الإسلام > الزكاة > زكاة الفطر > حكم نقل زكاة الفطر من بلد الوجوب إلى بلد آخر مع وجود المستحقين لها ببلد وجوبها من حيث الجواز وعدمه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 33 دقيقة قراءةوقالَ المَرداويُّ رحمة الله عليه: وقيلَ: يُؤدِّي في بَلدٍ مَنْ لزِمَه الإِخراجُ عنهم (١).
استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم، وهو أنَّ مَكانَ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ هو مَكانُ المُؤدَّى عنه في حالةِ ما إذا اختَلفَ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه بالمَعقولِ، وهو:
قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ؛ لأنَّها أحَدُ نَوعَيِ الزَّكاةِ، وزَكاةُ المالِ تُؤدَّى حيثُ المالُ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ (٢).
حُكمُ نَقلِ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ لها ببَلدِ وُجوبِها من حيثُ الجَوازُ وعَدمُه:
اتَّفق الفُقهاءُ على جَوازِ نَقلِ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى آخَرَ إذا فاضَت واستَغنى أهلُها عنها؛ لكَثرةِ مالِ الزَّكاةِ أو لانعِدامِ الأَصنافِ أو لقلَّةِ عَددِهم، بل قالوا: يَجبُ.
إلا أنَّهم اختلَفوا في حُكمِ نَقلِ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ لها ببَلدِ الوُجوبِ من حيثُ الجَوازُ وعَدمُه على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: وهو قَولُ الحَنفيةِ أنَّه يُكرهُ تَنزيهًا نَقلُ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ، إلا أنْ يَنقُلَها إلى قَرابةٍ مُحتاجِينَ؛ لِما في ذلك من صِلةِ الرَّحمِ … أو إلى فَردٍ أو جَماعةٍ هم أمَسُّ حاجةً من أهلِ بَلدِه، أو كانَ نَقلُها أصلَحَ للمُسلِمينَ، أو من دارِ الحَربِ إلى دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّ فُقراءَ المُسلِمينَ أفضَلُ
(١) «الإنصاف» (٣/ ٢٠٣).
(٢) «المبسوط» (٣/ ١٠٦)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٥).
وأَوْلى بالمَعونةِ من فُقراءِ دارِ الحَربِ، أو إلى عالِمٍ أوطالِبِ عِلمٍ لِما فيه من إِعانةٍ على رِسالَتِه، أو كانَ نَقلُها إلى مَنْ هو أورَعُ أو أصلَحُ أو أنفَعُ للمُسلِمينَ، فإنَّه في هذه الصُّورِ جميعًا لا يُكرهُ له النَّقلُ (١).
لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. فهذه الآيةُ اشتَملَت على ذِكرِ الأَصنافِ الذين تُصرَفُ لهم الزَّكاةُ، ولم تُفرَّقْ بينَ أهلِ بَلدٍ وبَلدٍ، فهي مُطلَقةٌ غيرُ مُقيَّدةٍ بمَكانٍ خاصٍّ.
قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ رحمة الله عليه: ظاهِرُ الآيةِ يَقتَضي جَوازَ إِعطائِها في غيرِ البَلدِ الذي فيه المالُ، وفي أيِّ مَوضعٍ شاءَ، ولذلك قالَ أَصحابُنا: أيُّ مَوضعٍ أدَّى فيه أجزَأَه، ويَدلُّ عليه أنَّا لم نَرَ في الأُصولِ صَدقةً مَخصوصةً بمَوضِعٍ حتى إنَّه لا يَجوزُ أداؤُها في غَيرِه، ألَا تَرى كَفاراتِ الأيمانِ والنُّذورِ وسائِرَ الصَّدقاتِ لا يَختَصُّ جَوازُها بأدائِها في مَكانٍ دونَ غيرِه؟ (٢).
وأمَّا الكَراهةُ فلقَولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا بعَثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ وقالَ له: «فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٣)؛ ولأنَّ هذا فيه رِعايةَ حقِّ الجِوارِ فكانَ أَوْلى.
