زكاة الفطر عن الجنين

الإسلام > الزكاة > زكاة الفطر > زكاة الفطر عن الجنين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

زكاة الفطر عن الجنين - الأقوال والأدلة

زَكاةُ الفِطرِ عن الجَنينِ (١):

اختَلفَ العُلماءُ في زَكاةِ الفِطرِ عن الجَنينِ على قولَينِ:

القَولُ الأولُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الجَنينِ غيرُ واجِبةٍ، وهو قَولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ (٢).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا تَجبُ فِطرةُ الجَنينِ لا على أَبيه ولا في مالِه بلا خِلافٍ عندَنا.

وأشارَ ابنُ المُنذِرِ إلى نَقلِ الإِجماعِ على ما ذكَرتُه، فقالَ: كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه العِلمُ من عُلماءِ الأَمصارِ لا يُوجبُ فِطرةً عن الجَنينِ (٣).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: المَذهبُ أنَّ الفِطرةَ غيرُ واجِبةٍ على الجَنينِ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه من عُلماءِ الأَمصارِ لا يُوجِبونَ على الرَّجلِ زَكاة الفِطرِ عن الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه (٤).

استدَلُّوا على ذلك بالإِجماعِ والمَعقولِ.

(١) الجَنينُ ما استتَرَ في بَطنِ أُمِّه؛ فإنْ خرَج حَيًّا فهو وَلدٌ، وإنْ خرَج مَيْتًا فهو سَقطٌ. «المطلع على أبواب المقنع» (١/ ١٣٨).
(٢) «عمدة القاري» (٩/ ١١٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٦١)، و «الذخيرة» (٣/ ١٥٧)، و «المجموع» (٦/ ١١٩)، و «طرح الترتيب» (٤/ ٥٧)، و «المغني» (٤/ ٦٤)، و «شرح الزركشي» (١/ ٤٠٩)، و «الفروع» (٢/ ٤٠٠)، و «المبدع» (٢/ ٣٨٨)، و «الإنصاف» (٣/ ١٦٨).
(٣) «المجموع» (٦/ ١١٩).
(٤) «المغني» (٤/ ٦٤)، وانظر: «الإجماع» (١١١).

أمَّا الإِجماعُ:

فقالَ ابنُ المُنذِر رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّه لا زَكاةَ على الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه وانفَردَ ابنُ حَنبلٍ فكانَ يُحِبُّه ولا يُوجِبُه (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولم يَختلِفْ قَولُ مالِكٍ أنَّ مَنْ وُلِد له مَولودٌ بعدَ يومِ الفِطرِ لا يَلزمُه فيه شَيءٌ، وهذا إِجماعٌ منه ومن سائِرِ العُلماءِ (٢).

وأمَّا المَعقولُ فمِن وُجوهٍ:

أحدُها: قياسُ الجَنينِ على أجنَّةِ السَّوائمِ بجامِعِ الاستِتارِ في بَطنِ الأُمِّ في كلٍّ وأجنَّةُ السَّوائمِ لا تَتعلَّقُ بها أَحكامُ الزَّكاةِ، فكذلك الجَنينُ (٣).

الثاني: الجَنينُ لم تَثبُتْ له أَحكامُ الدُّنيا إلا في الإرثِ والوَصيَّةِ بشَرطِ أنْ يَخرجَ حَيًّا، وإذا كانَ كذلك فلا تُخرَجُ عنه زَكاةُ الفِطرِ (٤).

الثالِثُ: أنَّ سَببَ الوُجوبِ المُؤنةُ والوِلايةُ، ولا وِلايةَ كامِلةً على الجَنينِ، إذًا لا تَجبُ عنه زَكاةُ الفِطرِ.

القَولُ الثاني: زَكاةُ الفِطرِ عن الجَنينِ واجِبةٌ وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ (٥).

(١) «الإجماع» (١١١).
(٢) «التمهيد» (١٤/ ٣٢٧)، وانظر: «طرح التثريب» (٤/ ٥٧).
(٣) «المغني» (٤/ ٦٤)، و «المبدع» (٢/ ٣٨٨).
(٤) المصدر السابق.
(٥) «المغني» (٤/ ٦٤)، و «الفروع» (٢/ ٤٠٠)، و «المبدع» (٢/ ٣٨٨)، و «الإنصاف» (٣/ ١٨٦)، و «شرح الزركشي» (١/ ٤٠٩)، و «طرح التثريب» (٤/ ٥٧).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: تَجبُ عليه (١).

واستدَلُّوا على ذلك بما رُويَ أنَّ عُثمانَ بنَ عَفانَ رضي الله عنه كانَ يُعطي صَدقةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ والحَملِ (٢).

وعن أبي قِلابةَ قالَ: كان يُعجِبُهم أنْ يُعطوا زَكاةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ حتى على الحَملِ في بَطنِ أُمِّه (٣).

ولأنَّ الجَنينَ آدَميٌّ تَصحُّ له الوَصيَّةُ، وبه يَرثُ فيَدخلُ في عُمومِ الأَخبارِ، فتَجبُ عنه زَكاةُ الفِطرِ (٤).

وبهذا القَولِ قالَ ابنُ حَزمٍ لكنْ قد بيَّنَ الحافِظُ العِراقيُّ رحمة الله عليه ذلك وبيَّنَ ضَعفَ ما ذهَبَ اليه ابنُ حَزمٍ فقالَ: استدَلَّ ابنُ حَزمٍ بالرِّوايةِ التي فيها ذِكرُ الصَّغيرِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه فقالَ: والجَنينُ يَقعُ عليه اسمُ صَغيرٍ، فإذا أكمَلَ مِئةً وعِشرينَ يَومًا في بَطنِ أُمِّه قبلَ انصِداعِ الفَجرِ من لَيلةِ الفِطرِ وجَبَ أنْ تُؤدَّى عنه صَدقةُ الفِطرِ، ثم استدَلَّ بحَديثِ ابنِ مَسعودٍ الثابِتِ في الصَّحيحَينِ: «يُجمعُ خَلقُ أَحدِكم فِي بَطنِ أُمِّه أَربَعينَ يَومًا ثُم يَكونُ عَلقَةً مثلَ ذلك ثُم يَكونُ مُضغَةً مثلَ ذلك ثُم يَبعَثُ

(١) «المغني» (٤/ ٦٤)، وانظرِ المَصادِر السَّابقَة.
(٢) رواه ابنُ أبي شَيبةَ في «مصنفه» (٢/ ٤٣٢) برقم (١٠٧٣٧)، وعبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدَ في «مَسائلِه» (١/ ١٧٠) عن حميدِ بنِ بَكرٍ وقَتادةَ عن عُثمانَ به.
(٣) رواه عبدُ الرَّزاقِ في «مصنفه» (٣/ ٣١٩) برقم (٥٧٨٨).
(٤) «المغني» (٤/ ٦٤).

اللَّهُ إليه مَلكًا … ، وفيه: ثُم يَنفُخُ فيه الرُّوحَ» (١)، ثم قالَ: هو قبلَ ما ذكَرْنا مَواتٌ، فلا حُكمَ على ميِّتٍ، وأمَّا إذا كانَ حَيًّا فكلُّ حُكمٍ وجَبَ على الصَّغيرِ هو واجِبٌ عليه، ثم ذكَرَ من رِوايةِ بَكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزنِيِّ وقَتادةَ أنَّ عُثمانَ رضي الله عنه «كانَ يُعطِي صَدقةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ حتى عن الحَملِ في بَطنِ أُمِّه»، وعن أبي قِلابةَ قالَ: «كانَ يُعجِبُهم أنْ يُعطوا زَكاةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ حتى عن الحَملِ في بَطنِ أُمِّه».

قالَ: وأبو قِلابةَ أدرَكَ الصَّحابةَ وصَحِبَهم ورَوى عنهم، وعن سُليمانَ ابنِ يَسارٍ أنَّه سُئلَ عن الحَملِ أيُزكَّى عنه؟ قالَ: نَعم. قالَ: ولا يُعرَفُ لعُثمانَ في هذا مُخالِفٌ من الصَّحابةِ.

قالَ والِدي رحمة الله عليه في «شَرحِ التِّرمذيِّ»: واستِدلالُه بما استدَلَّ به على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه في غايةِ العَجبِ، أمَّا قَولُه : «على الصَّغيرِ والكَبيرِ» فلا يَفهمُ عاقِلٌ منه إلا المَوجودينَ في الدُّنيا، أمَّا المَعدومُ فلا نَعلَمُ أحَدًا أوجَبَ عليه، وأمَّا حَديثُ ابنِ مَسعودٍ فلا يَطَّلعُ على ما في الرَّحمِ إلا اللهُ كما قالَ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، ورُبَّما يُظَّنُّ حَملًا وليسَ بحَملٍ، وقد قالَ إمامُ الحَرمَينِ: لا خِلافَ في أنَّ الحَملَ لا يُعلَمُ وإنَّما الخِلافُ في أنَّه يُعامَلُ مُعامَلةَ المَعلومِ بمَعنى أنَّه يُؤخَّرُ له مِيراثٌ لِاحتِمالِ وُجودِه، ولم يَختلِفِ العُلماءُ في أنَّ الحَملَ لا يَملِكُ شَيئًا في بَطنِ أُمِّه ولا يُحكَمُ على المَعدومِ حتى يَظهرَ وُجودُه، قالَ: وأمَّا استِدلالُه

(١) رواه البخاري (٣١٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣).

بما ذُكرَ عن عُثمانَ وغيرِه فلا حُجةَ فيه؛ لأنَّ أثَرَ عُثمانَ مُنقطِعٌ فإنَّ بَكرًا وقَتادةَ رِوايَتُهما عن عُثمانَ مُرسَلةٌ والعَجبُ أنَّه لا يُحتَجُّ بالمَوقوفاتِ، ولو كانَت صَحيحةً مُتَّصلةً، وأمَّا أثَرُ أبي قِلابةَ فمَن الذين كانَ يُعجِبُهم ذلك؟ وهو لو سَمَّى جَمعًا من الصَّحابةِ لَما كانَ ذلك حُجةً، وأمَّا سُليمانُ بنُ يَسارٍ فلم يَثبُتْ عنه، فإنَّه من رِوايةِ رَجلٍ لم يُسمَّ عنه، فلم يَثبُتْ فيه خِلافٌ لِأحدٍ من أهلِ العِلمِ، بل قَولُ أبي قِلابةَ: «كانَ يُعجِبُهم» ظاهِرٌ في عَدمِ وُجوبِه، ومَن تَبرعَ بصَدقةٍ عن حَملٍ رَجاءَ حِفظِه وسَلامتِه فليسَ عليه فيه بَأسٌ، وقد نُقلَ الاتِّفاقُ على عَدمِ الوُجوبِ قبلَ مُخالَفةِ ابنِ حَزمٍ، فقالَ ابنُ المُنذِرِ: ذكَرَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه العِلمُ من عُلماءِ الأَمصارِ أنَّه لا يَجبُ على الرَّجلِ إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ عن الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه.

وممَّن حُفِظ ذلك عنه عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ ومالِكٌ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ وكانَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ يَستحِبُّ ذلك ولا يُوجِبُه ولا يَصحُّ عن عُثمانَ خِلافُ ما قُلناه.

وعن أحمدَ بنِ حَنبلٍ رِوايةٌ أُخرى بوُجوبِ إِخراجِها عن الجَنينِ، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ في «التَّمهيد» فيمَن وُلدَ له مَولودٌ بعدَ يومِ الفِطرِ: لم يَختلِفْ قَولُ مالِكٍ أنَّه لا يَلزَمُ فيه شَيءٌ، قالَ: وهذا إِجماعٌ منه ومِن سائِرِ العُلماءِ، ثم أشارَ إلى أنَّ ما ذُكرَ عن مالِكٍ وغيرِه من الإِخراجِ عمَّن وُلدَ في بَقيَّةِ يومِ الفِطرِ مَحمولٌ على الاستِحبابِ، وكذا ما حَكاه عن اللَّيثِ فيمَن وُلدَ له مَولودٌ بعدَ صَلاةِ الفِطرِ أنَّ على أَبيه زَكاةَ الفِطرِ عنه، قالَ: وأُحبُّ ذلك

للنَّصرانِيِّ يُسلِمُ ذلك الوَقتَ ولا أَراه واجبًا عليه، قالَ والِدي: فقد صرَّحَ اللَّيثُ فيه بعَدمِ الوُجوبِ، ولو قيلَ بوُجوبِه لم يَكنْ بَعيدًا؛ لأنَّه يَمتدُّ وقتُ إِخراجِها إلى آخِرِ يومِ الفِطرِ قِياسًا على الصَّلاةِ يُدرَكُ وقتُ أَدائِها، ثم قال والِدي رحمة الله عليه: ومع كَونِ ابنِ حَزمٍ قد خالَفَ الإِجماعَ في وُجوبِها على الجَنينِ فقد تَناقَضَ كَلامُه، فقالَ: إنَّ الصَّغيرَ لا يَجبُ على أَبيه زَكاةُ الفِطرِ عنه، إلا أنْ يَكونَ له مالٌ فيُخرَجُ عنه من مالِه، فإنْ لم يَكنْ له مالٌ لم يَجبْ عليه حينَئذٍ ولا بعدَ ذلك، فكيف لا يُوجِبُ زَكاتَه على أَبيه والوَلدُ حَيٌّ مَوجودٌ، ويُوجِبُها وهو مَعدومٌ لم يُوجَدْ؟ فإنْ قُلتَ: يُحمَلُ كَلامُه على ما إذا كانَ للحَملِ مالٌ، قلتُ: كيف يُمكنُ أنْ يَكونَ له مالٌ وهو لا يَصحُّ تَمليكُه، ولو ماتَ مَنْ يَرثُه الحَملُ لم نَملِكْه، وهو جَنينٌ فلا يُوصَفُ بالمِلكِ إلا بعدَ أنْ يُولَدَ وكذلك النَّفقةُ الصَّحيحُ أنَّها تَجبُ للأُمِّ الحامِلِ لا للحَملِ، ولو كانَت للحَملِ لسقَطَت بمُضيِّ الزَّمانِ كنَفقةِ القَريبِ، وهي لا تَسقطُ. اه كَلامُ والِدي رحمة الله عليه (١).

(١) «طرح التثريب» (٤/ ٥٧/ ٥٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]

وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ

(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.

ــ

منح الجليل

ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن

(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.

هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.

فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر

بابُ زكاةِ الفِطْرِ

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ

الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب من تلزمه زكاة الفطر

باب من تلزمه زكاة الفطر

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نافعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعبدٍ ذكرٍ وَأُنْثَى مِنَ المسلمين وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من حديث آخر قال " " من تَمُونُونَ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ زَكَاةُ الفطر وزكاة الفطر، فَمَنْ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ أَوْجَبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ ومن قال زكاة الفطر، فأوجبها عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِطْرَة اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا) {الروم: ٣٠) أَيْ: خِلْقَتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا.

وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ وَجَبَتِ ابْتِدَاءً بِمَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ أَوْ وَجَبَتْ بِغَيْرِهِ؟ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالظَّوَاهِرِ الَّتِي وَجَبَتْ بِهَا زَكَوَاتُ الْأَمْوَالِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِعُمُومِهَا فِي الزَّكَاتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، أَنَّهَا وَجَبَتْ بِغَيْرِ مَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ وَأَنَّ وُجُوبَهَا أَسْبَقُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة فَلَمَا نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَتْ بِالسُّنَّةِ، أَوْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَبْنِيَّةً عَلَى مَذْهَبَيْنِ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 185 - 190

ارجع إلى زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.9 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر