الغني المانع من أخذ الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة

الإسلام > الزكاة > مصارف الزكاة > الغني المانع من أخذ الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

الغني المانع من أخذ الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة - الأقوال والأدلة

وقالَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ: المِسكينُ مَنْ لا يَجدُ شَيئًا أصلًا فيَحتاجُ للمَسألةِ وتَحلُّ له (١).

واختَلفَ قَولُهم في الفَقيرِ:

فقالَ الحَنفيةُ: الفَقيرُ هو مَنْ يَملِكُ شَيئًا دونَ النِّصابِ الشَّرعيِّ في الزَّكاةِ، فإنْ ملَكَ نِصابًا مِنْ أيِّ مالٍ زَكويٍّ فهو غَنيٌّ لا يَستحِقُّ شَيئًا من الزَّكاةِ، فإنْ ملَكَ أقلَّ من نِصابٍ فهو مُستحِقٌّ، وكذا لو ملَكَ نِصابًا غيرَ نامٍ وهو مُستغرِقٌ في الحاجةِ الأَصليَّةِ، فإنْ لم يَكنْ مُستغرِقًا مُنعَ، كمَن عندَه ثيابٌ تُساوي نِصابًا لا يَحتاجُها، فإنَّ الزَّكاةَ تَكونُ حَرامًا عليه، ولو بلَغَت قيمةُ ما يَملِكُه نِصابًا فلا يَمنَعُ ذلك كَونَه من المُستحِقينَ للزَّكاةِ إنْ كانَت مُستغرِقةً بالحاجةِ الأصليَّةِ، كمَن عندَه كُتبٌ يَحتاجُها للتَّدريسِ، أو آلاتُ حِرفةٍ أو نحوُ ذلك (٢).

وقالَ المالِكيةُ: الفَقيرُ مَنْ يَملِكُ شَيئًا لا يَكفيه لقُوتِ عامِه (٣).

الغِنَي المانعُ مِنْ أخذِ الزَّكاةِ بوَصفِ الفَقرِ أو المَسكَنةِ:

الأصلُ المُتَّفقُ عليه بينَ الفُقهاءِ أنَّه لا يُصرَفُ في الزَّكاةِ من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ إلى غَنيٍّ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَها للفُقراءِ والمَساكينِ، والغَنيُّ غيرُ داخِلٍ فيهم، وأخبَرَ النَّبيُّ أنَّها: «تُؤخذُ من

(١) «فتح القدير» (٢/ ١٥)، و «مجمع الأنهر» (٢٢٠)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٩٣)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٢٥).
(٢) «فتح القدير» (٢/ ١٥)، و «مجمع الأنهر» (٢٢٠).
(٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٩٣)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٢٥).

أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (١)، وقالَ: «لَا حظَّ فيها لغَنيٍّ» (٢)؛ ولأنَّ أخْذَ الغَنيِّ منها يَمنعُ وُصولَها إلى أهلِها ويُخلُّ بحِكمةِ وُجوبِها، وهي إِغناءُ الفُقراءِ بها (٣).

ولكنِ اختُلفَ في الغِنَى المانِعِ من أخذِ الزَّكاةِ:

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأمرَ مُعتبَرٌ بالكِفايةِ، فمَن وجَدَ من الأَثمانِ أو غيرِها ما يَكفيه ويَكفي مَنْ يَمونُه فهو غَنيٌّ، لا تَحلُّ له الزَّكاةُ، وكذلك مَنْ لم يَملِكْ شَيئًا وهو غيرُ مُحتاجٍ.

فإنْ لم يَجدْ ذلك وكانَ مُحتاجًا حلَّت له الصَّدقةُ، ولو كانَ ما عندَه يَبلُغُ نِصابًا، بل نُصبًا زَكويَّةً، وعلى هذا فلا يُمتنَعُ أنْ يُوجَدَ مَنْ تَجبُ عليه الزَّكاةُ وهو مُستحِقٌّ للزَّكاةِ.