(١) «الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه» (٢/ ٣٥٣)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٢٨٠)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ١٩٠)، و «المبسوط» (٣/ ١٠٦)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٣٠٥)، و «الهداية شرح البداية» (١/ ١١٥).
(٢) «أحكام القرآن» (٤/ ٣٤١).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
وقالَ طَاوُسٌ: قالَ مُعَاذٌ رضي الله عنه لأَهلِ اليَمنِ: «ائْتُونِي بعَرضٍ ثِيابٍ خَميصٍ -أَوْ لَبيسٍ- فِي الصَّدقةِ مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ أَهوَنُ عليكُم وخَيرٌ لأَصحابِ النَّبيِّ ﷺ بالمَدينَةِ» (١).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الأثرِ أنَّ مُعاذًا رضي الله عنه كانَ يَنقُلُ الصَّدقةَ من اليَمنِ إلى المَدينةِ وهذا يَشمَلُ نَقلَ الزَّكاةِ؛ لأنَّه جاءَ فيه لَفظُ «الصَّدقَة» وهي تَشمَلُ زَكاةَ المالِ وزَكاةَ الفِطرِ، فدَلَّ ذلك على جَوازِ نَقلِ الزَّكاةِ.
وقالَ الإمامُ الحَدَّادُ الزَّبيديُّ رحمة الله عليه: قَولُه: ويُكرهُ نَقلُ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ، وإنَّما تُصرَفُ صَدقةُ كلِّ قَومٍ فيهم؛ لأنَّ فيه رِعايةَ حقِّ الجِوارِ، فمهما كانَت المُجاوَرةُ أقرَبَ كانَ رِعايتُها أوجَبَ، فإنْ نَقلَها إلى غيرِهم أجزَأَه وإنْ كانَ مَكروهًا؛ لأنَّ المَصرِفَ مُطلَقُ الفُقراءِ بالنَّصِّ (٢).
القَولُ الثاني: أنَّه لا يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ من مَكانٍ إلى آخَرَ، وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ إلا أنَّه يُوجَدُ تَفصيلٌ عندَهم.
فقالَ المالِكيةُ: يَجبُ تَفرِقةُ الزَّكاةِ بمَوضِعِ الوُجوبِ أو قُربِه وهو ما دونَ مَسافةِ القَصرِ؛ لأنَّه في حُكمِ مَوضعِ الوُجوبِ.
فإنْ لم يَكنْ بمَحلِّ الوُجوبِ أو بقُربِه مُستحِقٌّ فإنَّها تُنقَلُ كلُّها وُجوبًا
(١) رواه البخاريُّ مَعلَّقًا بصيغةِ الجزْمِ (٣٢) بابُ العرضِ في الزَّكاةِ. وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ في «تَغليقِ التَّعليقِ» (٣/ ١٢): وهو إلى طَاوسٍ إسنادُه صحيحٌ لكنَّه لم يَسمعْ من مُعاذٍ فهو مُنقطعٌ.
(٢) «الجوهرة النيرة» (٢/ ١).
لمَحلٍّ فيه مُستحِقٌّ ولو على مَسافةِ القَصرِ، وإنْ كانَ في مَحلِّ الوُجوبِ أو بقُربِه مُستحِقٌّ تَعيَّنَ تَفرِقتُها في مَحلِّ الوُجوبِ أو بقُربِه.
ولا يَجوزُ نَقلُها مَسافةَ القَصرِ إلا أنْ يَكونَ المَنقولُ إليهم أعدَمَ (أحوَجَ وأفقَرَ) فيُندَبُ نَقلُ أكثَرِها لهم، فإنْ نقَلَها كلَّها أوفرَّقَها كلَّها بمَحلِّ الوُجوبِ أجزَأَت.
فأمَّا إنْ نقَلَها إلى غيرِ أعدَمَ وأحوَجَ فذلك له صُورَتانِ:
الأُولى: أنْ يَنقُلَها إلى مُساوٍ في الحاجةِ لمَن هو في مَوضِعِ الوُجوبِ فهذا لا يَجوزُ، وتُجزئُ الزَّكاةُ، أي: ليسَ عليه إِعادتُها.
والثانيةُ: أنْ يَنقُلَها إلى ما هو أقَلُّ حاجةً، ففيها قَولانِ: ما نَصَّ عليه خَليلٌ في «مُختصَرِه» أنَّها لا تُجزِئُ.
والثاني: ما نقَلَه ابنُ رُشدٍ و «الكافِي» وهو الإِجزاءُ؛ لأنَّها لم تَخرجْ عن مَصارفِها (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ آخَرَ بل يَنبَغي أنْ يُفرِّقَ الزَّكاةَ في بَلدِ المالِ، فلو نقَلَها إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ حرُمَ عليه. وهل يُجزِئُه؟ على قولَينِ:
أحَدُهما: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ لأَصنافِ بَلدٍ، فإذا نُقلَ عنهم إلى غيرِهم لا يُجزِئُه كالوَصيَّةِ بالمالِ لأَصنافِ البَلدِ.
(١) «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٠٠، ٥٠٢)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٤٦)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٣٥٩).
والثانيةُ: يُجزِئُه؛ لأنَّهم من أهلِ الصَّدقاتِ فأشبَهَ أَصنافَ البَلدِ الذي فيه الزَّكاةُ.
والصَّحيحُ عندَهم أنَّه لا فَرقَ بينَ النَّقلِ إلى مَسافةِ القَصرِ ودونَها (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ إلى بَلدٍ تُقصَرُ إليه الصَّلاةُ، بل يَحْرمُ، وسَواءٌ في ذلك نقَلها لرَحمٍ أوشدَّةِ حاجةٍ.
وعن الإمامِ أحمدَ: يُكرهُ من غيرِ تَحريمٍ، وعنه يَجوزُ نَقلُها إلى الثُّغورِ، وعلَّلَه القاضِي بأنَّ مُرابَطةَ الغازِي بالثَّغرِ قد تَطولُ ولا يُمكِنُه المُفارَقةُ.
قالَ المَرداويُّ رحمة الله عليه: وعنه يَجوزُ نَقلُها إلى الثَّغرِ وغيرِه مع رُجحانِ الحاجةِ. قالَ في «الفائِق»: وقيلَ: تُنقَلُ لمَصلحةٍ راجِحةٍ كقَريبٍ ومُحتاجٍ ونحوِهما، وهو المُختارُ.
واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ وقالَ: يُقيَّدُ ذلك بمَسيرةِ يَومَينِ، وتَحديدُ المَنعِ من نَقلِ الزَّكاةِ بمَسافةِ القَصرِ ليسَ عليه دَليلٌ شَرعيٌّ، واختارَ الآجُريُّ جَوازَ نَقلِها للقَرابةِ (٢).
والصَّحيحُ عندَهم أنَّه يَجوزُ نَقلُها إلى ما دونَ مَسافةِ القَصرِ، وهو المَذهبُ، وعلى القَولِ بحُرمةِ النَّقلِ هل تُجزِئُه؟ على رِوايتَينِ: إحداهُما: تُجزِئُه وهي المَذهبُ، قالَ القاضِي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ يَقتَضي ذلك،
(١) «المجموع» (٦/ ٢١٠، ٢١١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١١٨)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٦٧).
(٢) «الإنصاف» (٣/ ٢٠١).
والرِّوايةُ الثانيةُ: لا تُجزِئُه، اختارَها الخِرقيُّ وابنُ حامِدٍ والقاضي (١).
استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ وهُم المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ لمَذهبِهم -وهو أنَّ نَقلَ الزَّكاةِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ لها ببَلدِ الوُجوبِ لا يَجوزُ بالسُّنةِ والأثَرِ والمَعقولِ.
أولًا: السُّنةُ:
١ - عَنْ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذًا رضي الله عنه إلى اليَمنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ قد افتَرضَ علَيهم خَمسَ صَلَواتٍ فِي كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٢).
