الضرب الثاني: مصالح الحرب

الإسلام > الزكاة > مصارف الزكاة > الضرب الثاني: مصالح الحرب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

الضرب الثاني: مصالح الحرب - الأقوال والأدلة

قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (ومُنقطِعُ الغُزاةِ) هو المُرادُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو اختِيارٌ منه لقَولِ أبي يُوسفَ وعندَ مُحمدٍ مُنقطِعُ الحاجِّ، وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ، واقتَصرَ عليه في «الفَتاوى الظَّهيريَّة» وفسَّرَه في «البَدائِع» بجَميعِ القُربِ فيَدخلُ فيه كلُّ مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ تعالَى وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (١).

وقد صرَّحَ المالِكيةُ بأنَّه يُشتَرطُ في الغازِي أنْ يَكونَ ممَّن يَجبُ عليه الجِهادُ لكَونِه مُسلِمًا ذكَرًا بالِغًا قادِرًا، وأنَّه يُشتَرطُ أنْ يَكونَ من غيرِ آلِ البَيتِ (٢).

الضَّربُ الثاني: مَصالحُ الحَربِ.

وهذا الضَّربُ ذكَرَه المالِكيةُ، فالصَّحيحُ عندَهم أنَّه يَجوزُ الصَّرفُ من الزَّكاةِ في مَصالحِ الجِهادِ الأُخرى غيرِ إِعطاءِ الزَّكاةِ، نحوَ بِناءِ أَسوارٍ للبَلدِ

(١) «البحر الرائق» (٢/ ٢٦٠)، وينظر: «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٩٣، ٤٩٤)، و «مختصر القدوري» (٥٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٤٣)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٤٧٢)، و «درر الحكام» (٢/ ٣٩٤)، و «الجوهرة النيرة» (١/ ٤٩٠)، و «العناية» (٣/ ١٩٧)، و «الهداية» (١/ ١١٢).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ٤٩٧)، و «الاستذكار» (٣/ ٢١٣)، و «الإشراف» (١/ ١٩٣)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٢٩)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٩٥٧)، و «المجموع» (٧/ ٣٤٨)، و «تحفة المحتاج» (٣/ ٩٦)، و «الأم» (٢/ ٦٠)، و «الروضة» (٢/ ٣٢١)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ٥١٢)، و «المغني» (٦/ ٣٣٣)، و «منار السبيل» (١/ ٢٤٣)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ١٤٧، ١٤٨)، و «الإفصاح» (١/ ٣٦٧).

لحِفظِها من غَزوِ العَدوِّ وبِناءِ المَراكِبِ الحَربيَّةِ وإِعطاءِ جاسوسٍ يَتجسَّسُ لنا على العَدوِّ مُسلِمًا كانَ أو كافِرًا.

وأجازَ بعضُ الشافِعيةِ أنْ يَشتريَ من الزَّكاةِ السِّلاحَ وآلاتِ الحَربِ وتُجعَلَ وَقفًا يَستعمِلُها الغُزاةُ ثم يَردُّونها.

ولم يُجزْه الحَنابِلةُ في المَذهبِ وهو ظاهِرُ صَنيعِ سائِرِ الفُقهاءِ إذ قصَروا سَهمَ سَبيلِ اللهِ على الغُزاةِ أو الغُزاةِ مع الحُجَّاجِ كما سيَأتي، فلا يَجوزُ الصَّرفُ منه في هذا الضَّربِ، ووَجهُه أنَّه لا تَمليكَ فيه، أو فيه تَمليكٌ لغيرِ أهلِ الزَّكاةِ، أو هو كما يَقولُ الإمامُ أحمدُ: لأنَّه لم يُؤتِ الزَّكاةَ لِأحدٍ، وهو مَأمورٌ بإِيتائِها.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ أحمدُ: ويُعطَى ثَمنَ الفَرسِ ولا يَتولَّى مُخرِجُ الزَّكاةِ شِراءَ الفَرسِ بنَفسِه؛ لأنَّ الواجِبَ إِيتاءُ الزَّكاةِ، فإذا اشتَراها بنَفسِه فما أَعطَى إلا فَرسًا، وكذلك الحُكمُ في شِراءِ السِّلاحِ والمُؤنةِ.

وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: إنَّ دفْعَ ثَمنِ الفَرسِ وثَمنِ السَّيفِ أعجَبُ إلَيَّ وإنِ اشتَراه هو رَجوتُ أنْ يُجزئَه. وقالَ أيضًا: يَشتَري الرَّجلُ من زَكاتِه الفَرسَ ويُحمَلُ عليه، والقَناةَ ويُجهَّزُ الرَّجلُ، وذلك لأنَّه قد صرَفَ الزَّكاةَ في سَبيلِ اللهِ ، فجازَ كما لو دفَعَها إلى الغازي فاشتَرى بها، قالَ: ولا يَشتَري من الزَّكاةِ فَرسًا يَصيرُ حَبيسًا في سَبيلِ اللهِ، ولا دارًا، ولا ضَيعةً يُصيِّرُها في سَبيلِ اللهِ للرِّباطِ، ولا يَقِفُها على المُجاهِدين؛ لأنَّه لم يُؤتِ الزَّكاةَ لِأحدٍ وهو مَأمورٌ بإِتيانِها، قالَ: ولا يَغزو الرَّجلُ على الفَرسِ الذي

أخرَجَه من زَكاةٍ مالِه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَجعلَ نَفسَه مَصرِفًا لزَكاتِه، كما لا يَجوزُ أنْ يَقضيَ بها دَينَه، ومتى أخَذَ الفَرسَ الذي اشتَراه بمالِه صارَ مَصرِفًا لزَكاتِه (١).

وهذا الحُكمُ بالنِّسبةِ للزَّكاةِ، أمَّا إذا احتاجَ المُجاهِدونَ لِلمالِ ولا يُوجَدُ زَكاةٌ أو وُجدَت ولم تَكفِ للجِهادِ وعجَزَ بَيتُ المالِ -كليًّا أو جُزئيًّا- عن القيامِ بهذا الأمرِ لسَدِّ حاجةِ الجِهادِ والمُجاهِدينَ فقد قالَ الإمامُ الشاطِبيُّ رحمة الله عليه: فلِلإمامِ إذا كانَ عَدلًا أنْ يُوظِّفَ على الأَغنياءِ ما يَراه كافِيًا لهم في الحالِ إلى أنْ يَظهرَ مالُ بَيتِ المالِ، ثم إليه النَّظرُ في تَوظيفِ ذلك على الغلَّاتِ والثِّمارِ وغيرِ ذلك، كَيلا يُؤدِّيَ تَخصيصُ الناسِ به إلى إِيحاشِ القُلوبِ، وذلك يَقعُ قَليلًا من كَثيرٍ بحيثُ لا يُجحَفُ بأحَدٍ ويَحصلُ المَقصودُ، وإنَّما لم يُنقلْ مِثلُ هذا عن الأوَّلينَ لِاتِّساعِ مالِ بَيتِ المالِ في زَمانِهم، بخِلافِ زَمانِنا، فإنَّ القَضيَّةَ فيه أَحرى، ووَجهُ المَصلحةِ هنا ظاهِرٌ، فإنَّه لو لم يَفعلِ الإمامُ ذلك النِّظامَ بطَلَت شَوكةُ الإمامِ وصارَت دِيارُنا عُرضةً لِاستِيلاءِ الكُفارِ (٢).

وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: والأصَحُّ أنْ نَقولَ لِلإمامِ أنْ يَفعلَ ذلك عندَ الحاجةِ، فإنْ لم يَكنْ في بَيتِ المالِ مالٌ، ومَسَّت الحاجةُ إلى تَجهيزِ

(١) «المغني» (٦/ ٣٣٤)، و «المبدع» (٢/ ٣٢٤)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٩٧)، و «المجموع» (٧/ ٣٥١).
(٢) «الاعتصام» (٢/ ١٢١)، ويُنظرُ: «غياث الأمم في التياث الظلم» ص (٣٨٠، ٣٩٤) للإمامِ الجُوينيِّ؛ فإنَّه أوّلُ من قالَ بهذا من الفُقهاءِ.

الجَيشِ ليَذبُّوا عن المُسلِمينَ فله أنْ يَحكُمَ على الناسِ بقَدرِ ما يَحتاجُ إليه لِذلك؛ لأنَّه مَأمورٌ بالنَّظرِ للمُسلِمينَ.

وإنْ لم يُجهِّزِ الجَيشَ للدَّفعِ ظهَرَ المُشرِكونَ على المُسلِمينَ فيأخُذونَ المالَ والذَّراريَّ والنُّفوسَ فمِن حُسنِ التَّدبيرِ أنْ يَتحكَّمَ على أَربابِ الأَموالِ بقَدرِ ما يَحتاجُ إليه لتَجهيزِ الجَيشِ ليَأمَنوا فيما سِوى ذلك، وهو المُرادُ بما ذُكرَ بعدَه عن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ مُعاويةَ رضي الله عنه ضرَبَ بَعثًا على أهلِ الكُوفةِ فرفَعَ عن جَريرٍ وعن وَلدِه، وقالَ جَريرٌ رضي الله عنه: لا نَقبَلُ ذلك، ولكنْ نَجعَلُ أَموالَنا لِلغازي.

ومَعنى ضَربِ البَعثِ التَّحكُّمُ عليهم في أَموالِهم بقَدرِ الحاجةِ لتَجهيزِ الجَيشِ، فكأنَّه مَنَّ على جَريرٍ ووَلدِه رضي الله عنهم بأنْ رفَعَ ذلك عنهم، فقد كانَ مُوقَّرًا فيهم، وكانَ رَسولُ اللهِ يُوقِّرُه، حتى قالَ جَريرٌ رضي الله عنه ما نظَرَ إلَيَّ إلا تَبسَّمَ ولو في صَلاتِه، لكنْ لم يَقبَلْ جَريرٌ هذه المِنةَ منه لعِلمِه أنَّ في الجِهادِ بالمالِ مَعنى الثَّوابِ واستِحقاقَ المُؤمِنِ التَّوقيرَ بكَونِه مُستبِقًا إلى الخَيراتِ والطَّاعاتِ، ولكنْ قالَ: لا أُعطي المالَ إليكَ، بل أدفَعُ بنَفسي إلى مَنْ أَختارُه من الغُزاةِ ليتَبيَّن به أنَّه غيرُ مُجبَرٍ على ما يُعطِي (١).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّه إذا نزَلَت بالمُسلِمينَ حاجةٌ بعدَ أداءِ الزَّكاةِ فإنَّه يَجبُ صَرفُ المالِ إليها، وقالَ مالِكٌ: يَجبُ على الناسِ فِداءُ أَسراهم وإنِ استَغرقَ ذلك أَموالَهم، وهذا إِجماعٌ أيضًا (٢).

(١) «المبسوط» (١٠/ ٢٠، ٢١).
(٢) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٤٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الدين والصدقة

بابُ زكاةِ الدَّيْنِ والصَّدُقَةِ

الصَّدُقَةُ: هى الصَّدَاقُ، وجَمْعُها صَدُقَاتٌ، قال اللهُ تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} . وهى من جُمْلَةِ الدُّيُونِ، وحُكْمُها حُكْمُها ، وإنَّما أَفْرَدَها بالذِّكْرِ لِاشْتِهَارِهَا بِاسْمٍ خَاصٍّ.

٤٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كان مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ فى الأمْوَال الباطِنَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وهى الأَثْمانُ، وعُرُوضُ التِّجَارَةِ. وبه قال عَطاءٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، ومَيْمُونُ ابن مِهْرَانَ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال رَبِيعَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ، والشَّافِعِىُّ فى جَديدِ قَوْلَيْه: لا يَمْنَعُ الزكاةَ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مَلَكَ نِصَابًا حَوْلًا، فوَجَبَتْ عليه الزكاةُ، كَمَنْ لا دَيْنَ عليه. ولَنا، ما رَوَى أبو عُبَيْدٍ فى "الأمْوَالِ" : حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن شِهابٍ، من السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قال: سَمِعْتُ عثمانَ بن عَفَّانَ يَقُولُ: هذا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فمَن كان عليه دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّه، حتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ. وفى لَفْظٍ : فمَن كان عليه دَيْنٌ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 45 - 48

ارجع إلى مصارف الزكاة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر