الإسلام > الزكاة > زكاة الفطر > الشرط الثالث: اليسار أو القدرة على إخراج زكاة الفطر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّ الوُجوبَ على مَنْ خُوطِب بالأداءِ وجعَلَه بمَنزِلةِ النَّفقةِ، ونَفقةُ المَملوكِ على المَولى، فكذلك صَدقةُ الفِطرِ عنه.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: ثم هذه الصَّدقةُ واجِبةٌ باعتِبارِ مِلكِه، فكانَت عليه ابتِداءً كزَكاةِ المالِ عن عبدِ التِّجارةِ، وهذا لأنَّ حالَ العَبدِ دونَ حالِ فَقيرٍ لا يَملِكُ شَيئًا؛ لأنَّ ذلك الفَقيرَ من أهلِ المِلكِ والعَبدُ لا، فإذا لم تَجبْ على الفَقيرِ الذي لا يَملِكُ شَيئًا؛ فلَأنْ تَكونَ لا تَجبُ على العَبدِ أَوْلى، والدَّليلُ عليه أنَّه لا يُخاطَبُ بالأداءِ بحالٍ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: اليَسارُ أو القُدرةُ على إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ اليَسارِ أو في مَعنى القُدرةِ على إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ وُجوبِ اشتِراطِ مِلكِ النِّصابِ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ، وإنَّما تَجبُ على مَنْ يَكونُ عندَه فَضلٌ على قُوتِ يومِ العيدِ ولَيلتِه لنَفسِه وعيالِه الذين يَلزمُه مُؤنَتُهم بمِقدارِ زَكاةِ الفِطرِ، فإذا كانَ ذلك عندَه لزِمَته (٢).
(١) «المبسوط» (٣/ ١٠٣).
(٢) ينظر: «الذخيرة» (٣/ ١٥٩، ١٦٠)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٣٦)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٥٦، ٥٩)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٢٩٩، ٣٠٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٤١)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤٥٥)، و «شرح الزركشي» (١/ ٤٠٧).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: إذا فضَلَ عن قُوتِه وقُوتِ عيالِه ليَومِ العيدِ ولَيلتِه قَدرُ صَدقةِ الفِطرِ يَلزمُه صَدقةُ الفِطرِ (١).
وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: ويُشتَرطُ في وُجوبِها أنْ يَكونَ عندَه فَضلٌ على قُوتِه يومَ العيدِ ولَيلتَه (٢).
واستدَلَّ الجُمهورُ على عَدمِ اشتِراطِ مِلكِ النِّصابِ لوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ بالسُّنةِ والأثَرِ والمَعقولِ.
أولًا: السُّنةُ:
١ - عَنْ ابنِ ثَعلَبةَ بنِ أَبي صُعَيرٍ عَنْ أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أدُّوا صاعًا مِنْ قَمحٍ، أو صاعًا مِنْ بُرٍّ، وشَكَّ حَمادٌ -أي: حَمادُ بنُ زَيدٍ راوِي الحَديثِ، عَنْ كلِّ اثنَينِ، صَغيرٍ أو كَبيرٍ، ذَكرٍ أو أُنثَى، حُرٍّ أو مَملُوكٍ، غَنيٍّ أو فَقيرٍ، أمَّا غَنيُّكم فيُزكِّيهِ اللهُ، وأمَّا فَقيرُكم، فيُردُّ علَيه أَكثَرُ مِما يُعطِي» (٣).
ووَجهُ الدِّلالةِ من هذا الحَديثِ أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بأداءِ صَدقةِ الفِطرِ عن الفَقيرِ، والأمرُ يَدلُّ على الوُجوبِ، فتَكونُ زَكاةُ الفِطرِ واجِبةً على القادِرِ على إِخراجِها.
(١) «شرح السنة» (٦/ ٧١).
(٢) «شرح الزركشي على مختصر الخرقي» (١/ ٤٠٧).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (١٦١٩)، وأحمد (٢٣٧١٤)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣٤١١)، والدارقطني في «سننه» (٢/ ١٤٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧٤٩٨) ومَدارُ الحَديثِ على النُّعمانِ بنِ راشدٍ وهو ضَعيفُ الحَديثِ.
٢ - واستدَلُّوا على عَدمِ اشتِراطِ مِلْكِ النِّصابِ بأنَّ مَنْ عندَه قُوتُ يومِه فهو غَنيٌّ، فما زادَ على قُوتِ يومِه وجَبَ عليه أنْ يُخرجَ من زَكاةِ الفِطرِ، والدَّليلُ على ذلك ما رَواه سَهلُ بنُ الحَنظليَّةِ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ سأَلَ وعندَه ما يُغنِيه فإنَّما يَستَكثِرُ مِنْ النَّارِ، وقالَ النُّفيلِيُّ -راوِي الحَديثِ- في مَوضعٍ آخَرَ: مِنْ جَمرِ جَهنَّمَ، فقالُوا: يا رَسولَ اللهِ، وما يُغنِيه؟ وقالَ النُّفَيليُّ في مَوضعٍ آخَرَ: وما الغِنى الذي لَا تَنبَغي معه المَسأَلةُ؟ قالَ: قَدرُ ما يُغدِّيهِ ويُعشِّيهِ، وقالَ النُّفَيليُّ في مَوضعٍ آخَرَ: أنْ يَكونَ له شِبعُ يَومٍ ولَيلةٍ أو لَيلةٍ ويَومٍ» (١)، دَلَّ الحَديثُ على أنَّ مَنْ عندَه قُوتُ يومِه فهو غَنيٌّ وجَبَ عليه أنْ يُخرِجَ ما زادَ على قُوتِ يومِه.
٣ - وعَن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ على النَّاسِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ حرٍّ أو عبدٍ، ذَكرٍ أو أُنثَى مِنْ المُسلِمينَ» (٢).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ قَولُه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ على النَّاسِ»، ولَفظُ «النَّاسِ» عامٌّ يَشمَلُ الغَنيَّ والفَقيرَ الواجِدَ لمِقدارِها فاضِلًا على حاجَتِه (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٦٢٩)، واللفظ له وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٩٠).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٣) «طرح التثريب شرح التقريب» (٤/ ٦١).
ثانيًا: الأَثرُ:
فعَن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «زَكاةُ الفِطرِ على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ، ذَكرٍ وأُنثَى: صَغيرٍ وكَبيرٍ، غَنيٍّ وفَقيرٍ» (١)، والمُرادُ بالفَقيرِ مَنْ يَملِكُ زَكاةَ الفِطرِ فاضِلًا عن قُوتِه وقُوتِ عيالِه، وهذا دَليلٌ على أنَّ اليَسارَ المُعتبَرَ لوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو مِلكُ مِقدارِها.
ثالِثًا: المَعقولُ:
هو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ مُتعلِّقةٌ بالبَدنِ لا تَزيدُ بزِيادةِ المالِ، فلا يُشتَرطُ وُجودُ النِّصابِ فيه كالكَفارةِ (٢)، ولا يُمتنَعُ أنْ يُؤخذَ منه ويُعطَى كما وجَبَ عليه العُشرُ في زَرعِه وهو بَعدُ مُحتاجٌ إلى ما يَكفيه وعيالَه؛ ولأنَّه من أهلِ الطَّهارةِ يَملِكُ قَدرَ الفِطرةِ فاضِلًا على الكِفايةِ فوجَبَ أنْ تَلزمَه الزَّكاةُ؛ ولأنَّ فَرضَ الزَّكاةِ ورَدَ مُطلقًا على الصَّغيرِ والكَبيرِ والذَّكرِ والأُنثى والحُرِّ والعَبدِ ولم يُقيِّدْها بغَنيٍّ ولا فَقيرٍ كما قيَّدَ زَكاةَ المالِ بقَولِه: «تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» (٣) (٤).
وقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ قادِرًا على المِقدارِ الذي يَجبُ عليه ولو كانَ أقَلَّ من صاعٍ وعندَه قُوتُ يومِه وجَبَ عليه دَفعُه.
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٣/ ٣١١) برقم (٥٧٦١).
(٢) وذلك لأنَّ صَدقةَ الفِطرِ تُشبِهُ الكَفَّارةَ دونَ الزَّكاةِ حتى إنَّها لا يُعتبَرُ فيها الحَولُ وفي الكَفَّارةِ يُعتبَرُ تَيسيرُ الأداءِ دونَ الغَنيِّ فكذلك في زَكاةِ الفِطرِ. يُنظر: «المبسوط» للسرخسي (٣/ ١٠٢).
(٣) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).
(٤) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٧٢)، و «المغني» (٤/ ٥٦)، و «الكافي» (١/ ٣٢١).
بل قالُوا: يَجبُ عليه أنْ يَقتَرضَ لِأداءِ زَكاةِ الفِطرِ إذا كانَ يَرجو القَضاءَ؛ لأنَّه قادِرٌ حُكمًا، وإنْ كانَ لا يَرجو القَضاءَ لا يَجبُ عليه (١).
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: يُشتَرطُ لوُجوبِ الفِطرةِ على الفَقيرِ أنْ يَكونَ عندَه مِقدارُها فاضِلًا على قُوتِه وقُوتِ مَنْ تَلزمُه نَفقتُه لَيلةَ العيدِ ويَومَه، وأنْ يَكونَ فاضِلًا على مَسكَنِه ومَتاعِه وحاجاتِه الأصليَّةِ، فمَن له دارٌ يَحتاجُ إليها لسُكناها أو إلى أُجرتِها لنَفقتِه، أو ثيابٌ بذَلَها له، أو لمَن تَلزمُه مُؤنَتُه، أو رَقيقٌ يَحتاجُ إلى خِدمَتِهم هو أو مَنْ يَمونُه، أو بَهائمُ يَحتاجُ إلى رُكوبِها والانتِفاعِ بها في حَوائجِهم الأصليَّةِ، أو سائِمةٌ يَحتاجونَ إلى نَمائِها كذلك؛ لأنَّ هذا مما تَتعلَّقُ به حاجَتُه الأصليَّةُ، فلم يَلزمْه بَيعُه كمُؤنةِ نَفسِه.
ومَن له كُتبٌ يَحتاجُ إليها للنَّظرِ فيها والحِفظِ منها لا يَلزمُه بَيعُها، والمَرأةُ إذا كانَ لها حُليٌّ للُّبسِ أو لكِراءٍ تَحتاجُ إليه لَم يَلزمْها بَيعُها في الفِطرةِ.
وما فضَلَ من ذلك عن حَوائجِه الأصليَّةِ وأمكَنَ بَيعُه وصَرفُه في الفِطرةِ وجَبَت الفِطرةُ به؛ لأنَّه أمكَنَ أداؤُها من غيرِ ضَررٍ أَصليٍّ، أشبَهَ ما لوملَكَ من الطَّعامِ ما يُؤدِّيه فاضِلًا على حاجَتِه (٢).
القَولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ وابنُ العَربيِّ من المالِكيةِ إلى أنَّ مَعنى القُدرةِ على إِخراجِ صَدقةِ الفِطرِ أنْ يَكونَ مالِكًا للنِّصابِ الذي تَجبُ فيه
(١) «الذخيرة» (٣/ ١٥٩/ ١٦٠)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٣٦).
(٢) «المجموع» (٧/ ١٨٩)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٢٩٩، ٣٠٠)، و «المغني» (٤/ ٥٩)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٤٧)، و «شرح الزركشي» (١/ ٤٠٧)، و «الإفصاح» (١/ ٣٤١).
الزَّكاةُ من أيِّ مالٍ كانَ، سَواءٌ كانَ من الذَّهبِ أو من الفِضَّةِ أو السَّوائمِ من الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ أو من عُروضِ التِّجارةِ، فمَن كانَ عندَه هذا القَدرُ فاضِلًا على حَوائجِه الأصليَّةِ من مَأكلٍ ومَلبَسٍ ومَسكنٍ وسِلاحٍ وفَرسٍ وعَبدٍ وجَبَت عليه زَكاةُ الفِطرِ (١).
قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا اشتِراطُ النِّصابِ فقولُ عُلمائِنا … واليَسارُ المُعتبَرُ لإِيجابِ زَكاةِ الفِطرِ أنْ يَملِكَ مِئتَي دِرهَمٍ أو ما يُساوي مِئتَي دِرهَمٍ من الدَّراهمِ التي تَغلِبُ النَّقرةُ فيها على الغِشِّ فَضلًا على حاجَتِه (٢).
وقالَ الإمامُ الحَدَّاديُّ: (قَولُه: إذا كانَ مالِكًا لمِقدارِ النِّصابِ) وعندَ الشَّافعِيِّ تَجبُ على الفَقيرِ إذا كانَ له زِيادَةٌ على قُوتِ يومِه لنَفسِه وعِيالِه، وشرَطَ الشَّيخُ الحُرِّيةَ بتَحقُّقِ التَّملِيكِ والإِسلامِ لتَقعَ الصَّدقةُ قُربةً، وشَرطُ اليَسارِ؛ لقَولِه ﷺ:» لَا صَدقةَ إلَّا عَنْ ظَهرِ غنًى»، وقَدرُ اليَسارِ بالنِّصابِ لتَقديرِ الغِنى في الشَّرعِ به، وسَواءٌ ملَكَ نِصابًا أو ما قيمَتُه نِصابٌ من العُروضِ أو غيرِها فَضلًا على كِفايَتِه، ولا يَكونُ عليه دَينٌ.
(١) «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» (٢/ ٦٩)، و «المبسوط» للسرخسي (٣/ ١٠٢)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ٣٣٤)، و «الهداية شرح بداية المبتدئ» (١/ ١١٥)، و «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق» (١/ ٣٠٦)، و «العناية شرح الهداية» (٣/ ٢٢٦)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ٤).
(٢) «المبسوط» للسرخسي (٣/ ١٠٢).
(قَولُه: فاضِلًا عن مَسكنِه وثيابِه وفَرسِه وسِلاحِه وعَبيدِه للخِدمةِ)؛ لأنَّ هذه الأشياءَ مُستحَقةٌ بالحَوائجِ الأصليَّةِ، ولأنَّ المُستحَقَّ بها كالمَعدومِ، وكذا كُتبُ العِلمِ إنْ كانَ من أهلِه، ويُعفَى له في كُتبِ الفِقهِ عن نُسخةٍ من كلٍّ مُصنَّفٍ لا غَيرُ، وفي الرَّأيِ الحَديثِ عن نُسخَتينِ، ولوكانَ له دارٌ واحِدةٌ يَسكنُها ويَفضلُ على سُكناه منها ما يُساوي نِصابًا وجَبَت عليه الفِطرةُ، وكذا في الثِّيابِ والأَثاثِ (١).
استدَلَّ الحَنفيةُ على قَولِهم هذا بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: السُّنةُ:
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قال رَسولُ اللهِ ﷺ: «لَا صَدقةَ إلَّا عَنْ ظَهرِ غنًى (٢)، واليدُ العُليا (٣) خَيرٌ مِنْ اليدِ السُّفلَى (٤)، وابدَأْ بمَن تَعولُ» (٥).
(١) «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣، ٤).
(٢) ظَهْرِ غِنًى: أي: ما كان عَفوًا قد فضَل عن غِنًى، وقيل: أراد ما فضَل عن العيالِ والظَّهرُ قد يُزادُ في مِثلِ هذا إشباعًا لِلكَلامِ وتَمكينًا، كأنَّ صَدقتَه إلى ظَهرٍ قَويٍّ من المالِ. انظر: «النهاية في غريب الحديث»، و «الأثر» لابن الأثير (٣/ ١٦٥) مادة «ظهر»، و «لسان العرب» (٤/ ٥٢١)، و «تاج العرس» (١٢/ ٤٩٦).
(٣) اليدُ العُليا: المُتعفِّفةُ، وقِيل: المُعطِيةُ. «النهاية» (٣/ ٢٩٤)، و «لسان العرب» (١٥/ ٨٦).
(٤) اليدُ السُّفلي: السَّائِلةُ، وقِيل: الآخِذةُ، وقِيل: المَانِعةُ. المَصادِر السَّابقَة.
(٥) رواه الإمام أحمد (٧١٥٥) بهذا اللفظ، والبخاري في «صحيحه» (٢/ ٥١٨) باب لا صدقة إلا عن ظهر غني ح (١٣٦٠) (١٣٦١) بلفظ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»، ومسلم في «صحيحه» (٢٣) بابُ بيانِ أن اليدَ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى، وأن اليدَ العُليا هي المُنفِقةُ، وأن اليدَ السُّفلى هي الآخِذةُ (٢/ ٧١٧) ح (١٠٣٤) بلفظ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أو خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ إلا على الغَنيِّ، والغِنى المُعتبَرُ شَرعًا هو ما تَجبُ به الزَّكاةُ، وهو مِلكُ النِّصابِ، وإذا لم يَكنْ هذا غَنيًّا فلا تَجبُ عليه الصَّدقةُ.
ثانيًا: المَعقولُ: وهو مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما زَكاةٌ، وأنَّ زَكاةَ المالِ يُشتَرطُ لها النِّصابُ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ.
ثانِيهما: وهو أنَّ من لم يَملِكْ نِصابًا زَكويًّا فهو فَقيرٌ، والفَقيرُ مَحلٌّ لصَرفِ الزَّكاةِ إليه، ومَن كانَ مَحلًّا لصَرفِ الزَّكاةِ إليه لا تُطلَبُ منه لفَقرِه؛ لأنَّه لا يَجتمِعُ جَوازُ الصَّدقةِ عليه مع وُجوبِها عليه؛ لأنَّ الشَّرعَ لا يَردُ بما لا يُفيدُ، فلو قُلنا بأنَّه يَأخذُ من غيرِه ويُؤدِّي عن نَفسِه كانَ اشتِغالًا بما لا يُفيدُ، واللهُ ﷾ أمَرَنا بإِعطاءِ الفُقراءِ لا الأخذِ منهم، إذًا فالزَّكاةُ لا تَجبُ على الغَنيِّ الذي يَملِكُ نِصابًا زَكويًّا (١).
(١) «المبسوط» (٣/ ١٠٢)، و «طرح التثريب» (٤/ ٦١)، و «نيل الأوطار» (٤/ ٢٥٧).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]
وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ
(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.
ــ
منح الجليل
ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن
(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.
هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر
بابُ زكاةِ الفِطْرِ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ
الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب من تلزمه زكاة الفطر
باب من تلزمه زكاة الفطر
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نافعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعبدٍ ذكرٍ وَأُنْثَى مِنَ المسلمين وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من حديث آخر قال " " من تَمُونُونَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ زَكَاةُ الفطر وزكاة الفطر، فَمَنْ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ أَوْجَبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ ومن قال زكاة الفطر، فأوجبها عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِطْرَة اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا) {الروم: ٣٠) أَيْ: خِلْقَتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ وَجَبَتِ ابْتِدَاءً بِمَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ أَوْ وَجَبَتْ بِغَيْرِهِ؟ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالظَّوَاهِرِ الَّتِي وَجَبَتْ بِهَا زَكَوَاتُ الْأَمْوَالِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِعُمُومِهَا فِي الزَّكَاتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، أَنَّهَا وَجَبَتْ بِغَيْرِ مَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ وَأَنَّ وُجُوبَهَا أَسْبَقُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة فَلَمَا نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَتْ بِالسُّنَّةِ، أَوْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَبْنِيَّةً عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
ارجع إلى زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.