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ: هو قَولُه ﷺ: «تُؤخَذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُرَدُّ على فُقرائِهم»، أي أنَّ الصَّدقةَ تُؤخذُ من أَغنياءِ أهلِ اليَمنِ وتُردُّ في فُقرائِهم، فدَلَّ ذلك على أنَّ صَدقةَ أهلِ كلِّ بَلدٍ هي أحَقُّ لِأهلِ ذلك البَلدِ، وإذا كانَ ذلك كذلك لا يَجوزُ نَقلُ الصَّدقةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ آخَرَ، والصَّدقةُ المَقصودُ بها الواجِبةُ، وهي تَشملُ صَدقةَ الفِطرِ.
(١) «الإنصاف» (٣/ ٢٠٠، ٢٠٢)، و «الفروع» (٢/ ٤٢٥)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٦٤)، و «المبدع» (٢/ ٤٠٧)، و «المغني» (٣/ ٤٤٦، ٤٤٨)، و «الإفصاح» (١/ ٣٧٠).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
قالَ الإمامُ البَغويُّ رحمة الله عليه: وفيه دَليلٌ على أنَّ نَقلَ الصَّدقةِ عن بَلدِ الوُجوبِ لا تَجوزُ مع وُجودِ المُستحقِّينَ فيه، بل صَدقةُ أهلِ كلِّ ناحيةٍ لمُستَحقِّي تلك الناحيةِ (١).
٢ - عن عَوفِ بنِ أبي جُحَيفةَ عن أَبيه قالَ: «قدِمَ علينا مُصدِّقُ النَّبيِّ ﷺ، فأخَذَ الصَّدقةَ مِنْ أَغنِيائِنا، فجعَلَها فِي فُقرائِنا، وكُنت غُلامًا يَتيمًا، فأَعطانِي منها قَلوصًا» (٢) (٣).
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على أنَّ صَدقةَ أهلِ كلِّ بَلدٍ تُصرَفُ في فُقراءِ أهلِه، ولا تُنقَلُ إلى غيرِهم هو ما اشتَملَ عليه مِنْ لَفظِ: «فأخَذَ الصَّدقةَ مِنْ أَغنِيائِنا، فجعَلَها في فُقرائِنا».
ثانيًا: الأثَرُ:
١ - ما رَوى أبو عُبيدٍ القاسِمُ بنُ سَلامٍ: أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ أنكَرَ على مُعاذٍ لمَّا بعَثَ إليه بثُلثِ صَدقةِ الناسِ من اليَمنِ، وقالَ له: «لَم أَبعَثكَ جابيًا ولا آخِذَ جِزيَةٍ، ولكنْ بعَثتُك لتَأخذَ مِنْ أَغنِياءِ النَّاسِ فتَرُدَّها على فُقرائِهم». فَقالَ مُعاذٌ: «ما بعَثتُ إلَيكَ بشَيءٍ وأنا أَجدُ أَحدًا يَأخذُه منِّي» (٤).
(١) «شرح السنة» (٥/ ٤٧٤).
(٢) القَلوصُ من الإبلِ: النَّاقةُ الشَّابّةُ. انظرْ: «النهاية» لابن الأثير (٤/ ١٠٠).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (٦٤٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٠٦٤٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٢٩١٩).
(٤) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال (١٩١٢)، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ عن ابنِ جُريحٍ قال أخبَرنِي خَلَّادٌ أن عُمرَ بنَ شُعيبٍ أخبَره أن مُعاذَ بنَ جَبلٍ به، وقال الشَّيخُ الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٣/ ٣٤٦): وهذا سندٌ ضعيفٌ.
٢ - ورَوى أبو عُبيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ عُمرَ بعَثَ مُعاذًا سَاعيًا على بَني كِلابٍ، أو على بَني سَعدِ بنِ ذُبيانَ، فقسَمَ فيهم حتى لَم يَدعْ شَيئًا، حتى جاءَ مَجلِسَه الذي خرَجَ به على رقَبَتِه، فقالَت امرَأتُه: أَينَ ما جِئتَ به مِما يأتِي به العُمالُ مِنْ عُراضةِ أَهلِيهم؟ (١) فقالَ: كانَ مَعي ضَاغطٌ (٢). فقالَت: قد كُنْتَ أَمينًا عندَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، وعندَ أَبي بَكرٍ، أفبعَثَ عُمرُ معَك ضَاغطًا؟ فقامَت بذلك فِي نِسائِها، واشتَكَت عمرَ، فبلَغَ ذلك عمرَ، فدَعا مُعاذًا، فقالَ: أنا بعَثْتُ معَك ضَاغطًا؟ فقالَ: لَم أَجدْ شَيئًا أَعتَذرُ به إليها إلَّا ذلك. قالَ: فضحِكَ عمرُ، وأَعطاهُ شَيئًا، وقالَ: أَرضِها به» (٣).
