الإسلام > الزكاة > زكاة الفطر > حكم زكاة الفطر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 31 دقيقة قراءةحُكمُ زَكاةِ الفِطرِ:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في حُكمِ زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: واجِبةٌ، وهو قَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ من السَّلفِ والخَلفِ، بل لقد حَكى جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ الإِجماعَ على وُجوبِها.
استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ:
أولًا: من الكِتابِ:
١ - قَولُه تَعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ووَجهُ الاستِدلالِ بالآيةِ الكَريمةِ أنَّها اشتمَلت على الأمرِ بإيتاءِ الزَّكاةِ، والأمرُ يُفيدُ الوُجوبَ، فدَلَّ ذلك على وُجوبِ الزَّكاةِ، ولَفظُ الزَّكاةِ في الآيةِ عامٌّ يَشمَلُ زَكاةَ الفِطرِ كما يَشمَلُ زَكاةَ الأَموالِ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وفي سَماعِ زِيادِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ: قالَ سُئلَ مالِكٌ عن تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هي الزَّكاةُ التي قُرِنت بالصَّلاةِ؟ فسَمِعتُه يَقولُ هي زَكاةُ الأَموالِ كلِّها من الذَّهبِ والوَرِق والثِّمارِ والحُبوبِ والمَواشي وزَكاةِ الفِطرِ، وتلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] (٢).
(١) «الاستذكار» (٣/ ٢٦٥)، و «التمهيد» (١٤/ ٣٢٢)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٤٩)، و «شرح مسلم» للإمام النووي (٧/ ٥٨) و «المجموع» (٦/ ٨٥)، و «الممتع شرح المقنع» (٢/ ١٨٠).
(٢) «الاستذكار» (٣/ ٢٦٥)، و «الكافي» ص (١١٣).
٢ - قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [التوبة: ١٠٣].
ووَجهُ الاستِدلالِ من الآيةِ الكَريمةِ أنَّها اشتمَلت على إِثباتِ الفَلاحِ لمَن تَزكَّى، وهذا يَدلُّ على وُجوبِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه ثبَتَ قَصرُ الفَلاحِ لمَن اقتصَرَ على الواجِباتِ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وثبَتَ في الصَّحيحَينِ إِثباتُ حَقيقةِ الفَلاحِ لمَن اقتَصرَ على الواجِبات (١).
والزَّكاةُ التي ثبَتَ وُجوبُها في هذه الآيةِ هي زَكاةُ الفِطرِ كما هو قَولُ جَماعةٍ من أهلِ العِلمِ كسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وغيرِهما (٢).
وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ في قَولِه تَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، قالَ: أي: تَطهَّر بأداءِ زَكاةِ الفِطرِ وصلَّى صَلاةَ العِيدِ (٣).
وقالَ الحافِظُ ابنٍ حَجرٍ رحمة الله عليه في قَولِه تَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] قالَ: ثبَتَ أنَّها نزَلَت في زَكاةِ الفِطرِ (٤).
وقالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه: وقد ثبَتَ أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] نزَلَت في زَكاةِ الفِطرِ كما رَوى ذلك ابنُ خُزَيمةَ (٥).
(١) «فتح الباري شرح صحيح البخاري» (٣/ ٣٦٨)
(٢) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٣٧٢)، و «المغني» (٤/ ٣٠)، و «المبدع شرح المقنع» (٢/ ٣٨٥)
(٣) «المبسوط» (٣/ ١٠١).
(٤) «فتح الباري» (٣/ ٣٦٨).
(٥) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٥٠) وهو يُشيرُ بهذا إلى ما رَواه الإمامُ ابنُ خُزيمةَ رحمة الله عليه في «صَحيحِه» (٤/ ٩٠) بابُ ذِكرِ ثَناءِ اللهِ ﷿ على مُؤدِّي صَدقةِ الفِطرِ. قال (٢٤٢٠): قال: حدَّثَنا أبو عَمرٍو ومُسلِمُ بنُ عَمرِو بنِ مُسلِمِ بنِ وَهبٍ الأسلَميُّ المَدينيُّ بخَبرٍ غَريبٍ غَريبٍ، قالَ: حدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ نافِعٍ عن كَثيرِ بنِ عَبدِ اللهِ المُزَنيِّ عن أبيه عن جَدِّه قال: سُئِل رَسولُ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ فقال: أُنزِلت في زَكاةِ الفِطرِ.