قالَ الخَطابي رحمة الله عليه: قال مالِكٌ والشافِعيُّ: لا حَدَّ للغِنى مَعلومًا، وإنَّما يُعتبَرُ حالُ الإِنسانِ بوُسعِه وطاقَتِه، فإذا اكتَفى بما عندَه حُرِّمَت عليه الصَّدقةُ، وإذا احتاجَ حلَّت له.

قالَ الشافِعيُّ: قد يَكونُ الرَّجلُ بالدِّرهمِ غَنيًّا مع كَسبٍ ولا يُغنيه الألفُ مع ضَعفِه في نَفسِه وكَثرةِ عِيالِه (٤).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٦٣٣)، وغيره.
(٣) «المغني» (٣/ ٤٤٦، ٤٤٧).
(٤) «معالم السنن» (٢/ ٢٢٧).

ومما يَدلُّ لهذا المَذهبِ:

١ - ما جاءَ في الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ قالَ لقَبيصةَ بنِ المُخارِقِ الذي جاءَ يَسألُه في حَمالةٍ تَحمَّلها: «يا قَبيصَةُ إنَّ المَسأَلةَ لَا تَحلُّ إلا لأَحدِ ثَلاثةٍ: رَجلٌ تَحمَّلَ حَمالَةً فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصِيبَها ثُم يُمسِكُ، ورَجلٌ أَصابَته جائِحةٌ اجْتاحَت مالَه فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصِيبَ قِوامًا من عَيشٍ، أو قالَ سِدادًا من عَيشٍ، ورَجلٌ أَصابَتْه فاقَةٌ حتى يَقومَ ثَلاثةٌ من ذوي الحِجا من قَومِه لقد أَصابَت فُلانًا فاقَةٌ فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عَيشٍ، أو قالَ: سِدادًا من عَيشٍ، فما سِواهُنَّ من المَسأَلةِ يا قَبيصَةُ سُحتًا يَأكلُها صاحِبُها سُحتًا» (١).

٢ - أنَّ الحاجةَ هي الفَقرُ، والغِنى ضِدُّها، فمَن كانَ مُحتاجًا فهو فَقيرٌ يَدخلُ في عُمومِ النَّصِّ، ومَن استَغنى دخَلَ في عُمومِ النُّصوصِ المُحرِّمةِ، والدَّليلُ على أنَّ الفَقرَ هو الحاجةُ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] أي: مُحتاجونَ إليه، وقالَ الشاعِرُ: «وإنِّي إلى مَعروفِها لفَقيرُ» أي: لَمُحتاجٌ.

وبِناءً على ذلك يَتفرَّعُ أَمرانِ:

أولًا: أنَّ مَنْ كانَ له مالٌ يَكفيه، سَواءٌ أكانَ ذلك من مالٍ زَكويٍّ أو غيرِ زَكويٍّ أو من كَسبِه وعَملِه أو من أُجرةِ عَقاراتٍ أو غيرِ ذلك، فليسَ له الأخذُ من الزَّكاةِ، ويُعتبَرُ وُجودُ الكِفايةِ له ولعائِلتِه، ومَن يَعولُه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم مَقصودٌ دَفعُ حاجَتِه، فيُعتبَرُ له ما يُعتبَرُ للمُنفرِدِ.

(١) رواه مسلم (١٠٤٤).

ثانيًا: أنَّ مَنْ ملَكَ من أَموالِ الزَّكاةِ نِصابًا أو أكثرَ لا تَتمُّ به كِفايَتُه لنَفسِه، ومَن يَعولُه، فله الأخذُ من الزَّكاةِ؛ لأنَّه ليسَ بغَنيٍّ.

فمَن له عُروضُ تِجارةٍ قيمَتُها ألفُ دِينارٍ أو أكثَرُ ولكنْ لا يَحصلُ له مِنْ رِبحِها قَدرُ كِفايتِه لكَسادِ السُّوقِ أو كَثرةِ العِيالِ أو نحوِها يَجوزُ له الأخذُ من الزَّكاةِ.

ومَن كانَ له مَواشٍ تَبلغُ نِصابًا، أو له زَرعٌ يَبلغُ خَمسةَ أَوسقٍ لا يَقومُ ذلك بجَميعِ كِفايتِه يَجوزُ له الأخذُ من الزَّكاةِ، ولا يَمنعُ ذلك وُجوبَها عليه؛ لأنَّ الغِنى المُوجبَ للزَّكاةِ هو مِلكُ النِّصابِ بشُروطٍ، أمَّا الغِنى المانِعُ من أخذِها فهو ما تَحصلُ به الكِفايةُ ولا تَلازمَ بينَهما (١).

وقالَ المَيمونيُّ: ذاكَرتُ أبا عبدِ اللهِ (أحمدَ بنَ حَنبلٍ) فقُلتُ: قد تَكونُ للرَّجلِ الإبِلُ والغَنمُ تَجبُ فيها الزَّكاةُ وهو فَقيرٌ، ويَكونُ له أربَعونَ شاةً وتَكونُ له الضَّيعةُ ولا تَكفيه، أفيُعطَى من الزَّكاةِ؟ قالَ: نَعم، وذكَرَ قَولَ عمرَ: أَعطوهم وإنْ راحَت عليهم من الإبلِ كذا وكذا (٢).

وقالَ أحمدُ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ عبدِ الحَكمِ: إذا كانَ له عَقارٌ أو ضَيعةٌ يَستغِلُّها عَشرةَ آلافٍ أو أكثَرَ ولا تَكفيه يَأخذُ من الزَّكاةِ (٣).

وقيلَ له: يَكونُ للرَّجلِ الزَّرعُ القائِمُ وليسَ عندَه ما يَحصُدُه، أيَأخذُ من الزَّكاةِ؟ قالَ: نَعم.

(١) «شرح غاية المنتهى» (٢/ ١٣٥).
(٢) «المغني» (٣/ ٤٤٠).
(٣) «المغني» (٣/ ٤٤٠)، و «شرح غاية المنتهى» (٢/ ١٣٥).

وقالَ في «شَرح الغايةِ»: «مَنْ له كُتبٌ يَحتاجُ إليها للحِفظِ والمُطالَعةِ أو لها حُليٌّ للُّبسِ أو لكِراءٍ تَحتاجُ إليه فلا يَمنعُها ذلك من أخذِ الزَّكاةِ» (١).

ولا يَجوزُ له أنْ يَصرِفَ زَكاةَ مالِه إلى نَفسِه إذا كانَ مُحتاجًا، قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فهل يَجوزُ له إذا كانَ فَقيرًا له عِيالٌ وعليه زَكاةٌ يَحتاجُ إليها أنْ يَصرفَها إلى نَفسِه وعِيالِه؟

قيلَ: لا يَجوزُ ذلك لعَدمِ الإِخراجِ المُستحَقِّ عليه، ولكنْ للإمامِ أو الساعِي أنْ يَدفعَ زَكاتَه إليه بعدَ قَبضِها منه في أصَحِّ الرِّوايتَينِ عن أحمدَ.

فإنْ قيلَ: فهل له أنْ يُسقطَها عنه؟

قيلَ: لا نصَّ عليه، والفَرقُ بينَهما واضِحٌ (٢).

وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ وعليها ظاهِرُ المَذهبِ: إلى أنَّه إنْ وجَدَ كِفايتَه فهو غَنيٌّ، وإنْ لم يَجدْ وكانَ لَديه خَمسونَ دِرهمًا أو قيمَتُها من الذَّهبِ خاصَّةً فهو غَنيٌّ، ولو كانَت لا تَكفيه؛ لحَديثِ: «مَنْ سأَلَ الناسَ وله ما يُغنِيه جاءَ يومَ القِيامةِ ومَسأَلتُه في وَجهِه خُموشٌ أو خُدوشٌ أو كُدوحٌ. قِيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ: وما يُغنِيه؟ قالَ: خَمسونَ دِرهمًا أو قِيمتُها مِنْ الذَّهبِ» (٣). وإنَّما فرَّقوا بينَ الأَثمانِ وغيرِها اتِّباعًا للحَديثِ (٤).

