الإسلام > الزكاة > مصارف الزكاة > الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةثُم قالَ: أَخرِجا ما تُصرِّرانِ، ثُم دخَلَ ودخَلْنا عليه وهو يَومَئذٍ عندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، قالَ: فتَواكَلْنا الكَلامَ ثُم تَكلَّمَ أَحدُنا فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ: أنتَ أَبرُّ الناسِ وأَوصَلُ الناسِ، وقد بلَغْنا النِّكاحَ، فجِئْنا لتُؤمِّرَنا على بعضِ هذه الصَّدقاتِ فنُؤدِّيَ إليكَ كما يُؤدِّي الناسُ ونُصيبَ كما يُصيبونَ، قالَ: فسكَتَ طَويلًا حتى أَردْنا أنْ نُكلِّمَه، قالَ: وجعَلَتْ زَينَبُ تُلمِعُ علينا من وَراءِ الحِجابِ أنْ: لَا تُكلِّماه، قالَ: ثُم قالَ: إنَّ الصَّدقةَ لَا تَنبَغي لِآلِ مُحمَّدٍ، إنَّما هي أَوساخُ الناسِ» (١).
وكذلك منَعَ أبا رافِعٍ من تَوليَتِها وقالَ له: «إِنَّ مَولى القَومِ مِنْ أَنفُسِهم، وإنَّا لَا تَحلُّ لنا الصَّدقةُ» (٢)، فدلَّ هذا على أنَّها من الزَّكاةِ (٣).
الصِّنفُ الرابِعُ: المُؤلَّفةُ قُلوبُهم:
اختَلفَ الفُقهاءُ في صِنفِ المُؤلَّفةِ قُلوبُهم:
فالمُعتمَدُ عندَ كلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ وهو رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ: أنَّ سَهمَهم انقَطعَ لعِزِّ الإِسلامِ، فلا يُعطَونَ الآنَ لكنْ إنِ احتُجَّ لاستِئلافِهم في بعضِ الأَوقاتِ أُعطُوا.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لَعلَّ مَعنى قَولِ أحمدَ: انقَطعَ سَهمُهم: أي: لا يُحتاجُ إليهم في الغالِبِ، أو أَرادَ أنَّ الأئِمَّةَ لا يُعطونَهم اليَومَ شَيئًا.
(١) مسلم (١٠٧٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٦٥٠)، وغيرُه.
(٣) «المجموع» (٧/ ٢٨٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٦٤).
فأمَّا إنِ احتيجَ إلى إِعطائِهم جازَ الدَّفعُ إليهم، فلا يَجوزُ الدَّفعُ إليهم إلا مع الحاجةِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: إنَّ سَهمَهم سقَطَ من الزَّكاةِ بعدَ وَفاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ في خِلافةِ الصِّدِّيقِ لمَّا منَعَهم عُمرُ رضي الله عنهما وانعَقدَ عليه إِجماعُ الصَّحابةِ، وذلك لزَوالِ العِلةِ، وهي إِعزازُ الدِّينِ، فهو مِنْ قَبيلِ انتِهاءِ الحُكمِ لِانتِهاءِ عِلتِه الغائِيَّةِ التي كانَ لِأجلِها الدَّفعُ، فإنَّ الدَّفعَ كانَ للإِعزازِ، وقد أعَزَّ اللهُ الإِسلامَ وأغنَى عنهم (٢).
ثم اختَلفوا فيمَن هُم؟ هل هُمْ كُفارٌ أو مُسلِمونَ؟
ففي قَولٍ للمالِكيةِ: المُؤلَّفةُ قُلوبُهم كُفارٌ يُعطَونَ تَرغيبًا لهم في الإِسلامِ لأجلِ أنْ يُعينوا المُسلِمينَ، فعليه لا تُعطَى الزَّكاةُ لمَن أسلَمَ فِعلًا.
وقالَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ: لا يُعطَى من هذا السَّهمِ لكافِرٍ أصلًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ لا تُعطَى لكافِرٍ؛ للحَديثِ: «تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٣). بل تُعطَى لمَن أسلَمَ فِعلًا، وهناك أَقوالٌ أُخرى للشافِعيةِ.
وقالَ الحَنابِلةُ: وهو قَولٌ لكلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ: يَجوزُ الإِعطاءُ من الزَّكاةِ للمُؤلَّفِ مُسلِمًا كانَ أو كافِرًا.
(١) «المغني» (٦/ ٣٢٨)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٩٥)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٢٧)، و «المجموع» (٧/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٦٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٩١)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٥٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٤٢).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: المُؤلَّفةُ قُلوبُهم ضَربانِ: كُفارٌ ومُسلِمونَ، وهم جَميعًا السادةُ المُطاعونَ في قَومِهم وعَشائرِهم. ثم ذكَرَ المُسلِمينَ منهم فجعَلَهم أربَعةَ أضرُبٍ، وهُم:
١ - سادةٌ مُطاعونَ في قَومِهم أسلَموا ونيَّتُهم ضَعيفةٌ فيُعطَونَ تَثبيتًا لهم.
٢ - قَومٌ لهم شَرفٌ ورِياسةٌ أسلَموا ويُعطَونَ لتَرغيبِ نُظرائِهم من الكُفارِ ليُسلِموا.
٣ - صِنفٌ يُرادُ بتألُّفِهم أنْ يُجاهِدوا مَنْ يَلِيهم من الكُفارِ، ويَحموا مَنْ يَلِيهم من المُسلِمينَ.
٤ - صِنفٌ يُرادُ بإِعطائِهم من الزَّكاةِ أنْ يُجْبُوا الزَّكاةَ ممَّن لا يُعطيها.
ثم ذكَرَ ابنُ قُدامةَ الكُفارَ فجعَلهم ضَربَينِ:
١ - مَنْ يُرجى إِسلامُه فيُعطَى لتَميلَ نَفسُه إلى الإِسلامِ.
٢ - مَنْ يُخشى شَرُّه ويُرجى بعَطيَّتِه كفُّ شَرِّه وكفُّ غيرِه معه (١). وقَريبٌ من هذا ذكَرَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه.
وقالَ الحَنفيةُ: المُؤلَّفةُ قُلوبُهم كانوا ثَلاثةَ أَقسامٍ، وهُم:
قِسمٌ كُفارٌ كانَ ﷺ يُعطيهم ليَتألَّفَهم على الإِسلامِ.
وقِسمٌ كانَ يُعطيهم ليَدفَع شرَّهم.
(١) «المغني» (٦/ ٣٢٨، ٣٢٩)، و «المجموع» (٧/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٣١٤)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٩٥)، و «الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه» (١/ ٤٢٧).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الخامسة فيمن تجب له الصدقة
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
وَهِيَ اعْتِبَارُ حَوْلِ نَسْلِ الْغَنَمِ
فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: حَوْلُ النَّسْلِ هُوَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ نِصَابًا أَوْ لَمْ تَكُنْ، كَمَا قَالَ فِي رِبْحِ النَّاضِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَكُونُ حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي رِبْحِ الْمَالِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ - وَهِيَ جَوَازُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ -: فَإِنَّ مَالِكًا مَنَعَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ قَالَ عِبَادَةٌ وَشَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ لَمْ يُجِزْ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْمُؤَجَّلَةِ أَجَازَ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى جِهَةِ التَّطَوُّعِ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِرَأْيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَسْلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلِّهَا» .
الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ
الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ
فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ
وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمْ.
الثَّانِي: فِي صِفَتِهِمُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: كَمْ يَجِبُ لَهُمْ؟ .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ
ارجع إلى مصارف الزكاة للاطلاع على جميع المسائل.