تأخير الزكاة عن وقت وجوبها

الإسلام > الزكاة > القسم الثالث > تأخير الزكاة عن وقت وجوبها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

تأخير الزكاة عن وقت وجوبها - الأقوال والأدلة

والشاشيُّ والعَبدَريُّ، وصحَّحَ البَغويُّ وآخَرونَ المَنعَ، قالَ الرافِعيُّ: صحَّحَ الأكثَرونَ المَنعَ.

فإذا قُلنا بالجَوازِ فقد اتَّفقَ أَصحابُنا على أنَّه لا فَرقَ بينَ عامَينِ وأكثرَ حتى لو عجَّلَ عَشرةَ أَعوامٍ أو أكثَرَ جازَ على هذا الوَجهِ بشَرطِ أنْ يَبقَى بعدَ المُعجَّلِ نِصابٌ، فلو كانَ له خَمسونَ شاةً فعجَّلَ عَشرًا منها لعَشرِ سِنينَ جازَ، فلو نقَصَ المالُ بالتَّعجيلِ عن النِّصابِ في الحَولِ الثانِي لم يَجزْ التَّعجيلُ لغيرِ العامِ الأولِ وَجهًا واحِدًا، هكذا قالَ الجُمهورُ؛ لأنَّ الحَولَ الثانِيَ لا يَنعقِدُ على نِصابٍ، وحَكى البَغويُّ والسَّرخسيُّ وَجهًا شاذًّا أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ المُعجَّلَ كالباقِي على مِلكِه، وإذا جوَّزْنا صَدقةَ عامَينِ فهل يَجوزُ أنْ يَنويَ تَقديمَ زَكاةِ السَّنةِ الثانيةِ على الأُولى؟ فيه وَجهانِ: حَكاهما أبو الفَضلِ ابنُ عَبدان، كتَقديمِ الصَّلاةِ الثانيةِ على الأُولى إذا جمَعَ في وَقتِ الصَّلاةِ الثانيةِ (١).

تَأخيرُ الزَّكاةِ عن وَقتِ وُجوبِها:

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والحَنفيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الزَّكاةَ متى وجَبَت، وجَبَت المُبادَرةُ بها على الفَورِ مع القُدرةِ على ذلك، وعَدمِ الخَشيةِ من ضَررٍ؛ لأنَّ الأمرَ المُطلَقَ يَقتَضي الفَورَ، ولذلك يَستحِقُّ المُؤخِّرُ لِلامتِثالِ العِقابَ، ولذلك أخرَجَ اللهُ تعالَى إِبليسَ وسخِطَ عليه ووبَّخَه بامتِناعِه عن السُّجودِ، ولو أنَّ رَجُلًا أمَرَ عَبدَه أنْ يَسقيَه فأخَّرَ

(١) «المجموع» (٧/ ٢١٥، ٢٥٢)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٢١٢).

ذلك استحَقَّ العُقوبةَ؛ ولأنَّ جَوازَ التَّأخيرِ يُنافي الوُجوبَ لكَونِ الواجِبِ ما يُعاقَبُ على تَركِه.

ولو جازَ التأخيرُ لَجازَ إلى غيرِ غايةٍ فتُنبَغَى العُقوبةُ بالتَّركِ، ولو سلَّمَنا أنَّ مُطلَقَ الأمرِ لا يَقتَضي الفَورَ لاقتَضاه في مَسألتِنا؛ إذ لو جازَ التأخيرُ ههنا لَأخَّره بمُقتَضى طَبعِه ثِقةً منه بأنَّه لا يأثَمُ بالتأخيرِ، فيَسقُطُ عنه بالمَوتِ أو بتَلفِ مالِه أو بعَجزِه عن الأداءِ، فيَتضرَّرُ الفُقراءُ؛ ولأنَّ ههنا قَرينةً تَقتَضي الفَورَ، وهو أنَّ الزَّكاةَ وجَبَت لِحاجةِ الفُقراءِ، وهي ناجِزةٌ، فيَجبُ أنْ يَكونَ الواجِبُ؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتكرَّرُ لم يَجزْ تَأخيرُها إلى وَقتِ وُجوبِ مِثلِها كالصَّلاةِ والصَّومِ.

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ الأثرَمُ: سمِعت أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن الرَّجلِ يَحولُ الحَولُ على مالِه فيُؤخِّرُ عن وَقتِ الزَّكاةِ فقالَ: لا، ولمَ يُؤخِّرْ إِخراجَها؟ وشدَّد في ذلك.

قيلَ: فابتَدأ في إِخراجِها فجعَلَ يُخرِجُ أوَّلًا فأوَّلًا.

فقالَ: لا، بل يُخرِجُها كلَّها إذا حالَ الحَولُ.

فأمَّا إذا كانَت عليه مَضرَّةٌ في تَعجيلِ الإِخراجِ، مِثلَ مَنْ يَحولُ حَولُه قبلَ مَجيءِ الساعي ويَخشى إنْ أَخرجَها بنَفسِه أخَذَها الساعِي منه مَرةً أُخرى فله تَأخيرُها، نَصَّ عليه أحمدُ (١).

(١) «المغني» (٣/ ٤٥٧، ٤٥٨).

والمَشهورُ عندَ الحَنفيةِ أنَّها تَجبُ وُجوبًا مُوسَّعًا، ولِصاحِبِ المالِ تَأخيرُها ما لم يُطالَبْ؛ لأنَّ الأمرَ بأَدائِها مُطلَقٌ، فلا يَتعيَّنُ الزَّمنُ الأولُ لِأدائِها دونَ غيرِه، كما لا يَتعيَّنُ مَكانٌ دونَ مَكانٍ، هذا ما ذهَبَ إليه أبو بَكرٍ الرازيُّ (الجَصاصُ).

أمَّا الكَرخيُّ من أئمَّةِ الحَنفيةِ فقالَ: هي واجِبةٌ على الفَورِ؛ لأنَّ الأمرَ يَقتَضي الفَوريَّةَ، حتى إنْ كانَ لا يَقتَضي الفَوريَّةَ ولا التَّراخيَ فالوَجهُ المُختارُ كما قالَ المُحقِّقُ ابنُ الهُمامِ أنَّ الأمرَ بالصَّرفِ إلى الفَقيرِ معه قَرينةُ الفَورِ، وهي أنَّه لِدَفعِ حاجَتِه وهي مُعجَّلةٌ، فمتى لم تَجبْ على الفَورِ لم يَحصُلِ المَقصودُ من الإِيجابِ على وَجهِ التَّمامِ (١).

وهذا القَولُ وهو الذي عَليه جُمهورُ الفُقهاءِ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وغَيرُهم.

واحتجُّوا على ذلك بأنَّ اللهَ تعالَى أمَر بإِيتاءِ الزَّكاةِ كما في قَولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والأمرُ يَقتَضي الفَورَ وذلك كما قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أنَّ الأمرَ يَقتَضي الفَوريةَ على الصَّحيحِ كما في الأُصولِ، ولذلك يَستحِقُّ المُؤخِّرُ للامتِثالِ العِقابَ، ولذلك أخرَجَ اللهُ تعالَى إِبليسَ وسخِطَ عليه ووبَّخَه بامتِناعِه عن السُّجودِ، ولو أنَّ رَجلًا أمرَ عبدَه أنْ يَسقيَه فأخَّرَ ذلك استحَقَّ العُقوبةَ؛ ولأنَّ جَوازَ التَّأخيرِ يُنافِي الوُجوبَ؛ لكَونِ الواجِبِ ما يُعاقَبُ على تَركِه، ولو جازَ التأخيرُ لجازَ إلى غيرِ غايةٍ، فتَنتَفي العُقوبةُ بالتَّركِ.

(١) «فتح القدير» (١/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «رد المحتار» (٢/ ١٣، ١٤)، و «المبسوط» (٢/ ١٦٩)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٢٢٣)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٥٥).

ولو سلَّمْنا أنَّ مُطلَقَ الأمرِ لا يَقتَضي الفَورَ لَاقتَضاه في مَسألتِنا؛ إذ لو جازَ التَّأخيرُ ههنا لأخَّرَّه بمُقتَضى طَبعِه ثِقةً منه بأنَّه لا يَأثمُ بالتَّأخيرِ فيَسقطُ عنه بالمَوتِ أو بتَلفِ مالِه أو بعَجزِه عن الأداءِ، فيَتضرَّرُ الفُقراءُ؛ ولأنَّ ههنا قَرينةً تَقتَضي الفَورَ، وهو أنَّ الزَّكاةَ وجَبَت لِحاجةِ الفُقراءِ، وهي ناجِزةٌ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ الواجِبُ ناجِزًا؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتكرَّرُ لم يَجزْ تَأخيرُها إلى وَقتِ وُجوبِ مِثلِها كالصَّلاةِ والصَّومِ.

وهذا كلُّه ما لم يَخشَ ضَررًا في نَفسِه أو مالٍ له سِواها، فله تَأخيرُها لقَولِ النَّبيِّ : «لَا ضَررَ ولَا ضِرارَ» (١)؛ ولأنَّه إذا جازَ تَأخيرُ قَضاءِ دَينِ الآدَميِّ لذلك فتَأخيرُ الزَّكاةِ أَوْلى (٢).

