زمن مشروعية زكاة الفطر وأطوارها

الإسلام > الزكاة > زكاة الفطر > زمن مشروعية زكاة الفطر وأطوارها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

زمن مشروعية زكاة الفطر وأطوارها - الأقوال والأدلة

زَمنُ مَشروعيَّةِ زَكاةِ الفِطرِ وأَطوارُها:

إِيتاءُ الزَّكاةِ كانَ مَشروعًا في مِللِ الأَنبياءِ السابِقينَ، قالَ اللهُ تعالَى في حَقِّ إبراهيمَ وآلِه عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)[الأنبياء: ٧٣].

وقد شرَعَ للمُسلِمينَ إيتاءَ الصَّدقةِ للفُقراءِ، منذُ العَهدِ المَكيِّ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)[البلد: ١١ - ١٦].

وبعضُ الآياتِ المَكِّيةِ جُعلَت للفُقراءِ في أَموالِ المُؤمِنينَ حقًّا مَعلومًا، كما في قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)[المعارج: ٢٤، ٢٥].

قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: اختُلِف في أوَّلِ وقتِ فَرضِ الزَّكاةِ، فذهَبَ الأكثَرُ إلى أنَّه وقَعَ بعدَ الهِجرةِ فقيلَ: كانَ في السَّنةِ الثانيةِ قبلَ فَرضِ رَمضانَ أشارَ إليه النَّوويُّ في بابِ السِّيرِ من «الرَّوضةِ» وجزَمَ ابنُ الأَثيرِ في «التاريخ» بأنَّ ذلك كانَ في التاسِعةِ، وفيه نَظرٌ.

وادَّعى ابنُ خُزيمةَ في صَحيحِه أنَّ فَرضَها كانَ قبلَ الهِجرةِ، واحتجَّ بما أخرَجَه من حَديثِ أمِّ سَلمةَ في قصَّةِ هجرَتِهم إلى الحَبشةِ، وفيها أنَّ جَعفرَ بنَ أبي طالِبٍ قالَ للنَّجاشيِّ في جُملةِ ما أخبَرَه عن النَّبيِّ : «ويَأمرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ» انتهي.

وفي استِدلالِه بذلك نَظرٌ؛ لأنَّ الصَّلواتِ الخَمسَ لم تَكنْ فُرضَت بَعدُ، ولا صيامُ رَمضانَ، فيُحتمَلُ أنْ تَكونَ مُراجعةُ جَعفرٍ لم تَكنْ في أوَّلِ ما قدِمَ على النَّجاشيِّ، وإنَّما أخبَرَه بذلك بعدَ مُدةٍ قد وقَعَ فيها ما ذكَرَ من قصَّةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وبلَغَ ذلك جَعفرًا، فقالَ: «يَأمرُنا» بمَعنى: يَأمرُ به أُمَّته، وهو بَعيدٌ جدًّا وأَوْلى ما حُملَ عليه حَديثُ أمِّ سَلمةَ هذا -إنْ سلِمَ من قَدحٍ في إِسنادِه- أنَّ المُرادَ بقَولِه: «يَأمرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاة والصِّيامِ» أي: في الجُملةِ، ولا يَلزمُ من ذلك أنْ يَكونَ المُرادُ بالصَّلواتِ الصَّلواتِ الخَمسَ ولا بالصِّيامِ صِيامَ رَمضانَ، ولا بالزَّكاةِ هذه الزَّكاةَ المَخصوصةَ ذاتَ النِّصابِ والحَولِ، واللهُ أعلمُ.

وممَّا يَدلُّ على أنَّ فَرضَ الزَّكاةِ وقَعَ بعدَ الهِجرةِ اتِّفاقُهم على أنَّ صِيامَ رَمضانَ إنَّما فُرضَ بعدَ الهِجرةِ؛ لأنَّ الآيةَ الدَّالةَ على فَريضَتِه مَدنيَّةٌ بلا خِلافٍ، وثبَتَ عندَ أحمدَ وابنِ خُزَيمةَ والنِّسائيِّ وابنِ ماجَه والحاكِمِ من حَديثِ قَيسِ بنِ سَعدِ بنِ عُبادةَ قالَ: «أمَرَنا رَسولُ اللهِ بِصدقةِ الفِطرِ قبلَ أنْ تُنزَّلَ الزَّكاةُ، فلمَّا نزَلَت الزَّكاةُ لم يَأمرْنا ولم يَنهَنا ونحنُ نَفعَلُه»، إِسنادُه صَحيحٌ رِجالُه رِجالُ الصَّحيحِ، إلا أبا عَمارٍ الرَّاويَ له عن قَيسِ بنِ سَعدٍ، وهو كُوفِيٌّ اسمُه عَريبٌ بالمُهمَلةِ المَفتوحةِ، ابنُ حُميدٍ، وقد وثَّقَه أحمدُ وابنُ مَعينٍ، وهو دالٌّ على أنَّ فَرضَ صَدقةِ الفِطرِ كانَ قبلَ فَرضِ الزَّكاةِ فيَقتَضى وُقوعَها بعدَ فَرضِ رَمضانَ، وذلك بعدَ الهِجرةِ، وهو المَطلوبُ (١).

(١) «فتح الباري» (٣/ ٢٦٦، ٢٦٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]

وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ

(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.

ــ

منح الجليل

ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن

(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.

هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.

فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب مكيلة زكاة الفطر

باب مكيلة زكاة الفطر

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شعيرٍ (قال الشافعي) وبين في سنته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنَ الْبَقْلِ مِمَا يَقْتَاتُ الرجل وما فيه الزكاة " .

قال الماوردي: صَحِيحٌ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نص في زكاة الفطر على أشياه، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (هَذَا التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ) وَفِي حَدِيثِ غَيْرِهِ (الْحِنْطَةُ وَالزَّبِيبُ) فَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ كَوْنُهُ قُوتًا مُدَّخَرًا لِأَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ قُوتٌ مُدَّخَرٌ، وَذَهَبَ أبو حنيفة إِلَى أن الْمُعْتَبَرَ فِيهِ كَوْنُهُ مَأْكُولًا مَكِيلًا حَتَّى رَوَى عَنْهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ صَاعًا مِنْ إِهْلِيلَجٍ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ مَأْكُولٌ مَكِيلٌ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ " وَإِغْنَاؤُهُمْ بِالْقُوتِ أَعَمُّ، وَنَفْعُهُمْ بِهِ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ قد يكون في المأكول ما لا يُغْنِي عَنِ الْقُوتِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر

بابُ زكاةِ الفِطْرِ

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ

الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 127 - 128

ارجع إلى زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده