاستِفصالِ في وقائعِ الأحوالِ يَنزلُ مَنزِلةَ عُمومِ الخِطابِ، فيُفيدُ جَوازَه عن الغيرِ مُطلقًا. وحَديثُ شُبرُمةَ -الآتي ذِكرُه- يُفيدُ استِحبابَ تَقديمِ حَجِّ نَفسِه، وبذلك يَحصلُ الجَمعُ، ويثبُتُ أولَويَّةُ تَقديمِ الفَرضِ على النَّفلِ مع جوازِه (١).
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ من نوى الحَجَّ عن غيرِه ولم يَكنْ حجَّ عن نَفسِه يَقعُ عن نَفسِه، لِما رَوى ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سمِع رَجلًا يَقولُ: لبَّيكَ عن شُبرُمةَ، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ: مَنْ شُبرُمةُ؟ قال: أخٌ لي أو قَريبٌ لي، قال: هل حَجَجتَ قَطُّ؟ قال: لا. قال: فاجعَلْ هذه عن نَفسِك، ثم حُجَّ عن شُبرُمةَ» (٢)، وهو حَديثٌ
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٩٤، ٩٥)، و «المبسوط» للسرخسي (٤/ ١٥١)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ١٥٩)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٨٨)، و «الاستذكار» (٤/ ١٦٩)، و «الذخيرة» (٣/ ١٩٧)، و «الإشراف على مسائل الخلاف» ص (٢١٧)، و «الإفصاح» (١/ ٤٥٣، ٤٥٤)، و «المغني» (٤/ ٣٤٥)، و «الكافي» (١/ ٣٨٧).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ٣٤٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٩/ ٢٩٩).
صَحيحٌ على أنَّه إنْ كان مَوقوفًا فليس لِابنِ عَباسٍ مُخالِفٌ، وأيضًا فإنَّ الحَجَّ واجبٌ في أولِ سَنةٍ مِنْ سِني الإمكانِ، فإذا أمكَنه فِعلُه عن نَفسِه لم يَجزْ أنْ يَفعَله عن غيرِه؛ لأنَّ الأولَ فَرضٌ والآخرَ نَفلٌ، كمَن عليه دَينٌ هو مُطالَبٌ به ومعه دَراهمُ بقَدرِه لم يَكنْ له أنْ يَصرِفَها إلا إلى دَينِه، وكذلك كلُّ ما احتاجَ إلى صَرفِه في واجبٍ عنه لم يَكنْ له أنْ يَفعَله عن غيرِه.
وأيضًا فإنَّه إذا حضَر المَشاعرَ تَعيَّن الحَجُّ عليه، فلم يَكنْ له أنْ يَفعَله عن غيرِه كما لو حضَر صَفَّ القِتالِ فأرادَ أنْ يُقاتِلَ عن غيرِه.
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولأنَّه حجَّ عن غيرِه قبلَ الحَجِّ عن نَفسِه، فلم يَقعْ عن الغيرِ، كما لو كان صَبيًّا، ويُفارِقُ الزَّكاةَ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَنوبَ عن الغيرِ، وقد بقِي عليه بعضُها، وههنا لا يَجوزُ أنْ يحُجَّ عن الغيرِ مَنْ شرَع في الحَجِّ قبلَ إتمامِه، ولا أنْ يَطوفَ عن غيرِه مَنْ لم يَطُفْ عن نَفسِه، إذا ثبَت هذا فإنَّ عليه رَدَّ ما أخَذ من النَّفقةِ؛ لأنَّه لم يَقعِ الحَجُّ عنه، فأشبَهَ ما لو لم يحُجَّ (١).
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ: أنَّ الإحرامَ يَقعُ باطِلًا، فلا يَقعُ عن نَفسِه ولا عن غيرِه.
وقال أبو حَفصٍ العُكبُريٌّ: يَنعقِدُ الإحرامُ عن المَحجوجِ عنه، ثم يقلِبُه الحاجُّ إلى نَفسِه (٢).
(١) «المغني» (٤/ ٣٤٥).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٤٥٣، ٤٥٤)، و «المغني» (٤/ ٣٤٥)، و «شرح العمدة» (٢/ ٢٩٠، ٢٩٤)، و «المجموع» (٧/ ٨٥)، و «مختصر خلافيات البيهقي» (٣/ ١٢٠).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في الحج والعمرة]
[فصل في موانع الحج والعمرة]
(فَصْلٌ)
وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛
ــ
منح الجليل
شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ.
فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة
(فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