مسائلُ فقهيةٌ في زكاة الفطر على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةفصل في زَكاةُ الفِطرِ
تَعريفُ زَكاةِ الفِطِر:
من مَعاني الزَّكاةِ في اللُّغةِ: النَّماءُ والزِّيادةُ والصَّلاحُ وصَفوةُ الشَّيءِ وما أخرَجتَه من مالِكَ لتُطهِّرَه به.
والفِطرُ: اسمُ مَصدَرٍ من قَولِك: أفطَرَ الصائِمُ إِفطارًا (١).
وأُضيفَت الزَّكاةُ إلى الفِطرِ؛ لأنَّه سَببُ وُجوبِها، وقيلَ لها: فِطرةٌ، كأنَّها من الفِطرةِ التي هي الخِلقةُ (٢).
وقالَ صاحِبُ «المِصباح المُنير»: «وقَولُهم: تَجبُ الفِطرةُ، هو على حَذفِ مُضافٍ، والأصلُ تَجبُ زَكاةُ الفِطرةِ وهي البَدنُ، فحُذفَ المُضافُ وأُقيمَ المُضافُ إليه مَقامَه، واستُغنيَ به في الاستِعمالِ لفَهمِ المَعنى» (٣).
قالَ ابنُ قُتَيبةَ: «قيلَ لزَكاةِ الفِطرِ فِطرةٌ، والفِطرةُ الخِلقةُ، ومنه قَولُ اللهِ ﷿: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: على جِبلَّتِه
(١) «القاموس المحيط»، و «المصباح»، و «لسان العرب» مادة (زكو).
(٢) «كشاف القناع» (٢/ ٢٤٥)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٠١).
(٣) «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير» للرافعي (٢/ ٤٧٦).
التي جبَلَ الناسَ عليها، يُرادُ أنَّها صَدقةٌ عن المالِ» (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: «وأُضيفَتِ الصَّدقةُ للفِطرِ لكَونِها تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ» (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: يُقالُ: زَكاةُ الفِطرِ وصَدقةُ الفِطرِ، ويُقالُ لِلمُخرَجِ فِطرةٌ، بكَسرِ الفاءِ لا غَيرُ، وهي لَفظةٌ مُولَّدةٌ لا عَربيَّةٌ، بل اصطِلاحيَّةٌ للفُقهاءِ، وكأنَّها من الفِطرةِ التي هي الخِلقةُ، أي: زَكاةُ الخِلقةِ (٣).
(١) «غريب الحديث» (١/ ٢٥).
(٢) «فتح الباري» (٣/ ٣٦٧).
(٣) «المجموع» (٦/ ٨٥). وقالَ ابنُ عابدين رحمة الله عليه في «حاشيَتِه على الدُّرّ المُختارِ» (٢/ ٣٥٧): قَولُه: (والفِطرُ لَفظٌ إسلاميٌّ) اصطَلحَ عليه الفُقهاءُ كأنَّه من الفِطرةِ بمَعنى الخِلقةِ، كذا في البَحرِ تَبعًا للزَّيلَعيِّ.
والظاهِرُ أنَّ مُرادَه أنَّ الفِطرَ المُضافَ إليه الصَّدقةُ الذي هو اسمٌ لِليَومِ المَخصوصِ لَفظٌ شَرعيٌّ، أي: إطلاقُه على ذلك اليَومِ بخُصوصِه اصطِلاحٌ شَرعيٌّ، إذ لا شَكَّ أنَّ الفِطرَ الذي هو ضِدُّ الصَّومِ لُغويٌّ مُستعمَلٌ قبلَ الشَّرعِ، أو مُرادُه لَفظُ الفِطرةِ بالتاءِ بقَرينةِ التَّعليلِ.
ففي النَّهرِ عن شَرحِ الوِقايةِ أنَّ لَفظَ الفِطرةِ الواقِعَ في كَلامِ الفُقهاءِ وغَيرِهم مُولَّدٌ حتى عَدَّه بَعضُهم من لَحنِ العامَّةِ. اه. أي أنَّ الفِطرةَ المُرادُ بها الصَّدقةُ غَيرُ اللُّغويةِ؛ لأنَّها لم تأتِ بهذا المَعنى، وأمَّا ما في القاموسِ من أنَّ الفِطرةَ بالكَسرِ صَدقةُ الفِطرِ والخِلقةِ، فاعتَرضَه بَعضُ المُحقِّقين بأنَّ الأولَ غَيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ ذلك المُخرَجَ لم يُعلَمْ إلا من الشارِعِ، وقد عُدَّ من غَلطِ القاموسِ ما يَقعُ كَثيرًا فيه من خَلطِ الحَقائِقِ الشَّرعيَّةِ باللُّغويَّةِ. اه.
لكنْ في المُغرِبِ: وأمَّا قَولُه في «المُختصَر»: الفِطرةُ نِصفُ صاعٍ من بُرٍّ فمعناها صَدقةُ الفِطرِ، وقد جاءَت في عِباراتِ الشافِعيِّ وغَيرِه، وهي صَحيحةٌ من طَريقِ اللُّغةِ وإنْ لم أجِدْها فيما عندي من الأُصولِ. اه.
وفي تَحريرٍ هي اسمٌ مُولَّدٌ، ولَعلَّها من الفِطرةِ التي هي الخِلقةُ.
قالَ أبو مُحمدٍ الأبهريُّ: معناها: زَكاةُ الخِلقةِ كأنَّها زَكاةُ البَدنِ. اه.
وفي «المِصباحِ»: وقَولُهم: تَجِبُ الفِطرةُ، الأصلُ: تَجِبُ زَكاةُ الفِطرةِ وهي البَدنُ، فحُذِف المُضافُ وأُقيمَ المُضافُ إليه مَقامَه واستُغني به في الاستِعمالِ لِفَهمِ المَعنى. اه.
ومَشى عليه القُهُستانِيُّ، وِلهذا نقَلَ بَعضُهم أنَّها تُسمَّى صَدقةَ الرأسِ وزَكاةَ البَدنِ.
والحاصِلُ أنَّ لَفظَ الفِطرةِ بالتاءِ لا شَكَّ في لُغويَّتِه، ومَعناه الخِلقةُ، وإنَّما الكَلامُ في إطلاقه مراد به المُخرَجُ، فإنْ أُطلِق عليه بدونِ تَقديرٍ فهو اصطِلاحٌ شَرعيٌّ مُولَّدٌ، وأمَّا مع تَقديرِ المُضافِ فالمُرادُ بها المَعنى اللُّغويُّ، ولَعَلَّ هذا وَجهُ الصِّحَّةِ الذي أراده صاحِبُ المُغرِبِ، وأمَّا لَفظُ الفِطرِ بدونِ تاءٍ فلا كَلامَ في أنَّه مَعنًى لُغويٌّ، وبهذا تَعلَمُ ما في كَلامِ الشارِحِ تَبَعًا للنَّهرِ فافْهَمْ.
الزَّكاةُ في الاصطِلاحِ:
تَعدَّدت تَعريفاتُ الفُقهاءِ في زَكاةِ الفِطرِ كما يَلي:
١ - عرَّفَها الحَنفيةُ بأنَّها اسمٌ لِما يُعطَى من المالِ بطَريقِ الصِّلاتِ والعِبادةِ تَرحُّمًا مُقدَّرًا (١).
٢ - وعرَّفَها المالِكيةُ تَعريفَينِ: الأولُ على أنَّ الفِطرَ مَصدرٌ: بأنَّها إِعطاءُ مُسلِمٍ فَقيرٍ لقُوتِ يومِ الفِطرِ صاعًا من أغلَبِ القُوتِ أو جُزأَه المُسمَّى للجُزءِ المَقصورِ وُجوبُه عليه.
(١) «حاشية الشلبي على تبيين الحقائق» (١/ ٣٠٦).
وتَعريفُها على أنَّها اسمٌ: صاعٌ يُعطَى مُسلِمًا فَقيرًا لقُوتِ يومِ الفِطرِ من غالِبِ القُوتِ أو جُزؤُه المُسمَّى للجُزءِ المَقصورِ وُجوبُه عليه.
والجامِعُ أنْ يُقالَ: عِبادةٌ مُقدَّرةٌ وجَبَ التَّصدُّقُ بها لمَعنًى في زَمنٍ خاصٍّ (١).
٣ - عرَّفَها الشافِعيةُ: بأنَّها قَدرٌ مُعيَّنٌ من المالِ، يَجبُ إِخراجُه عندَ غُروبِ الشَّمسِ آخرَ يَومٍ من رَمضانَ، بشُروطٍ مُعيَّنةٍ على كلِّ مُكلَّفٍ ومَن تَلزمُه نَفقتُه.
٤ - عرَّفَها الحَنابِلُة بأنَّها: صَدقةٌ تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ في قَولِه ﷾: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى: ١٤]: هو زَكاةُ الفِطرِ، وأُضيفَت هذه الزَّكاةُ إلى الفِطرِ؛ لأنَّها تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ، وقالَ ابنُ قُتَيبةَ: وقيلَ لها: فِطرةٌ؛ لأنَّ الفِطرةَ الخِلقةُ.
قالَ اللهُ ﷾: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: جِبلَّتَه التي جبَلَ الناسَ عليها، وهذه يُرادُ بها الصَّدقةُ عن البَدنِ والنَّفسِ كما كانَت الأُولى صَدقةً عن المالِ (٣).
ويُمكنُ أنْ تُعرَّفَ بتَعريفٍ جامِعٍ بأنَّها: صَدقةٌ واجِبةٌ بالفِطرِ من رَمضانَ على المُكلَّفِ المالِكِ لمِقدارِها فاضِلًا على قُوتِه وقُوتِ (عِيالِه) ومَن يَمونُه يومَ العيدِ ولَيلتَه، عن نَفسِه وعمَّن تَجبُ عليه نَفقتُه.
(١) «شرح حدود ابن عرفة» (١/ ١٥٠).
(٢) «كشاف القناع» (٢/ ٢٤٦).
(٣) «المغني» (٤/ ٣٠).
ارجع إلى الزكاة للاطلاع على جميع الأبواب.