الإسلام > الزكاة > زكاة الفطر > حكم تقديم إخراج زكاة الفطر على وقت وجوبها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةواستدَلَّ العُلماءُ على أنَّ الوَقت المُستحَبَّ لإِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ بعدَ طُلوعِ الفَجرِ، وقبلَ صَلاةِ العِيدِ بالسُّنةِ:
فعَن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بزَكاةِ الفِطرِ أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ: أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بإِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ صَلاةِ العيدِ، وهو أمرُ استِحبابٍ.
قال بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: وهذا أمرُ استِحبابٍ، وهو قَولُ ابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وعَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وإِبراهيمَ النَّخعيِّ والقاسِمِ وأبي نَضرةَ وعِكرِمةَ والضَّحاكِ والحَكمِ بنِ عُيَينَة ومُوسى بنِ وَردانَ ومالِكٍ والشافِعيِّ وإِسحاقَ وأهلِ الكُوفةِ، ولم يُحكَ فيه خِلافٌ، وحَكى الخَطابيُّ الإِجماعَ فيه (٢).
وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «وأمَرَ بها أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» أنَّ الأفضلَ إِخراجُها قبلَ الخُروجِ إلى الصَّلاةِ، وقد صرَّحَ بذلك الفُقهاءُ من المَذاهبِ الأربِعةِ (٣).
حُكمُ تَقديمِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ على وقتِ وُجوبِها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ العيدِ بيَومٍ أو يَومَينِ؛ لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «فرَضَ النَّبيُّ ﷺ صَدقةَ
(١) رواه البخاري (١٤٣٨)، ومسلم (٩٨٦).
(٢) «عمدة القاري» (٩/ ١١١).
(٣) «طرح التثريب» (٤/ ٥٩).
الفِطرِ -أَوْ قالَ: رَمضانَ- على الذَّكرِ، والأُنثَى، والحُرِّ، والمَملوكِ، صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ فعدَلَ النَّاسُ به نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، فكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يُعطِي التَّمرَ، فأَعوَزَ أَهلُ المَدينَةِ مِنْ التَّمرِ، فأَعطَى شَعيرًا، فكانَ ابنُ عُمرَ يُعطِي عَنْ الصَّغيرِ، والكَبيرِ، حتى إنْ كانَ ليُعطِي عَنْ بَنيَّ، وكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يُعطِيها الَّذينَ يَقبَلونَها، وكانُوا يُعطونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أو يَومَينِ» (١) وهذا إِشارةٌ إلى جَميعِهم، فيَكونُ إِجماعًا؛ ولأنَّ تَعجيلَها بهذا القَدرِ لا يُخِلُّ بالمَقصودِ منها؛ إذِ الظاهِرُ أنَّها تَبقى أو بعضُها إلى يومِ العيدِ، فيُستَغنَى بها عن الطَّوافِ والطَّلبِ فيه، ولأنَّها زَكاةٌ جازَ تَعجيلُها قبلَ وُجوبِها كزَكاةِ المالِ (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: ويَدلُّ على ذلك أيضًا ما أخرَجَه البُخاريُّ في الوَكالةِ وغيرِها عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «وكَّلَني رَسولُ اللهِ ﷺ بحِفظِ زَكاةِ رَمضانَ … » الحَديثَ. وفيه أمسَكَ الشَّيطانَ ثَلاثَ لَيالٍ وهو يَأخذُ من التَّمرِ، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُعجِّلونَها (٣).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما زادَ على اليَومِ واليَومَينِ على أربَعةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: لا يَجوزُ تَقديمُها قبلَ يومِ العيدِ أكثَرَ من يَومَينِ، وهو قَولُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والكَرخيِّ من الحَنفيةِ (٤).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٢) «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٤٢).
(٣) «فتح الباري» (٣/ ٣٧٦، ٣٧٧).
(٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٦٤)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٣/ ٥٦٧)، و «الذخيرة» (٣/ ١٥٧)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٣٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٧٥)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٠١)، و «المغني» (٤/ ٥٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٤٩)، و «طرح التثريب» (٤/ ٦٠)، و «المبدع» (٢/ ٣٩٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٤٢)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ١١١).
واستدَلُّوا على عَدمِ جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ عن يومِ العيدِ أكثَرَ من يَومَينِ بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: السُّنةُ:
أ- عن نافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «فرَضَ النَّبيُّ ﷺ صَدقةَ الفِطرِ -أَوْ قالَ: رَمضانَ- على الذَّكرِ، والأُنثَى، والحُرِّ، والمَملوكِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، فعدَلَ النَّاسُ به نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، فكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يُعطِي التَّمرَ، فأَعوَزَ أَهلُ المَدينةِ مِنْ التَّمرِ، فأَعطَى شَعيرًا، فكانَ ابنُ عُمرَ يُعطِي عَنْ الصَّغيرِ، والكَبيرِ، حتى إنْ كانَ ليُعطِي عَنْ بَنيَّ، وكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يُعطِيها الَّذينَ يَقبَلونَها، وكانُوا يُعطونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أَويَومَينِ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على عَدمِ جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ عن يومِ العيدِ بيَومَينِ قَولُ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «وكانُوا يُعطونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أويَومينِ» وهو إِشارةٌ إلى جَميعِهم -يَعني الصَّحابةَ- فيَكونُ إِجماعًا، وقد نَصَّ فيه علاه أنَّهم كانوا يُعطَونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أويَومَينِ فلا يَجوزُ أكثَرُ من ذلك.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
ب- قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «أَغنُوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أمرُه ﷺ: «أَغنُوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ»، والأمرُ للوُجوبِ، ومَتى قدَّمَها بالزَّمانِ الكَثيرِ لم يَحصُلْ إِغناؤُهم بها يومَ العيدِ.
ثانيًا: المَعقولُ:
وهو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ شُرعَت لسَدِّ حاجةِ المُحتاجينَ وإِغنائِهم عن السُّؤالِ يومَ العيدِ، وتَقديمُها الزَّمنَ اليَسيرَ كاليَومِ واليَومَينِ لا يُخلُّ بالمَقصودِ، أمَّا إنْ قدَّمَها عن ذلك بالزَّمانِ الكَثيرِ لم يَحصُلْ إِغناؤُهم بها يومَ العيدِ (٢).
القَولُ الثاني: أنَّه يَجوزُ تَقديمُ زَكاةِ الفِطرِ من أولِ رَمضانَ، وهو الصَّحيحُ من مَذهبِ الشافِعيةِ وقَولٌ للحَنفيَّةِ وللحَنابِلةِ (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: يَجوزُ عندَنا تَقديمُ الفِطرةِ في جَميعِ رَمضانَ لا قبلَه. هذا هوالمَذهبُ (٤).
استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو جَوازُ تَقديمِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن وقتِ وُجوبِها من أوَّلِ رَمضانَ لا قبلَه بالمَعقولِ، وهو مِنْ وُجوهٍ:
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: وسيَأتي تَخريجُه.
(٢) «المغني» (٤/ ٥١).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٤)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ١٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٦٧)، و «طرح التثريب» (٤/ ٦٠)، و «المجموع» (٦/ ١٢١).
(٤) «المجموع» (٦/ ١٢١).
أحدُها: زَكاةُ الفِطرِ حَقٌّ مالِيٌّ وجَبَت بسَببَينِ، هما: صَومُ رَمضانَ، والفِطرُ منه، فيَجوزُ تَقديمُها على أحَدِهما وهو الفِطرُ، ولا يَجوزُ عليهما معًا كما في زَكاةِ المالِ يَجوزُ تَقديمُها بعدَ مِلكِ النِّصابِ، وقبلَ الحَولِ إذًا تَقديمُ زَكاةِ الفِطرِ من أولِ رَمضانَ جائِزٌ لوُجوبِ أحَدِ سَبَبيِ الوُجوبِ وهو الصَّومُ، ولا يَجوزُ قبلَ ذلك؛ لأنَّه تَقديمٌ على سَببَينِ جَميعًا، فهو كإِخراجِ زَكاةِ المالِ قبلَ الحَولِ والنِّصابِ (١).
الثاني: قِياسُ التَّقديمِ من أولِ رَمضانَ على التَّقديمِ بيَومٍ أو يَومَينِ، بجامِعِ الإِخراجِ في جُزءٍ من رَمضانَ في كلٍّ، والتَّقديمُ بيَومٍ أو يَومَينِ جائِزٌ اتِّفاقًا، فكذلك التَّقديمُ من أولِ رَمضانَ (٢).
الثالِثُ: أنَّ الزَّكاةَ فِطرةٌ عن الصَّومِ، فلا يَجوزُ تَقديمُها عن وقتِ الصَّومِ وتَجوزُ بعدَه (٣).
القَولُ الثالِثُ: أنَّه يَجوزُ تَقديمُ زَكاةِ الفِطرِ مُطلقًا سَنةً أوسَنتَينِ أو أكثَرَ، وهو الصَّحيحُ عندَ الحَنفيةِ (٤).
قالَ الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يَجوزُ التَّعجيلُ سَنةً وسَنتَينِ … والصَّحيحُ أنَّه يَجوزُ التَّعجيلُ مُطلَقًا، وذكَرَ السَّنةَ
(١) «طرح التثريب» (٤/ ٦٠)، و «المجموع» (٧/ ٢٠٩).
(٢) «طرح التثريب» (٤/ ٦٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٤).
(٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٤)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ١٢)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٧٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٦٧)، و «طرح التثريب» (٤/ ٦٠).
والسَّنتَينِ في رِوايةِ الحَسنِ ليسَ على التَّقديرِ بل هو بَيانٌ لاستِكثارِ المُدةِ، أي: يَجوزُ وإنْ كَثُرت المُدةُ كما في قَولِه تَعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] (١).
وقد رجَّحَ هذا القَولَ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه فقالَ: وحيثُ كانَ في المَسألةِ قَولانِ مُصحَّحانِ تَخيَّر المُفتَى بالعَملِ بأيِّهما إلا إذا كانَ أحدُهما رُجحَ ككَونِه ظاهِرَ الرِّوايةِ، أو مَشى عليه أَصحابُ المُتونِ والشُّروحِ أو أكثَرُ المَشايخِ … وقد اجتَمعَت هذه المُرجِّحاتُ هنا للقَولِ بالإِطلاقِ (أي: بإطلاقِ المُدةِ) فلا يُعدَلُ عنه (٢).
واستدَلَّ الحَنفيةُ على جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ وقتِ وُجوبِها مُطلقًا بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أمَّا السُّنةُ: فعن نافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «فرَضَ النَّبيُّ ﷺ صَدقةَ الفِطرِ -أَوْ قالَ: رَمضانَ- على الذَّكَرِ، والأُنثَى، والحُرِّ، والمَملوكِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ فعدَلَ النَّاسُ به نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، فكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يُعطِي التَّمرَ، فأَعوَزَ أَهلُ المَدينةِ مِنْ التَّمرِ، فأَعطَى شَعيرًا، فكانَ ابنُ عُمرَ يُعطِي عَنْ الصَّغِيرِ، والكَبيرِ، حتى إنْ كانَ ليُعطِي عَنْ بَنيَّ، وكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يُعطِيها الَّذينَ يَقبَلونَها، وكانُوا يُعطُونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أَويَومَينِ» (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٤).
(٢) «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٢/ ٣٦٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ عن وقتِ وُجوبِها مُطلَقًا، ما اشتَملَ عليه من قَولِه: «وكانُوا يُعطُونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أَويَومَينِ» فأطلَقَ التَّقديمَ فشمِلَ ما إذا دخَلَ رَمضانُ وقبلَه (١).
ثانيًا: المَعقولُ وهو من وَجهَينِ:
أحَدُهما: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما حَقٌّ للهِ تَعالى، وزَكاةُ المالِ يَجوزُ تَقديمُها قبلَ تَمامِ الحَولِ بعدَ كَمالِ النِّصابِ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ.
الثاني: التَّعجيلُ بعدَ وُجوبِ السَّببِ جائِزٌ، وزَكاةُ الفِطرِ قد وُجدَ سَببُ وُجوبِها وهو رأسٌ يَمونُه ويَلي عليه، إذًا يَجوزُ تَعجيلُها مُطلَقًا، لا فَرقَ في ذلك بينَ مُدةٍ ومُدةٍ (٢).
القَولُ الرابِعُ: لا يَجوزُ تَقديمُ زَكاةِ الفِطرِ عن وقتِ وُجوبِها أصلًا، وهو رِوايةٌ للمالِكيةِ وبه قالَ الحَسنُ بنُ زِيادٍ من الحَنفيةِ وابنُ حَزمٍ الظاهِريُّ (٣).
قالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ تَقديمُها قبلَ وَقتِها أصلًا (٤).
وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وقالَ الحَسنُ بنُ زِيادٍ: لا يَجوزُ تَعجيلُها أصلًا (٥).
(١) «البحر الرائق» (٢/ ٢٧٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٤).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٤)، و «المبسوط» (٣/ ١١٠)، و «المنتقى» للباجي (٢/ ١٩٠)، و «المحلى» لابن حزم (٦/ ١٤٣).
(٤) «المحلى» (٦/ ١٤٣).
(٥) «البدائع» (٢/ ٧٤).
واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم وهو عَدمُ جَوازِ تَقديمِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن وقتِ وُجوبِها أصلًا بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: السُّنةُ:
أ- عَنْ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بِزَكاةِ الفِطرِ، أَنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بإيتاءِ الزَّكاةِ قبلَ خُروجِ الناسِ إلى صَلاةِ العيدِ، والأصلُ في الأمرِ الوُجوبُ ما لم تُوجَدْ قَرينةٌ صارِفةٌ له، ولا قَرينةَ هنا، فدَلَّ ذلك على وُجوبِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ خُروجِ الناسِ إلى صَلاةِ العيدِ، ولا يَجوزُ قبلَه؛ لأنَّ تَقديمَ الواجِبِ قبلَ وقتِ وُجوبِه لا يَجوزُ (٢).
ب- رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ: «أَغْنوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (٣).
اشتَملَ هذا الحَديثُ على الأمرِ بإغناءِ المَساكينِ في يومِ العيدِ، والأمرُ يُفيدُ الوُجوبَ، فدَلَّ ذلك على وُجوبِ إِغنائِهم في يومِ العيدِ، وتَقديمُ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ ذلك يُفوِّتُ الإِغناءَ المَأمورَ به فلا يَجوزُ.
ثانيًا: المَعقولُ وهو من وَجهَينِ:
أحَدُهما: تَقديمُ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن يومِ العيدِ هو إِخراجٌ لها قبلَ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٢) «المحلى» (٦/ ١٤٣).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: وسَيأتِي تَخريجُه.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر
بابُ زكاةِ الفِطْرِ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ
الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]
وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ
(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.
ــ
منح الجليل
ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن
(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.
هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب من تلزمه زكاة الفطر
باب من تلزمه زكاة الفطر
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نافعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعبدٍ ذكرٍ وَأُنْثَى مِنَ المسلمين وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من حديث آخر قال " " من تَمُونُونَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ زَكَاةُ الفطر وزكاة الفطر، فَمَنْ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ أَوْجَبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ ومن قال زكاة الفطر، فأوجبها عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِطْرَة اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا) {الروم: ٣٠) أَيْ: خِلْقَتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ وَجَبَتِ ابْتِدَاءً بِمَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ أَوْ وَجَبَتْ بِغَيْرِهِ؟ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالظَّوَاهِرِ الَّتِي وَجَبَتْ بِهَا زَكَوَاتُ الْأَمْوَالِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِعُمُومِهَا فِي الزَّكَاتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، أَنَّهَا وَجَبَتْ بِغَيْرِ مَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ وَأَنَّ وُجُوبَهَا أَسْبَقُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة فَلَمَا نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَتْ بِالسُّنَّةِ، أَوْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَبْنِيَّةً عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
ارجع إلى زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.