أحكام إخراج الزكاة وأدائها

الإسلام > الزكاة > أحكام إخراج الزكاة وأدائها

مسائلُ فقهيةٌ في أحكام إخراج الزكاة وأدائها على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

تعريف أحكام إخراج الزكاة وأدائها وحكمها

[القسم الثالث]

إخراجُ الزَّكاةِ:

مَنْ وجَبَت عليه الزَّكاةُ إمَّا أنْ يُخرِجَها بإِعطائِها مُباشَرةً إلى الفُقراءِ وسائِرِ المُستحقِّينَ وإمَّا بأنْ يَدفعَها إلى الإمامِ ليَصرِفَها في مَصارفِها.

النِّيةُ عندَ أداءِ الزَّكاةِ:

اتَّفقَ الأئِمَّةُ الأربَعُة على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ لا تَصحُّ إلا بنيَّةٍ؛ لأنَّها عِبادةٌ.

قال ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: إِخراجُ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ، فإنْ أخرَجَها بغيرِ نيَّةٍ لم يُجزِئْه، وبه قالَ جميعُ العُلماءِ إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّ إِخراجَها لا يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَذهبُ عامةِ الفُقهاءِ أنَّ النيَّةَ شَرطٌ في أداءِ الزَّكاةِ، إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: لا تَجبُ لها النيَّةُ (٣).

وقد استدَلَّ الفُقهاءُ على أنَّ النيَّةَ شَرطٌ في أداءِ الزَّكاةِ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:

(١) «الإفصاح» (١/ ٣٥٨).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٧٨).
(٣) «المغني» (٣/ ٤١٧).

أولًا: الكِتابُ:

قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)[البينة: ٥].

وَجهُ الاستِدلالِ هو أنَّ اللهَ جعَلَ الإِخلاصَ وهو النيَّةُ شَرطًا في صِحَّةِ العِبادةِ، والزَّكاةُ عِبادةٌ فيُشتَرطُ لها النيَّةُ.

ثانيًا: السُّنةُ:

عن عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه قالَ: سمِعت رَسولَ اللهِ يَقولُ: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوى … » (١)، وأداءُ الزَّكاةِ عَملٌ؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتنوَّعُ إلى فَرضٍ ونَفلٍ افتَقرَت إلى النيَّةِ، كالصَّلاةِ.

فإنْ لم يَنوِ ولو جَهلًا أو ناسيًا لم يُجزِئْه ويَجبْ عليه إِخراجُها ثانيةً؛ ولأنَّ جَهلَه أو نِسيانَه دَليلٌ على أنَّه أدَّى الواجِبَ بدونِ قَصدِ التَّعبُّدِ والتَّقرُّبِ إلى اللهِ ، فهو بهذا عَملٌ ميِّتٌ أو صُورةٌ بلا رُوحٍ.

ثالثًا: المَعقولُ وهو مِنْ وُجوهٍ:

أحدُها: أنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ تَتنوَّعُ فَرضًا، وهو الزَّكاةُ، ونَفلًا، وهو التَّطوُّعُ، وجَبَ أنْ تَفتقِرَ إلى نيَّةٍ كالصَّلاةِ والصِّيامِ (٢).

الثاني: أنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ يَتكرَّرُ وُجوبُها فافتَقرَت إلى تَعيينِ النِّيةِ كالصَّلاةِ.

(١) رواه البخاري (١).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٧٨)، و «المغني» (٣/ ٤١٦).

الثالِثُ: أنَّ مَصرِفَ المالِ إلى الفُقراءِ له جِهاتٌ من زَكاةٍ وكَفارةٍ ونَذرٍ وصَدقةِ تَطوُّعٍ فاعتُبِرت نيَّةُ التَّمييزِ (١).

والنِّيةُ الواجِبةُ إمَّا أنْ تَكونَ عن نَفسِه أو عمَّن يَلي على مالِه مِنْ صَبيٍّ أو مَجنونٍ أو سفَيهٍ مَحجورٍ عليه بأنْ يَنويَ ما وجَبَ في مالِه أو في مالِ مَحجورِه (٢).

فإنْ دفَعَ وَليُّ الصَّبيِّ والمَجنونِ زَكاةَ مالِهِما بغيرِ نيَّةٍ لم تَقعِ المَوقعَ وعليه الضَّمانُ.

وبعدَما قُلنا: إنَّ النِّيةَ شَرطٌ في إِخراجِ الزَّكاةِ فمَتى تَكونُ؟

نَصَّ الحَنفيةُ على ضَرورةِ مُقارنتِها لِلأداءِ ولو حُكمًا، كما لو دفَعَ بلا نيَّةٍ ثم نَوى والمالُ لا يَزالُ قائِمًا في مِلكِ الفَقيرِ، بخِلافِ ما إذا نَوى بعدَما استهلَكَه الفَقيرُ، أو باعَه فلا تُجزِئُ عن الزَّكاةِ.

والمُرادُ بالأداءِ الدَّفعُ إلى الفُقراءِ أو الإمامِ أو مُقارنةٌ لِعَزلِ مِقدارِ الواجِبِ منها؛ لأنَّ الزَّكاةَ قد تُؤدَّى مُفرَّقةً فيَتحرَّجُ باستِحضارِ النيَّةِ عندَ أداءِ كلِّ دُفعةٍ فاكتُفِيَ بنيَّةٍ واحِدةٍ عندَ العَزلِ مَنعًا لِلحَرجِ.

ولا يُشتَرطُ عِلمُ الفَقيرِ بأنَّها زَكاةٌ على الأصَحِّ، فلو أَعطى مِسكينًا دَراهمَ وسمَّاها هِبةً أو قَرضًا ونَوى الزَّكاةَ، فإنَّها تُجزِئُه؛ لأنَّ العِبرةَ بنيَّةِ الدافِعِ لا بعِلمِ المَدفوعِ إليه.

(١) «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٤٧)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ١٢١).
(٢) «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٠٠)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٣١).

والمُعتبَرُ في الدَّفعِ نيَّةُ الآمِرِ حتى لو دفَعَ خَمسةً إلى رَجلٍ وأمرَه أنْ يَدفعَها إلى الفَقيرِ عن زَكاةِ مالِه فدفَعَ ولم تَحضُرْه النيَّةُ عندَ الدَّفعِ جازَ؛ لأنَّ النيَّةَ إنَّما تُعتبَرُ من المُؤدِّي، والمُؤدِّي هو الآمِرُ في الحَقيقةِ، وإنَّما المَأمورُ نائِبٌ عنه في الأداءِ، ولِهذا لو وكَّلَ ذِميًّا بأداءِ الزَّكاةِ جازَ؛ لأنَّ المُؤدِّيَ في الحَقيقةِ هو المُسلِمُ.

قال الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وذُكِر في الفَتاوى عن الحَسنِ بنِ زِيادٍ في رَجُلٍ أَعطى رَجلًا دَراهمَ لِيَتصدَّقَ بها تَطوُّعًا ثم نَوى الآمِرُ أنْ يَكونَ ذلك مِنْ زَكاةِ مالِه، ثم تَصدَّقَ المَأمورُ، جازَ عن زَكاةِ مالِ الآمِرِ.

وكذا لو قالَ: «تَصدَّقْ بها عن كَفارةِ يَميني»، ثم نَوى الآمِرَ عن زَكاةِ مالِه جازَ لما ذكَرْنا أنَّ الآمِرَ هو المُؤدِّي من حيثُ المَعنى، وإنَّما المَأمورُ نائِبٌ عنه (١).

وعندَ المالِكيةِ: تَجبُ نيَّةُ الزَّكاةِ عندَ عَزلِها أو دَفعِها لمُستحِقِّها، ويَكفي أحدُهما، فإنْ لم يَنوِ عندَ العَزلِ ولا الدَّفعِ وإنَّما نَوى بعدَه أو قبلَها لم تُجِزئْه.

وإذا نَواها عندَ العَزلِ وسرَقَها مَنْ يَستحِقُّها: أجزَأتْ.

وإنَّما احتاجَت إلى نيَّةٍ؛ لأنَّها عِبادةٌ مُشتمِلةٌ على واجِبٍ وغَيرِه فاحتاجَت إليها.

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٠، ٤١). وينظر: «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٦٨)، و «الأشباه والنظائر» ص (٤٤)، و «درر الحكام شرح غرر الأحكام» (٢/ ٣١٧).

والنيَّةُ الحُكميَّةُ كافيةٌ، فإذا عَدَّ دراهِمَه وأخرَجَ ما يَجبُ فيها ولم يَلحَظْ أنَّ هذا المَخرَجَ زَكاةٌ لكنْ لو سُئلَ لَأجابَ أجزَأَه (١).

وعندَ الشافِعيةِ وَجهانِ في جَوازِ تَقديمِ النيَّةِ على تَفرِقةِ الزَّكاةِ، والأصَحُّ -كما قالَ النَّوويُّ- الإِجزاءُ، كالصَّومِ للعُسرِ في إيجابِ المُقارنةِ؛ ولأنَّ القَصدَ سَدُّ حاجةِ الفَقيرِ، وعلى هذا يَكفي نيَّةُ المُؤكِّلِ عندَ الدَّفعِ إلى الوَكيلِ، وعلى الثاني يُشتَرطُ نيَّةُ الوَكيلِ عندَ الدَّفعِ إلى المَساكينِ، ولو وكَّلَ وَكيلًا وفوَّضَ النيَّةَ إليه جازَ (٢).

وعندَ الحَنابِلةِ: إنْ تقدَّمَت النيَّةُ على الأداءِ بالزَّمنِ اليَسيرِ جازَ، وإنْ طالَ لم يَجزْ كسائِرِ العِباداتِ (٣).

ولو دفَعَ الزَّكاةَ إلى وَكيلِه ناويًا أنَّها زَكاةٌ كَفى ذلك، والأفضَلُ أنْ يَنويَ الوَكيلُ عندَ الدَّفعِ إلى المُستحِقِّين أيضًا، ولا تَكفي نيَّةُ الوَكيلِ وَحدَه؛ لأنَّ الفَرضَ يَتعلَّقُ به، والإِجزاءُ يَقعُ عنه (٤).

(١) «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٢١٤)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٢٢)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٠٠)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٣١).
(٢) «روضة الطالبين» (٢/ ٦٦)، و «إعانة الطالبين» (٢/ ١٨١).
(٣) «المغني» (٣/ ٤١٧)، و «الإفصاح» (١/ ٢٥٨).
(٤) «ابن عابدين» (٢/ ٢٦٨)، و «فتح القدير» (١/ ٤٩٣)، و «شرح المنهاج» (٢/ ٤٣)، و «المغني» (٣/ ٤١٧).

مسائل أحكام إخراج الزكاة وأدائها الفقهية

ارجع إلى الزكاة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 16 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.4 / 29.5
الإضاءة 92%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
الله أكبر