٣ - ورَوى أبو عُبيدٍ قالَ: حدَّثَنا عليُّ بنُ ثابِتٍ عن سُفيانَ بنِ سَعيدٍ «أنَّ زَكاةً حُملَت مِنْ الرَّيِّ إلى الكُوفةِ، فرَدَّها عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ إلى الرَّيِّ» (٤).
تَدُلُّ هذه الآثارُ على أنَّ زَكاةَ أهلِ كلِّ بَلدٍ إنَّما تُصرَفُ في فُقراءِ ذلك البَلدِ، ولا تُنقَلُ إلى أهلِ بَلدٍ آخَرَ، وهي واضِحةٌ في هذا.
قالَ أبو عُبيدٍ رحمة الله عليه: والعُلماءُ اليَومَ مُجمِعونَ على هذه الآثارِ كلِّها بأنَّ أهلَ كلِّ بَلدٍ من البِلدانِ أو ماءٍ من المياهِ أحَقُّ بصَدقتِهم ما دامَ فيهم من
(١) أي: هَديَّةُ القَادمِ من سَفرِه.
(٢) أي: حافِظٌ أمينٌ، يَعني الله ﷾ المُطَّلع على سَائرِ العِبادِ.
(٣) رواه أبو عبيد في «الأموال» (١/ ٧١٠) ح (١٩١٣) قال: حدَّثنا حجَّاجٌ عن ابنِ جُريحٍ قال: أخبَرنِي ابنُ أبي الأبيضِ عن أبي حازمٍ وزَيدِ بنِ أسلمَ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ به، وهذا سندٌ ضعيفٌ لانقِطاعِه.
(٤) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال (١/ ٧٠٨) برقم (١٦٠٦).
ذَوي الحاجةِ واحِدٌ، فما فوقَ ذلك وإنْ أَتى ذلك على جَميعِ صَدقتِها حتى يَرجِعَ الساعي ولا شَيءَ معه منها (١).
ثالِثًا: المَعقولُ:
وهو أنَّ فُقراءَ البَلدِ، قد اطَّلعوا على أَموالِ الأَغنياءِ، وتَعلَّقَت بها أَطماعُهم والنَّقلُ يُوحِشُهم فكانَ الصَّرفُ إليهم أَوْلى (٢).
وقد أَفتى شَيخُ الإِسلامِ بجَوازِ نَقلِ الزَّكاةِ وما في حُكمِها لمَصلَحةٍ شَرعيَّةٍ فقد سُئلَ رحمة الله عليه عمَّن له زَكاةٌ وله أَقاربُ في بَلدٍ تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ وهم مُستحقُّونَ الصَّدقةَ فهل يَجوزُ أنْ يَدفعَها إليهم أو لا؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، إذا كانوا مُحتاجينَ مُستحقِّينَ للزَّكاةِ ولم تَحصُلْ لهم كِفايَتُهم من جِهةِ غيرِه فإنَّه يُعطِيهم من الزَّكاةِ، ولو كانوا في بَلدٍ بَعيدٍ واللهُ أعلمُ (٣).
وقالَ ابنُ زَنجوَيهِ رحمة الله عليه: السُّنةُ عندَنا أنَّ الإمامَ يَبعَثُ على صَدقاتِ كلِّ قَومٍ مَنْ يَأخذُها من أَغنيائِهم ويُفرِّقُها في فُقرائِهم، غيرَ أنَّ الإمامَ ناظِرٌ للإِسلامِ وأهلِه، وأنَّ المُؤمنينَ إِخوةٌ، فإنْ رَأى أنْ يَصرِفَ من صَدقاتِ قَومٍ لغِناهُم عنها إلى فُقراءِ قَومٍ لِحاجَتِهم إليها فعَلَ ذلك على التَّحرِّي والاجتِهادِ (٤).
