الإسلام > الزكاة > زكاة الفطر > المسألة الثانية: تقديم أحد الأبوين على الآخر في الفطرة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةأمَّا إذا كانَ الوالِدان فَقيرَينِ زَمِنَينِ فتَجبُ نَفقتُهما على وَلدِهما، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ عنهما تَجبُ عليه.
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وأصلُ هذا أنَّ كلَّ مَنْ لزِمَه الإِنفاقُ عليه لزِمَته زَكاةُ الفِطرِ عنه إذا كانَ مُسلِمًا (١).
المَسألةُ الثانيةُ: تَقديمُ أحدِ الأبوَينِ على الآخَرِ في الفِطرةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في تَقديمِ أحَدِ الأبوَينِ على الآخَرِ في الفِطرةِ إذا لم يَبقَ معه إلا لِأحدِهما على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: تَقديمُ الأُمِّ على الأبِ في إِخراجِ الفِطرةِ عنها، وهو الراجِحُ عندَ الحَنابِلةِ ووَجهٌ للشافِعيةِ (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُقدِّمُ فِطرةَ الأُمِّ على الأبِ؛ لأنَّها مُقدَّمةٌ عليه في البِرِّ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وحَكى السَّرخَسيُّ وإمامُ الحَرَمينِ وصاحِبُ البَيانِ وَجهًا أنَّه يُقدِّمُ فِطرةَ الأُمِّ على فِطرةِ الأبِ (٤).
وقد استدَلُّوا على تَقديمِ فِطرةِ الأُمِّ على الأبِ بالسُّنةِ والمَعقولِ.
أمَّا السُّنةُ: فعَن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يَا رَسولَ اللهِ، مَنْ أَحقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحابَتي؟ قالَ:
(١) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٥٢).
(٢) «المغني» (٦/ ٥٧)، و «المجموع» (٦/ ٩٩).
(٣) «المغني» (٦/ ٥٧).
(٤) «المجموع» (٦/ ٩٩).
«أُمكَ» قالَ: ثُم مَن؟ قالَ: «ثُم أُمكَ» قالَ: ثُم مَن؟ قالَ: «ثُم أُمكَ» قالَ: ثُم مَن؟ قالَ: «ثُم أَبوكَ» (١).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّه اشتَملَ على تَقديمِ حَقِّ الأُمِّ على الأبِ في البِرِّ وأكَّدَ ذلك بتَكرارِه ثَلاثَ مَرَّاتٍ. وأداءُ الفِطرةِ عن الأُمِّ من البِرِّ بها وهي مُقدَّمةٌ في البِرِّ فيَلزمُ تَقديمُها في الفِطرةِ.
وأمَّا المَعقولُ:
فهوأنَّ نَفقةَ الأُمِّ مُقدَّمةٌ على نَفقةِ الأبِ؛ ولأنَّها ضَعيفةٌ عن الكَسبِ، وأقَلُّ حيلةً، والفِطرةُ تابِعةٌ للنَّفقةِ فتُقدَّمُ فِطرتُها على فِطرةِ الأبِ (٢).
القَولُ الثاني: تَقديمُ فِطرةِ الأبِ على الأُمِّ وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ واحتمالٌ عندَ الحَنابِلةِ (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واعلَمْ أنَّ المَذهبَ أنَّه يُقدِّمُ نَفسَه ثم زَوجتَه ثم وَلدَه الصَّغيرَ ثم الأبَ ثم الأُمَّ (٤).
واستدَلُّوا على تَقديمِ الأبِ على الأُمِّ في الفِطرةِ بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أمَّا السُّنةُ: فعن عائِشةَ رضي الله عنها أَنَّ رَجلًا أَتى رَسولَ اللهِ ﷺ
(١) رواه البخاري (٥٦٢٦)، ومسلم (٢٥٤٨).
(٢) «المغني» (٤/ ٨٧).
(٣) «المجموع» للنووي (٦/ ٩٩)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٣٠١)، و «حاشية الجمل على شرح المنهاج» (٢/ ٢٨٠).
(٤) «روضة الطالبين» (٢/ ٣٠١).
يُخاصِمُ أَباه فِي دَينٍ علَيه، فقالَ نَبيُّ اللهِ ﷺ: «أنتَ ومالُكَ لأَبيكَ» (١). فدَلَّ على أنَّ الأبَ مُقدَّمٌ.
وأمَّا المَعقولُ فهو من وُجوهٍ:
أحدُها: أنَّ الفِطرةَ طُهرةٌ للمُخرَجِ عنه وشَرفٌ له، والأبُ أحَقُّ بهما، فإنَّه مَنسوبٌ إليه ويَشرُفُ بشَرفِه، لذلك يُقدَّمُ على الأُمِّ في الفِطرةِ (٢).
الثاني: الزَّكاةُ عِبادةٌ بَدنيَّةٌ وهي للرِّجالِ أكثَرُ بخِلافِ النَّفقةِ (٣).
الثالِثُ: نَفقةُ الطِّفلِ في صغَرِه قد تَجبُ على أَبيه دونَ أُمِّه فكانَت نَفقةُ أَبيه أوكَدَ من نَفقةِ أُمِّه، والفِطرةُ تابِعةٌ للنَّفقةِ فيُقدَّمُ الأبُ على الأُمِّ في الفِطرةِ (٤).
وقد خالَفَ الشافِعيةُ التَّرتيبَ هنا، فقالوا بأنَّهم يُرتَّبونَ في الفِطرةِ كما يُرتَّبونَ في النَّفقةِ، والأمُّ مُقدَّمةٌ في النَّفقةِ على الأبِ إلا أنَّهم هنا قالوا بتَقديمِ الأبِ على الأُمِّ إلا أنَّهم أَجابوا عن ذلك بأنَّ النَّفقةَ تَجبُ لسَدِّ الخَلةِ ودَفعِ الحاجةِ والأمُّ أكثَرُ حاجةً وأقَلُّ حيلةً وأكثَرُ خِدمةً للوَلدِ، فوجَبَ تَقديمُها في النَّفقةِ التي تَتضرَّرُ بتَركِها، وأمَّا الفِطرةُ فلا تَجبُ لِحاجةٍ ولا لدَفعِ ضَررٍ بل لتَطهيرِ المُخرَجِ عنه وتَشريفِه، والأبُ أحَقُّ بها فإنَّه مَنسوبٌ إليه ويَشرُفُ بشَرفِه (٥).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٢٩١، ٢٢٩٢)، وأحمد (٦٦٠٢).
(٢) «المجموع» (٦/ ٩٩)، و «أسنى المطالب» (١/ ٣٩١)، و «الأشباه والنظائر» (١/ ٣٣٧)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٠٥)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ١٢٠).
(٣) «نهاية المحتاج» (٣/ ١٢٠).
(٤) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٧٤).
(٥) «المجموع» (٦/ ٩٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر
بابُ زكاةِ الفِطْرِ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ
الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
ارجع إلى زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.