الإسلام > الزكاة > مصارف الزكاة > الضرب الثالث: الحجاج
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالضَّربُ الثالِثُ: الحُجاجُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ خِلافًا لمُحمدِ بنِ الحَسنِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وقالَ إنَّه الصَّحيحُ، إلى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُصرَفَ من الزَّكاةِ في الحَجِّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا أصَحُّ؛ لأنَّ «سَبيلَ اللهِ» عندَ الإِطلاقِ إنَّما يَنصرِفُ إلى الجِهادِ، فإنَّ كلَّ ما في القرآنِ من ذِكرِ «سَبيلِ اللهِ» إنَّما أُريدَ به الجِهادُ إلا اليَسيرَ فيَجبُ أنْ يُحمَلَ ما في هذه الآيةِ على ذلك؛ لأنَّ الظاهِرَ إِرادتُه به؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُصرَفُ إلى أحَدِ رَجلَينِ: مُحتاجٍ إليها كالفُقراءِ والمَساكينِ، وفي الرِّقابِ لِقَضاءِ دُيونِهم، أو مَنْ يَحتاجُ إليه المُسلِمونَ كالعامِلِ والغازِي والمُؤلَّفِ والغارِمِ لِإصلاحِ ذاتِ البَينِ، والحَجُّ من الفَقيرِ لا نَفعَ للمُسلِمينَ فيه ولا حاجةَ بهم إليه، ولا حاجةَ به أيضًا إليه؛ لأنَّ الفَقيرَ لا فَرضَ عليه ليُسقِطَه، ولا مَصلَحةَ له في إِيجابِه عليه، وتَكليفُه مَشقَّةٌ قد رفَّهَه اللهُ منها وخفَّفَ عنه إِيجابَها، وتَوفيرُ هذا القَدرِ على ذَوي الحاجةِ من سائِرِ الأَصنافِ أو دَفعُه في مَصالِحِ المُسلِمينَ أَوْلى (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ (اختارَها من أَصحابِه الخِرقيُّ وأبو بَكرِ بنُ عبدِ العَزيزِ وأبو حَفصٍ البَرمَكيُّ) إلى جَوازِ أنْ يُعطَى الفَقيرُ من الزَّكاةِ ليَحُجَّ حَجةَ الإِسلامِ، وأنَّ الحَجَّ من سَبيلِ اللهِ؛ لِما رَوى أبو داودَ عن أُمِّ مَعقِلٍ قالَت: «لمَّا حَجَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ حَجةَ الوَداعِ وكانَ لنا جَملٌ فجعَلَه أبو مَعقِلٍ في سَبيلِ اللَّهِ وأصابَنا مَرضٌ وهلَكَ أبو مَعقِلٍ، وخرَجَ
(١) «المغني» (٦/ ٣٣٤).
النَّبيُّ ﷺ، فلمَّا فرَغَ من حَجهِ جِئتُه فقالَ: يا أمَّ مَعقِلٍ، ما منَعَكِ أنْ تَخرُجِي معَنا؟ قالَت: لقد تهَيَّأنا فهلَكَ أبو مَعقِلٍ وكانَ لنا جَملٌ هو الذي نَحجُّ عليه، فأَوصَى به أبو مَعقِلٍ في سَبيلِ اللَّهِ، قالَ: فهلَّا خرَجْتِ عليه، فإنَّ الحَجَّ في سَبيلِ اللَّهِ … » الحَديثَ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ قُلنا: يُدفَعُ في الحَجِّ منها فلا يُعطَى إلَّا بشَرطَينِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ مما ليسَ له ما يَحُجُّ به سِواها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ وَلا لذِي مِرةٍ سَويٍّ».
وقالَ: «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إِلا لخَمسةٍ»، ولم يَذكُرِ الحاجَّ منهم؛ ولأنَّه يَأخذُ لحاجَتِه لا لِحاجةِ المُسلِمينَ إليه، فاعتُبِرت فيه الحاجةُ كمَن يَأخذُ لفَقرِه.
والثاني: أنْ يَأخذَ لحَجةِ الفَرضِ، ذكَرَه أبو الخَطابِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى إسقاطِ فَرضِه وإبراءِ ذِمَّتِه، أمَّا التَّطوُّعُ فله مَندوحةٌ عنه.
وقالَ القاضِي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُ ذلك في الفَرضِ والتَّطوُّعِ معًا، وهو ظاهِرُ قَولِ الخِرقيِّ؛ لأنَّ الكُلَّ من سَبيلِ اللهِ؛ ولأنَّ الفَقيرَ لا فَرضَ عليه، فالحَجةُ منه كالتَّطوُّعِ، فعلى هذا يَجوزُ أنْ يَدفعَ إليه ما يَحُجُّ به حَجةً كامِلةً، وما يُغنِيهِ في حَجِّه، ولا يَجوزُ أنْ يَحُجَّ من زَكاةِ نَفسِه، كما لا يَجوزُ أنْ يَغزوَ بها (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٩٨٩)، وغيره.
(٢) «المغني» (٦/ ٣٣٤)، و «المبدع» (٢/ ٤٢٥).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب زكاة الثمار
باب زكاة الثمار
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ عَنِ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوسقٍ مِنَ التَّمْرِ صدقةٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:
الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الثِّمَارِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمُنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ} (البقرة: ٢٦٧) فأوجب بأمره الإنفاق مما أخرج مِنَ الْأَرْضِ، وَالثِّمَارُ خَارِجَةٌ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) {البقرة: ٢٦٧) فَدَلَّ على أن المراد بالنفقة الصدقة الَّتِي يَحْرُمُ إِخْرَاجُ الْخَبِيثِ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يُرِدِ الصَّدَقَةَ لَجَازَ إِخْرَاجُ خَبِيثِهَا وَطَيِّبِهَا وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) {الأنعام: ١٤١) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ.
فَرِوَايَةُ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَا سَقَتِ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بنضحٍ أَوْ غربٍ فَنِصْفُ الْعُشْرِ ".
ارجع إلى مصارف الزكاة للاطلاع على جميع المسائل.