(١) «الأموال» (١/ ٧٠٩، ٧١٠).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ١١٨).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨٥).
(٤) «الأموال» لابن زنجويه (٤/ ٤٩٣).
بهذا واللهُ أعلمُ يَجتمِعُ شَملُ الأدِلَّةِ فتُحمَلُ أدِلَّةُ المانِعينَ على عَدمِ وُجودِ الحاجةِ والمَصلَحةِ، وأدِلَّةُ المُجيزينَ مع وُجودِ الحاجةِ والمَصلَحةِ.
ومِن صُورِ تلك الحاجةِ التي يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ لِأجلِها:
١ - أنْ يَكونَ فُقراءُ البَلدِ الآخَرِ أشَدَّ حاجةً وقد نَصَّ على هذا الحَنفيةُ والمالِكيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ (١).
فيَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ إليهم؛ لأنَّ المَقصودَ من الزَّكاةِ سَدُّ خَلةِ الفَقيرِ، فمَن كانَ أحوَجَ كانَ أَوْلى، ويُؤيِّدُ ذلك عُمومُ قَولِه ﷺ: «مثلُ المُؤمِنينَ فِي تَوادِّهم، وتَراحمِهم، وتَعاطفِهم مثلُ الجَسدِ إذَا اشتَكَى منه عُضوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى» (٢).
٢ - أنْ يَكونَ المَنقولُ إليه قَريبًا مُحتاجًا، وقد نَصَّ عليه الحَنفيةُ واختارَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ.
٣ - أنْ تُنقَلَ الزَّكاةُ من بَلدِها إلى مَنْ هو أنفَعُ للمُسلِمينَ من الفُقراءِ، كأهلِ العِلمِ وطَلبتِه، وقد نَصَّ الحَنفيةُ على مَشروعيَّةِ نَقلِ الزَّكاةِ لهم لفَضلِهم ونَفعِهم للمُسلِمينَ.
فتَبيَّنَ ممَّا تَقدَّمَ أفضليَّةُ تَوزيعِ الزَّكاةِ في البَلدِ الذي جُمعَت فيه، ويَجوزُ نَقلُها إلى بَلدٍ آخَرَ وَفقَ ضَوابِطَ، هي:
١ - وُجودُ مُسوِّغٍ شَرعيٍّ يُقدِّرُه أهلُ الاجتِهادِ كما تَقدَّمَت الإِشارةُ لبعضِ صُورِه.
(١) انظرِ المَصادِر السَّابقَة.
(٢) رواه مسلم (٢٥٨٦).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]
وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ
(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.
ــ
منح الجليل
ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن
(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.
هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر
بابُ زكاةِ الفِطْرِ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ
الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب من تلزمه زكاة الفطر
باب من تلزمه زكاة الفطر
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نافعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعبدٍ ذكرٍ وَأُنْثَى مِنَ المسلمين وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من حديث آخر قال " " من تَمُونُونَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ زَكَاةُ الفطر وزكاة الفطر، فَمَنْ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ أَوْجَبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ ومن قال زكاة الفطر، فأوجبها عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِطْرَة اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا) {الروم: ٣٠) أَيْ: خِلْقَتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ وَجَبَتِ ابْتِدَاءً بِمَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ أَوْ وَجَبَتْ بِغَيْرِهِ؟ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالظَّوَاهِرِ الَّتِي وَجَبَتْ بِهَا زَكَوَاتُ الْأَمْوَالِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِعُمُومِهَا فِي الزَّكَاتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، أَنَّهَا وَجَبَتْ بِغَيْرِ مَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ وَأَنَّ وُجُوبَهَا أَسْبَقُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة فَلَمَا نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَتْ بِالسُّنَّةِ، أَوْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَبْنِيَّةً عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
ارجع إلى زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.