الإسلام > الزكاة > مصارف الزكاة > الصنف السابع: في سبيل الله
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالصِّنفُ السابِعُ: في سَبيلِ اللهِ:
وهذا الصِّنفُ خَمسةُ أضرُبٍ:
الضَّربُ الأولُ: الغُزاةُ في سَبيلِ اللهِ تعالَى والذين ليسَ لهم نَصيبٌ في الدِّيوانِ، بل هم مُتطوِّعونَ للجِهادِ كما يَقولُ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ، خِلافًا للمالِكيةِ، وهذا الضَّربُ مُتَّفقٌ عليه عندَ الفُقهاءِ من حيثُ الجُملةُ، فيَجوزُ إِعطاؤُهم من الزَّكاةِ قَدرَ ما يَتجهَّزونَ به للغَزوِ من مَركَبٍ وسِلاحٍ ونَفقةٍ وسائِرِ ما يَحتاجُ إليه الغازي مُدةَ الغَزوِ وإنْ طالَت.
ولم يَشتَرطْ جُمهورُ الفُقهاءِ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ أنْ يَكونَ الغازي فَقيرًا، بل يَجوزُ إعطاءُ الغَنيِّ لذلك؛ لأنَّه لا يَأخذُ لمَصلحةِ نَفسِه بل لمَصلحةِ المُسلِمينَ فلم يُشتَرطْ فيه الفَقرُ.
واحتجَّ الجُمهورُ على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فيَدخلُ فيه الغَنيُّ والفَقيرُ ولقَولِه ﷺ: «لَا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلَّا لخَمسةٍ: غَازٍ في سَبيلِ اللَّهِ … » الحَديثَ (١) نَفى حِلَّ الصَّدقةِ للأَغنياءِ، واستَثنى الغازيَ منهم، والاستِثناءُ من النَّفيِ إِثباتٌ، فيَقتَضي حِلَّ الصَّدقةِ لِلغازي الغَنِيِّ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ الفُقراءَ والمَساكينَ صِنفَينِ وعَدَّ بَعدَهما سِتةَ أَصنافٍ فلا يَلزمُ وُجودُ صِفةِ الصِّنفَينِ في بَقيَّةِ الأَصنافِ، كما لا يَلزمُ وُجودُ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
صِفةِ الأَصنافِ فيهما؛ ولأنَّ هذا يَأخذُ لِحاجَتِنا إليه فأشبَهَ العامِلَ والمُؤلَّفَ، فأمَّا أهلُ سائِرِ الأسهُمِ فإنَّما يُعتبَرُ فَقرُ مَنْ يَأخذُ لِحاجَتِه إليها دونَ من يَأخذُ لحاجَتِنا إليه (١).
وقالَ أبو حَنيفةَ وأَصحابُه: إنْ كانَ الغازي غَنيًّا وهو مَنْ يَملِكُ نِصابًا من أيِّ مالٍ كانَ فلا يُعطَى من الزَّكاةِ، وإنْ لم يَملِكْ نِصابًا فيُعطَى، وإنْ كانَ كاسِبًا؛ لأنَّ الكَسبَ يُقعِدُه عن الجِهادِ.
واحتجُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لَا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ» (٢)، وقَولِه ﷺ لمُعاذٍ: «فأَعلِمهم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٣).
فجعَلَ الناسَ قِسمَينِ: قِسمًا يُؤخَذُ منهم، وقِسمًا يُصرَفُ إليهم، فلو جازَ صَرفُ الصَّدقةِ إلى الغَنيِّ لبطَلَت القِسمةُ، وهذا لا يَجوزُ.
وذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] هو مُنقَطِعُ الحاجِّ لا مُنقطِعُ الغُزاةِ.
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ٤٩٧)، و «الاستذكار» (٣/ ٢١٣)، و «الإشراف» (١/ ١٩٣)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٢٩)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٩٥٧)، و «المجموع» (٧/ ٣٤٨)، و «تحفة المحتاج» (٣/ ٩٦)، و «الأم» (٢/ ٦٠)، و «الروضة» (٢/ ٣٢١)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ٥١٢)، و «المغني» (٦/ ٣٣٣)، و «منار السبيل» (١/ ٢٤٣)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ١٤٧، ١٤٨)، و «الإفصاح» (١/ ٣٦٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الخامسة فيمن تجب له الصدقة
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
وَهِيَ اعْتِبَارُ حَوْلِ نَسْلِ الْغَنَمِ
فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: حَوْلُ النَّسْلِ هُوَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ نِصَابًا أَوْ لَمْ تَكُنْ، كَمَا قَالَ فِي رِبْحِ النَّاضِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَكُونُ حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي رِبْحِ الْمَالِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ - وَهِيَ جَوَازُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ -: فَإِنَّ مَالِكًا مَنَعَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ قَالَ عِبَادَةٌ وَشَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ لَمْ يُجِزْ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْمُؤَجَّلَةِ أَجَازَ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى جِهَةِ التَّطَوُّعِ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِرَأْيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَسْلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلِّهَا» .
الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ
الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ
فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ
وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمْ.
الثَّانِي: فِي صِفَتِهِمُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: كَمْ يَجِبُ لَهُمْ؟ .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ
ارجع إلى مصارف الزكاة للاطلاع على جميع المسائل.