ثم إنَّ الشافِعيةَ والحَنابِلةَ أَجازوا تَأخيرَ الزَّكاةِ عن وقتِ إِخراجِها الواجِبِ لِحاجةٍ داعيةٍ أو مَصلحةٍ مُعتبَرةٍ تَقتَضي ذلك، مِثلَ أنْ يُؤخِّرَها ليَدفعَها إلى فَقيرٍ غائِبٍ هو أشَدُّ حاجةً من غيرِه من الفُقراءِ الحاضِرينَ، ومِثلُ ذلك تَأخيرُها إلى قَريبٍ ذي حاجةٍ لِما له من الحَقِّ المُؤكَّدِ وما فيها من الأجرِ المُضاعَفِ.

وله أنْ يُؤخِّرَها لِعُذرٍ ماليٍّ حَلَّ به فأَحوَجَه إلى مالِ الزَّكاةِ، فلا بأسَ أنْ يُنفِقَه ويَبقى دَينًا في عُنُقِه، وعليه الأداءُ في أولِ فُرصةٍ تَسنَحُ له.

قال شَمسُ الدِّينِ الرَّمليُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وله تَأخيرُها لِانتِظارِ أحوَجَ أو أصلَحَ أو قَريبٍ أو جارٍ؛ لأنَّه تَأخيرٌ لِغَرضٍ ظاهِرٍ، وهو حِيازةُ الفَضيلةِ،

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.
(٢) «المغني» (٣/ ٤٥٧، ٤٥٨).

كذلك لِيتروَّى حيثُ تَردَّدَ في استِحقاقِ الحاضِرينَ، ويَضمَنُ إنْ تلِفَ المالُ في مُدَّةِ التَّأخيرِ؛ لحُصولِ الإِمكانِ، وإنَّما أُخِّرَ لغَرضِ نَفسِه، فيَتقيَّدُ جَوازُه بشَرطِ سَلامةِ العاقِبةِ، ولو تَضرَّرَ الحاضِرُ بالجُوعِ حرُمَ التَّأخيرُ مُطلَقًا؛ إذْ دَفعُ ضَررِه فَرضٌ، فلا يَجوزُ تَركُه لحِيازةِ فَضيلةٍ (١).

واشترَطَ الحَنابِلةُ في جَوازِ التَّأخيرِ لِحاجةٍ أنْ يَكونَ شَيئًا يَسيرًا، فأمَّا إنْ كانَ كَثيرًا فلا يَجوزُ.

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ أخَّرَها لِيَدفَعها إلى مَنْ هو أحَقُّ بها من ذي قَرابةٍ أو ذي حاجةٍ شَديدةٍ، فإنْ كانَ شَيئًا يَسيرًا فلا بَأسَ، وإنْ كانَ كَثيرًا لم يَجزْ.

(١) «نهاية المحتاج» (٢/ ١٣٤)، وقال النووي رحمة الله عليه في «المجموع» (٦/ ٤٦٨): ولو وُجِد من يُجوِّزُ الصَّرفَ إليه فأخَّر لِطَلبِ الأفضلِ بأنْ وجَد السُّلطانَ أو نائبَه فأخَّر ليُفرِّقَ بنَفسِه حيث جعلناه أفضَلَ، أو أخَّر لانتِظارِ قَريبٍ أو جارٍ أو مَنْ هو أحوَجُ، ففي جَوازِ التأخيرِ وَجهان مَشهورانِ أصَحُّهما: جَوازُه. فإنْ لم نُجوِّزِ التأخيرَ فأخَّر أثِمَ وضَمِن، وإنْ جَوَّزناه فتَلِف المالُ فهل يَضمَنُ؟ فيه وَجهانِ، أصَحُّهما: يَكونُ ضامِنًا لِوُجودِ التَّمكُّنِ. والآخَرُ: لا؛ لأنَّه مأذونٌ له في التأخيرِ، قال إمامُ الحَرمَيْن: لِلوَجهَيْن شَرطان أحَدُهما: أنْ يَظهَرَ استِحقاقُ الحاضرين، فإنْ تشكَّك في استِحقاقِهم فأخَّر لِيترَوَّى جازَ بلا خِلافٍ، والثاني: ألَّا يَستفحِلَ ضَررُ الحاضرين وفاقَتُهم، فإنْ تَضرَّروا بالجُوعِ ونَحوِه لم يَجُزِ التأخيرُ لِلقَريبِ وشِبهِه بلا خِلافٍ. قال الرافِعيُّ: في هذا الشَّرطِ الثاني نَظرٌ؛ لأنَّ إشباعَهم لا يَتعيَّن على هذا الشَّخصِ، ولا من هذا المالِ ولا من مالِ الزَّكاة، وهذا الذي قاله الرافِعيُّ باطِلٌ، والصَّوابُ ما ذكَره إمامُ الحَرمَيْن؛ لأنَّه -وإنْ لم يَتعيَّن هذا المالُ لِهؤلاء المُحتاجين- دَفعُ ضَرورتِهم فَرضُ كِفايةٍ، فلا يَجوزُ إهمالُه لانتِظارِ فَضيلةٍ لو لم يُعارِضْها شَيءٌ. اه.

قال أحمدُ: لا يَجرِي على أَقارِبه من الزَّكاةِ في كلِّ شَهرٍ، يَعني لا يُؤخِّرُ إِخراجَها حتى يَدفعَها إليهم مُتفرِّقةً في كلِّ شَهرٍ شَيئًا، فأمَّا إنْ عجَّلَها ليَدفعَها إليهم أو إلى غيرِهم مُتفرِّقةً أو مَجموعةً جازَ؛ لأنَّه لم يُؤخِّرْها عن وَقتِها.

وكذلك إنْ كانَ عندَه مالانِ أو أَموالٌ زَكاتُها واحِدةٌ وتَختلِفُ أَحوالُها، مِثلَ أنْ يَكونَ عندَه نِصابٌ وقد استَفادَ في أثناءِ الحَولِ من جِنسِه دونَ النِّصابِ، لم يَجزْ تَأخيرُ الزَّكاةِ لِيَجمَعها كلَّها؛ لأنَّه يُمكِنُه جَمعُها بتَعجيلِها في أولِ واجِبٍ منها (١).

وكذلك صرَّحَ بعضُ المالِكيةِ: بأنَّ تَفريقَ الزَّكاةِ واجِبٌ على الفَورِ، وأمَّا بَقاؤُها عندَ رَبِّ المالِ وكلَّما جاءَه مُستحِقٌّ أَعطاه منها على مَدى العامِ فلا يَجوزُ (٢).

ولِلإمامِ أو مَنْ يَنوبُ عنه من المُوظَّفينَ المَسؤولينَ في جَمعِ الزَّكاةِ أنْ يُؤخِّرَ أخذَها من أربابِها لمَصلَحةٍ، كأَنْ أَصابَهم قَحطٌ نقَصَ الأَموال والثَّمراتِ.

واحتجَّ الإمامُ أحمدُ على جَوازِ ذلك بحَديثِ عمرَ: أنَّهم احتاجُوا عامًا فلم يَأخذْ منهم الصَّدقةَ وأخَذَها منهم في السَّنةِ الأُخرى (٣).

(١) «المغني» (٣/ ٤٥٨).
(٢) «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٠٠).
(٣) «مطالب أولي النهى» (٢/ ١١٦)، و «الإنصاف» (٣/ ١٨٨)، و «الأموال» لأبي عبيد (١/ ٤٦٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة

بابُ زكاةِ التِّجارةِ

تَجِبُ الزكاةُ فى قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ فى العُرُوضِ التى يُرَادُ بها التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذا حالَ عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، ودَاوُدَ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ" . ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ ، بإسْنَادِهِ عن سَمُرَةَ ابن جُنْدَبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُنَا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مما نُعِدّهُ لِلْبَيْعِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ ، عن أَبِى ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: "فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها، وَفِى الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْبَزِّ صَدَقَتُهُ" . قالَه بالزَّاىِ، ولا

خِلافَ فى أنها لا تَجِبُ فى عَيْنِه، وثَبَتَ أنَّها تَجِبُ فى قِيمَتِه. وعن أبِى عَمْرِو بنَ حِماسٍ، عن أبِيهِ، قال: أمَرَنِى عمرُ، فقال: أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فقلتُ: مَا لِىَ مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أَدِّ زَكَاتَها. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ . وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فيكونُ إجْمَاعًا. وخَبَرُهم المُرَادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زَكَاةُ القِيمَةِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ وحَدِيثُنا خَاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل أموال التجارة

بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.

وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقِيمَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَاقِطَةُ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ تَقُومُ بِهِمَا وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْوَزْنُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ إبْرِيقَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ؟ .

وَكَذَلِكَ إذَا مَلَكَ آنِيَةَ ذَهَبٍ وَزْنُهَا عَشْرَةُ مَثَاقِيلَ وَقِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ.

وَلَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ فِيهَا مُعْتَبَرَةٌ لَوَجَبَتْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا عَيْنَانِ وَجَبَ ضَمُّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فَكَانَ الضَّمُّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَلَا اتِّحَادَ إلَّا بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْأَمْوَالَ أَجْنَاسٌ بِأَعْيَانِهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِبْرِيقِ وَالْآنِيَةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا وَجَبَ ضَمُّهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ حَتَّى تُعْتَبَرَ فِيهِ الْقِيمَةُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ شَرْعًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَإِنَّ الْجَوْدَةَ وَالصَّنْعَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]

وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ

(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.

ــ

منح الجليل

ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن

(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.

هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.

فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 662 - 667

ارجع إلى أحكام إخراج الزكاة وأدائها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله