الإسلام > الزكاة > زكاة الفطر > حكم اختلاف مكان المؤدي والمؤدى عنه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا زَكاةُ الفِطرِ فإنَّه يُفرِّقُها في البَلدِ الذي وجَبَت عليه فيه، سَواءٌ كانَ مالُه فيه أو لم يَكنْ؛ لأنَّه سَببُ وُجوبِ الزَّكاةِ، ففُرِّقت في البَلدِ الذي سَببُها فيه (١).
استدَلَّ الفُقهاءُ على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ إنَّما هو مَكانُ المُزكِّي بما رَواه ابْنُ عَباسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذًا رضي الله عنه إلى اليَمنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأعلِمهُم أنَّ اللهَ قد افتَرضَ عليهم خَمسَ صَلَواتٍ فِي كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، فإِنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً فِي أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» (٢).
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو ما اشتَملَ عليه من قَولِه ﷺ: «تُؤخَذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» والضَّميرُ في قَولِه: «فُقَرائِهم» يَعودُ على فُقراءِ أهلِ البَلدِ، وهذا هو الأظهَرُ؛ لأنَّ مُعاذًا أُرسِلَ إلى أهلِ اليَمنِ، والضَّميرُ في قَولِه: «أَغنِيائِهم» يَعودُ على أهلِ اليَمنِ أيضًا، فكذلك في فُقرائِهم حتى يَستقيمَ اللَّفظُ والمَعنى.
حُكمُ اختِلافِ مَكانِ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مَكانِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ إذا اختَلفَ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه على قولَينِ:
(١) «المغني» (٣/ ٤٤٨).
(٢) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).
القَولُ الأولُ: إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ هو مَكانُ المُؤدِّي، وهو الصَّحيحُ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ وهو قَولٌ للشافِعيةِ (١).
قالَ الإمامُ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: وفي صَدقةِ الفِطرِ يُعتبَرُ مَكانُه لا مَكانُ أَولادِه الصِّغارِ وعَبيدِه في الصَّحيحِ (٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ويُستحَبُّ للمُسافِرِ إِخراجُها في المَكانِ الذي هو فيه عن نَفسِه، وعن عيالِه، فإنْ أخرَجَها أهلُه عنه أجزَأَه (٣).
قالَ الإمامُ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: ومن وجَبَت عليه فِطرةُ غيرِه كزَوجةٍ وعَبدٍ وقَريبٍ، أخرَجَها في مَكانِ نَفسِه (٤).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولو كانَ عَبدُه ببَلدٍ آخَرَ فالأصَحُّ أنَّ الاعتِبارَ بقُوتِ بَلدِ العَبدِ بِناءً على أنَّها وجَبَت على المُتحمِّلِ عنه ابتِداءً، وهو الأصَحُّ، والثاني: أنَّ العِبرةَ بَلدُ السَّيدِ بِناءً على أنَّها تَجبُ ابتِداءً على المُتحمِّلِ وهو مَرجوحٌ (٥).
(١) «المبسوط» (٣/ ١٠٦)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٥)، و «الكافي» (١/ ١١٣)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٣٠٥)، و «مغني المحتاج» (١/ ٧٠٤)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٥٢)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٦٩).
(٢) «تبيين الحقائق» (١/ ٣٠٥).
(٣) «الكافي في فقه أهل المدينة» (١/ ١١٣).
(٤) «كشاف القناع» (٢/ ٢٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٤٢).
(٥) «مغني المحتاج» (١/ ٤٠٧)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ١٣٣).
واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم، وهو أنَّ مَكانَ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ، مَكانُ المُؤدِّي في حالةِ ما إذا اختَلفَ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه بالمَعقولِ، وهو:
أنَّ صَدقةَ الفِطرِ تَتعلَّقُ بذمَّةِ المُؤدِّي، لا بمالِه حتى لو هلَكَ مالُه لا تَسقطُ الصَّدقةُ، فإذا تَعلَّقَت الصَّدقةُ بذمَّةِ المُؤدِّي اعتُبِرَ مَكانُ المُؤدِّي لا مَكانُ المُؤدَّى عنه (١).
القَولُ الثاني: أنَّ مَكانَ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ إذا اختَلفَ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه هو مَكانُ المُؤدَّى عنه، وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ وهو قَولٌ للحَنفيةِ وللحنابِلةِ (٢).
قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: والمُعتبَرُ في الزَّكاةِ مَكانُ المالِ، وفي صَدقةِ الفِطرِ مَكانُ الرَّأسِ المُخرَجِ عنه في الصَّحيحِ، مُراعاةً لإِيجابِ الحُكمِ في مَحلِّ وُجودِ سَببِه (٣).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولو كانَ عَبدُه ببَلدٍ آخَرَ فالأصَحُّ أنَّ الاعتِبارَ بقُوتِ بَلدِ العَبدِ بِناءً على أنَّها وجَبَت على المُحتمِلِ عنه ابتِداءً وهو الأصَحُّ (٤).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٥)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٣٠٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٥)، و «المبسوط» (٣/ ١٠٦)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٩٦)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٠٧)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ١٢٣)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٠٣).
(٣) «شرح فتح القدير» (٢/ ٢٨٠)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٦٩).
(٤) «مغني المحتاج» (١/ ٤٠٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل ركن الزكاة
الْعُشْرَ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: خُذُوا مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا فَقِيلَ لَهُ: إنْ لَمْ نَعْلَمْ مَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا؟ فَقَالَ: خُذُوا مِنْهُمْ الْعُشْرَ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجِزْيَةِ وَالْمُؤْنَةُ تُوضَعُ مَوَاضِعَ الْجِزْيَةِ وَتُصْرَفُ إلَى مَصَارِفِهَا.
فَصْلٌ رُكْنُ الزَّكَاةِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.