ثانيًا: السُّنةُ:
وأمَّا الدَّليلُ من السُّنةِ فمِن ذلك:
١ - ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رضي الله عنهما، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على العبدِ والحرِّ، والذَّكرِ والأُنثَى، والصَّغيرِ والكَبيرِ مِنْ المُسلِمينَ» (١).
٢ - ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ رضي الله عنهما، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائِمِ مِنْ اللَّغوِ (٢) والرَّفثِ (٣)، وطُعمَةً
(١) رواه البخاري (١٤٣٣)، ومسلم (٩٨٤)
(٢) اللَّغوُ واللَّغا: السَّقطُ، وما لا يُعتَدُّ به من كَلامِ غَيرِه، ولا يَحصُلُ منه على فائِدةٍ ولا نَفلٍ، واللَّغوُ في الأيمانِ ما لا يُعقَدُ عليه مِثلُ قَولِك: لا واللهِ وبَلى واللهِ. وقال ابنُ الأثيرِ رحمة الله عليه: قد تَكرَّر في الحَديثِ ذِكرُ «لَغوِ اليَمينِ» قيل: هو أنْ يَقولَ: لا واللهِ، وبَلى واللهِ، ولا يَعقِدَ عليه قَلبَه، وقيل: هي التي يَحلِفُها الإنسانُ ساهِيًا أو ناسِيًا، وقيل: هو اليَمينُ في المَعصيةِ، وقيلَ: في الغَضبِ، وقيلَ: في المِراءِ، وقيل: في الهَزلِ، وقيلَ: اللَّغوُ سُكوتُ الإثْمِ عن الحَلِفِ إذا كَفَّر يَمينَه، وقالوا: لَغا الإنسانُ يَلغو يَلغي، ولَغى يَلغي إذا تَكلَّم بالمُطرَحِ من القَولِ. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٤/ ٢٥٧).
(٣) الرَّفَثُ: الفُحشُ من القَولِ، وكَلامُ النِّساءِ في الجِماعِ، تَقولُ: رفَث الرَّجلُ وأرفَثَ، قال العَجَّاجُ:
ورُبَّ أسرابِ حَجيجٍ كُظَّمِ عن اللَّغا، ورَفَثِ التَّكَلُّمِ
انظر: «لسان العرب» (٢/ ١٥٣).
للمَساكينِ، مَنْ أَدَّاها قبلَ الصَّلَاةِ فهي زَكاةٌ مَقبولَةٌ، ومَن أَدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (١).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذَينِ الحَديثَينِ كما هوقَولُ جُمهورِ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ من أنَّ مَعنى (فرَض) هنا ألزَمُ وأوجَبُ فزَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ واجِبٌ لدُخولِها في عُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقد سمَّاها رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةً فهي داخِلةٌ في أمرِ اللهِ تعالَى بها، ولقَولِه ﷺ في الحَديثِ: «فرَضَ»، وهوغالِبٌ في استِعمالِ الشَّرعِ في هذا المَعنى.
وممَّا يُؤكِّدُ أنَّ «فرَض» بمَعنى «ألزَمُ وأوجَبُ» اقتِرانُها بحَرفِ «على» الذي يفيد الوُجوبَ أيضًا؛ إذْ قالَ في الحَديثِ: «على العبدِ والحرِّ»، كما أنَّ الرِّواياتِ الصَّحيحةَ فيها الأمرُ بأداءِ زَكاةِ الفِطرِ (٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قَولُه «فرَضَ» عندَ أهلِ العِلمِ أوجَبُ، وقد فهِمَ المُسلِمونَ من قَولِه ﷿: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] ونحوِ ذلك أنَّه شَيءٌ أوجَبه اللهُ وقدَّرَه وقَضى به، وقالَ الجَميعُ للشَّيءِ الذي أوجَبَه اللهُ ﷾: هذا فَرضٌ، وما أوجَبه رَسولُ اللهِ ﷺ فعَنِ اللهِ أوجَبه، وقد فرَضَ اللهُ طاعتَه وحذَّرَ من مُخالَفتِه ففَرضُ اللهِ وفَرضُ
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابو داود في «سننه» (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم في «المستدرك» (١٤٨٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧٤٨١).
(٢) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (٧/ ٥٨)، و «تحفة الأحوذي» (٣/ ٢٨٢).
رَسولِه سَواءٌ، إلا أنْ يَقومَ الدَّليلُ على الفَرقِ بينَ الشَّيءِ من ذلك، فيُسلَّمَ حينَئذٍ لِلدَّليلِ الذي لا يَندفِعُ فيه، وباللهِ التَّوفيقُ.
والقَولُ بوُجوبِها من جِهةِ اتِّباعِ سَبيلِ المُؤمِنينَ واجِبٌ أيضًا لأنَّ القَولَ بأنَّها غيرُ واجِبةٍ شُذوذٌ أو ضَربٌ من الشُّذوذِ (١).
٣ - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بزَكاةِ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ … » (٢).
ووَجهُ الدِّلالةِ من هذا الحَديثِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمرَ بزَكاةِ الفِطرِ، وظاهِرُ الأمرِ يُفيدُ الوُجوبَ ما لم تُوجَدْ قَرينةٌ صارِفةٌ له، ولا قَرينةَ هنا، فدَلَّ ذلك على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ واجِبةٌ.
قالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: حَملُ اللَّفظِ على الحَقيقةِ الشَّرعيَّةِ في كَلامِ الشارِعِ مُتعيَّنٌ ما لم يَقمْ صارِفٌ عنه، والحَقيقةُ الشَّرعيَّةُ في الفَرضِ غيرِ المُجرَّدِ التَّقديرُ خُصوصًا، وفي لَفظِ البُخاريِّ ومُسلِمٍ في هذا الحَديثِ أنَّه ﷺ أمرَ بزَكاةِ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ، قالَ ابنُ عمرَ: فجعَلَ الناسُ عَدلَه من مُدَّينِ من حِنطةٍ، ومَعنى لَفظِ «فرَض» هومَعنى أمَرَ أمْرَ إِيجابٍ (٣).
(١) «التمهيد» (١٤/ ٣٢٤)، و «الاستذكار» (٣/ ٢٦٠)، و «طرح التثريب في شرح التقريب» (٤/ ٤٥).
(٢) رواه البخاري (١٤٣٨)، ومسلم (٩٨٤) واللفظ له.
(٣) «شرح فتح القدير» (٢/ ٢٨٢).
ثالثًا: الإِجماعُ:
وقد استدَلَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ بما نقَلَه جَماعةٌ من العُلماءِ من الإِجماعِ على وُجوبِها، وإليكَ بعضَ نُقولِهم:
قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنهم مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ صَدقةَ الفِطرِ فَرضٌ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ: وهي واجِبةٌ إِجماعًا (٢).
وقالَ الإمامُ البَيهَقيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ وإنِ اختلَفوا في تَسميتِها فَرضًا، فلا يَجوزُ تَركُها، وباللهِ التَّوفيقُ (٣).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ: واتَّفَقوا على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على أَحرارِ المُسلِمينَ (٤).
وقالَ الإمامُ الخَطابيُّ: قال به عامَّةُ أهلِ العِلمِ (٥).
وقالَ الإمامُ إِسحاقُ بنُ راهوَيْهِ رحمة الله عليه: هو كالإِجماعِ من أهلِ العِلمِ (٦).
وقَولُ إِسحاقَ هذا أدَقُّ من قَولِ ابنِ المُنذِرِ وغيرِه لوُجودِ الخِلافِ الذي ذَكرتُه.
(١) «الإجماع» لابن المنذر (١٠٦)، وينظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٠).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٤٨).
(٣) «السنن الكبرى» للبيهقي (٤/ ١٥٩)
(٤) «الإفصاح» (١/ ٣٤١)
(٥) «طرح التثريب في شرح التقريب» (٤/ ٤٥).
(٦) المصدر السابق، و «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٠).
القَولُ الثاني: سُنةٌ مُؤكَّدةٌ وليسَت واجِبةً، وهو قَولُ بعضِ المُتأخِّرينَ من أَصحابِ مالِكٍ وداودَ وحَكاه ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رِوايةً عن مالِكٍ، وقالَ: إنَّها مُحتمَلةٌ (١)، وهوقَولُ إِسماعيلَ بنِ عُليَّةَ وأبي بَكرِ بنِ كَيسانَ الأصَمِّ وابنِ اللَّبانِ من الشافِعيةِ (٢).
وقد استدَلَّ أَصحابُ القَولِ بأنَّ زَكاةَ الفِطرِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ وليسَت واجِبةً، بتأويلِ مَعنى «فرَض» في الحَديثِ بمَعنى «قَدَّر»، كقَولِهم: «فرَض القاضِي نَفَقةَ اليَتيمِ»، أي: قَدَّرها وعَرَّف مِقدارَها.
قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ رحمة الله عليه: «أصلُ مَعنى الفَرضِ في اللُّغةِ التَّقديرُ، ولكنْ نُقِلَ في عُرفِ الشارِعِ إلى الوُجوبِ، فالحَملُ عليه أَوْلى» (٣)، يَعني: من الحَملِ على مَعناه الأصليِّ (٤).
وقالَ الكَرمانيُّ رحمة الله عليه: المَفهومُ مِنْ لَفظِ «فرَضَ» حَسبَ عُرفِ الشَّرعِ الوُجوبُ ولا يَجوزُ للراوِي أنْ يُعبِّرَ بالفَرضِ عن المَندوبِ مع عِلمِه بالفَرقِ بينَهما (٥).
(١) «طرح التثريب في شرح التقريب» (٤/ ٤٦).
(٢) «المجموع شرح المهذب» (٦/ ٨٥)، و «الاستذكار» (٣/ ٢٦٥، ٢٦٦)، و «التمهيد» (١٤/ ٣٢١، ٣٢٣)، و «مواهب الجليل لشرح مختصر خليل» (٢/ ٣٦٥)، و «المغني» (٤/ ٣٠).
(٣) «فتح الباري» (٣/ ٣٦٨)، و «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (٩/ ١٠٩).
(٤) «عمدة القاري» (٩/ ١٠٩).
(٥) «عمدة القاري» (٩/ ١٠٩).
وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وحَملُ اللَّفظِ على الحَقيقةِ الشَّرعيَّةِ في كَلامِ الشارِعِ مُتعيَّنٌ ما لم يَقمْ صارِفٌ عنه، والحَقيقةُ الشَّرعيَّةُ في الفَرضِ غيرُ مُجرَّدِ التَّقديرِ (١).
ومِن هنا أنكَرَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه قَولَ ابنِ اللَّبانِ من الشافِعيةِ بعدَ أنْ حَكاه فقالَ: قلتُ: قَولُ ابنِ اللَّبانِ شاذٌّ مُنكَرٌ بل غَلطٌ صَريحٌ واللهُ ﷾ أعلمُ (٢).
وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ رحمة الله عليه: وممَّن ذهَبَ الى أنَّها غيرُ واجِبةٍ ابنُ اللَّبانِ من أَصحابِنا، وقالَ النَّوويُّ: إنَّه شاذٌّ مُنكَرٌ، بل غَلطٌ صَريحٌ.
وقالَ القاضِي أبو بَكرِ بنُ العَربيِّ عن مالِكٍ في وُجوبِها رِوايَتان: إحداهُما مُحتمَلةٌ، والأُخرى قالَ: زَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ، وبذلك قالَ فُقهاءُ الأَمصارِ، قالَ: وتأوَّلَ قَومٌ قَولَه ﷺ: «فرَضَ» بمَعنى «قدَّرَ» وهو بمَعنى الوُجوبِ أظهَرُ؛ لأنَّه قالَ: «زَكاةَ الفِطرِ» فدخَلَت تحتَ قَولِه ﷾: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإنْ كانَ قَوله: «فرَضَ» أوجَبَ، فبِها ونِعمَت، وإنْ كانَ بمَعنى قدَّرَ يَكونُ المَعنى قدَّرَ الزَّكاةَ المَفروضةَ بالقُرآنِ بالفِطرِ كما قدَّرَ زَكاةَ المالِ (٣).
(١) «شرح فتح القدير» (٢/ ٢٨٢).
(٢) «روضة الطالبين» (٢/ ٢٩١).
(٣) «طرح التثريب» (٤/ ٤٦).
سَببُ اختِلافِ العُلماءِ في هذه المَسألةِ:
قالَ ابنُ رُشدٍ: فأمَّا زَكاةُ الفِطرِ، فإنَّ الجُمهورَ على أنَّها فَرضٌ، وذهَبَ بعضُ المُتأخِّرينَ من أَصحابِ مالِكٍ إلى أنَّها سُنَّةٌ، وبه قالَ أهلُ العِراقِ، وقالَ قَومٌ: هي مَنسوخةٌ بالزَّكاةِ.
وسَببُ اختِلافِهم: تَعارُضُ الآثارِ في ذلك، وذلك أنَّه ثبَتَ في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنَّه قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ على النَّاسِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ حرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى مِنْ المُسلِمينَ» (١). وظاهِرُ هذا يَقتَضي الوُجوبَ على مَذهبِ مَنْ يُقلِّدُ الصاحِبَ في فَهمِ الوُجوبِ أو النَّدبِ من أمرِه ﷺ إذا لم يُعَدَّ لنا لَفظُه.
وثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ في حَديثِ الأَعرابيِّ المَشهورِ: وذكَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ الزَّكاةَ قالَ: هلْ علَيَّ غيرُها؟ قالَ: «لَا، إلَّا أنْ تَطوَّعَ» (٢)، فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ هذه الزَّكاةَ دخَلَت تحتَ الزَّكاةِ المَفروضةِ.
وذهَبَ غيرُهم إلى أنَّها غيرُ داخِلةٍ، واحتَجُّوا في ذلك بما رُويَ عن قَيسِ بنِ سَعدِ بنِ عُبادةَ أنَّه قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأمرُنا بها قبلَ نُزولِ الزَّكاةِ، فلمَّا نزَلَت آيةُ الزَّكاةِ لَم نُؤمَرْ بها، ولَم نُنْه عنها، ونحن نَفعَلُه» (٣) (٤).
(١) صحيحٌ تَقدَّم.
(٢) رواه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١).
(٣) رواه ابن ماجه (١٨٢٨)، والنسائي (٢٥٠٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٩٤)، والحاكم في «المستدرك» (١٤٩١)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٥٩) (٢).
(٤) «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» (١/ ٣٨٣).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]
وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ
(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.
ــ
منح الجليل
ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن
(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.
هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر
بابُ زكاةِ الفِطْرِ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ
الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب من تلزمه زكاة الفطر
باب من تلزمه زكاة الفطر
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نافعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعبدٍ ذكرٍ وَأُنْثَى مِنَ المسلمين وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من حديث آخر قال " " من تَمُونُونَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ زَكَاةُ الفطر وزكاة الفطر، فَمَنْ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ أَوْجَبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ ومن قال زكاة الفطر، فأوجبها عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِطْرَة اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسُ عَلَيْهَا) {الروم: ٣٠) أَيْ: خِلْقَتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ وَجَبَتِ ابْتِدَاءً بِمَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ أَوْ وَجَبَتْ بِغَيْرِهِ؟ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالظَّوَاهِرِ الَّتِي وَجَبَتْ بِهَا زَكَوَاتُ الْأَمْوَالِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِعُمُومِهَا فِي الزَّكَاتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، أَنَّهَا وَجَبَتْ بِغَيْرِ مَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ وَأَنَّ وُجُوبَهَا أَسْبَقُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة فَلَمَا نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَتْ بِالسُّنَّةِ، أَوْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَبْنِيَّةً عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
ارجع إلى زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.