(١) «شرح غاية المنتهى» (٢/ ١٣٥).
(٢) «زاد المعاد» (٥/ ٣٣٦، ٣٣٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابو داود (١٦٢٦)، والترمذي (٣/ ٦٥٠)، والنسائي (٢٥٩١)، وابن ماجه (١٨٤٠)، وغيرهم.
(٤) «المغني» (٣/ ٤٣٧)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٢٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٢٤)، و «الإفصاح» (١/ ٣٧٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٨٠)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٢٥)، و «المجموع» (٧/ ٣٢٥، ٣٢٦)، و «مجموع الفتاوى» (١١/ ٢٠)، و «جواهر العقود» (١/ ٣٩٦).

أمَّا الحَنفيةُ: فإنَّهم يرَوْن أنَّ الغِنى الذي يَحرُمُ به أخذُ الصَّدقةِ وقَبولُها أحدُ أمرَينِ:

الأولُ: مِلكُ نِصابٍ زَكويٍّ مِنْ أيِّ مالٍ كانَ: كخَمسٍ من الإبِلِ السائِمةِ أو مِئتَي دِرهمٍ أو عِشرين دِينارًا (٨٥ جرامًا عيارَ ٢٤ من الذَّهبِ تَقريبًا)؛ لأنَّ الشَّرعَ جعَلَ الناسَ صِنفَينِ: غَنيًّا تُؤخذُ منه الزَّكاةُ وفَقيرًا تُردُّ عليه؛ لقَولِه : «تُؤخذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (١)، ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ غَنيًّا فَقيرًا في وَقتٍ واحِدٍ، كمَن كانَ لديه نِصابٌ تَجبُ فيه الزَّكاةُ ولكنْ عندَه كَثرةٌ من العِيالِ يَحتاجونَ إلى كَثيرٍ من النَّفقاتِ، لا يَجوزُ أنْ يُعطَى ولا يَحلُّ له أنْ يَأخذَ من الزَّكاةِ.

الثاني: أنْ يَملِكَ من الأَموالِ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ ما يَفضُلُ عن حاجَتِه وتَبلُغُ قيمةُ الفاضِلِ مِئتَي دِرهمٍ، كمَن يَقتَني من الثِّيابِ والفَرشِ والدَّوابِّ والكُتبِ والدُّورِ والحَوانيتِ وغيرِها زِيادةً على ما يَحتاجُ إليه، كلُّ ذلك للابتِذالِ والاستِعمالِ لا للتِّجارةِ والإِسامةِ، فإذا بقِيَ من ذلك ما تَبلغُ قيمَتُه مِئتَي دِرهمٍ حرُمَ عليه أنْ يَأخذَ من الصَّدقةِ، فمَن كانَ له دارانِ يَستَغني عن إحداهُما، وهي إذا بِيعت تُساوي نِصابَ النُّقودِ فلا يَجوزُ له أخذُ الزَّكاةِ، وكذلك إذا كانَ عندَه كُتبٌ ورِثَها مَثلًا أو أَدواتُ حِرفةٍ تُساوِي نِصابًا وليسَ

(١) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).

هو في حاجةٍ إليها؛ لأنَّه ليسَ من أهلِ العِلمِ ولا من أَربابِ تلك الحِرفةِ.

قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ثم قَدرُ الحاجةِ ما ذكَرَه الكَرخيُّ في «مُختصَرِه» فقالَ: لا بأسَ بأنْ يُعطَى من الزَّكاةِ مَنْ له مَسكنٌ وما يَتأثَّثُ به مَنزلُه، وخادِمٌ وفَرسٌ وسِلاحٌ وثِيابُ البَدنِ وكُتبُ العِلمِ إنْ كانَ من أهلِه، فإنْ كانَ له فَضلٌ على ذلك ما تَبلغُ قيمَتُه مِئتَي دِرهمٍ حرُمَ عليه أخذُ الصَّدقةِ؛ لِما رُويَ عن الحَسنِ البَصريِّ أنَّه قالَ: «كَانُوا يُعطُونَ الزَّكاةَ لمَن يَملِكُ عَشرةَ آلَافِ دِرهمٍ من الفَرسِ والسِّلاحِ والخَدمِ والدَّارِ»؛ لأنَّ هذه الأَشياءَ من الحَوائجِ اللازِمةِ التي لا بدَّ للإِنسانِ منها، فكانَ وُجودُها وعَدمُها سَواءً (١).

وذكرَ في «الفَتاوى» فيمَن له حَوانيتُ ودُورٌ للغَلةِ، لكنَّ غَلتَها لا تَكفيه وعِيالَه أنَّه فَقيرٌ، ويَحلُّ له أخذُ الصَّدقةِ عندَ مُحمدٍ وزُفرَ. وعندَ أبي يُوسفَ لا يَحلُّ، ومِثلُ هذا إذا كانَ له أرضٌ وكَرمٌ لكنَّ غَلتَه لا تَكفيه وعِيالَه.

ولو عندَه طَعامٌ للقُوتِ يُساوي (مِئتَي دِرهَمٍ) فإنْ كانَ كِفايةَ شَهرٍ تَحلُّ له الصَّدقةُ، وإنْ كانَ كِفايةَ سَنةٍ قالَ بعضُهم: لا تَحلُّ، وقالَ بعضُهم: تَحلُّ؛ لأنَّ ذلك مُستحِقٌّ الصَّرفَ إلى الكفايةِ، والمُستحِقُ مُلحَقٌ بالعَدمِ، وقد ادَّخرَ لنِسائِه قُوتَ سَنةٍ. ولو كانَ له كِسوةُ الشِّتاءِ وهو لا يَحتاجُ إليها في الصَّيفِ يَحلُّ له أخذُ الصَّدقةِ. قالَ الكاسانيُّ: وهذا قَولُ أَصحابِنا (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٩٨، ٤٩٩).
(٢) «البدائع» (٢/ ٥٠٠)، و «رد المحتار» (٢/ ٣٤٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل فيمن تصرف الزكاة له]

وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لُقَطَةٌ.

وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ: كَعَنْبَرٍ، فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ. .

(فَصْلٌ) وَمَصْرِفُهَا: فَقِيرٌ، وَمِسْكِينٌ: وَهُوَ أَحْوَجُ، وَصُدِّقَا، إلَّا لِرِيبَةٍ؛ إنْ أَسْلَمَ.

ــ

منح الجليل

الدَّارِ عَادَ حُكْمُهُ كَالْمَعْدِنِ قَالَهُ س. وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْمَعْدِنَ مَظِنَّةُ التَّنَازُعِ لِدَوَامِهِ بِخِلَافِ الرِّكَازِ.

(وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) عُلِمَ بِعَلَامَةٍ (لُقَطَةٌ) فَيُعَرَّفُ سَنَةً مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ انْقِرَاضُ مُسْتَحِقِّهِ فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِلَا تَعْرِيفٍ وَلَا مَفْهُومَ لِدِفْنٍ وَخَصَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ رِكَازٌ.

(وَمَا لَفَظَهُ) بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: رَمَاهُ وَطَرَحَهُ (الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ) مِمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ آدَمِيٌّ (فَ) هُوَ (لِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ) فَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِآدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَالنَّظَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ رَبُّهُ تَرَكَهُ لِعَطَبِهِ فَلُقَطَةٌ وَإِنْ كَانَ أَلْقَاهُ لِلنَّجَاةِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.

فَصْلٌ فِيمَنْ تَصْرِف الزَّكَاة لَهُ

(فَصْلٌ) فِيمَنْ تُصْرَفُ الزَّكَاةُ لَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل سبب فرضية الزكاة

أَنْ تُبْنَى عَلَى أَصْلٍ آخَرَ نَذْكُرُهُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوَاجِبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَصْلٌ سَبَبُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا سَبَبُ فَرْضِيَّتِهَا فَالْمَالُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ، وَلِذَا تُضَافُ إلَى الْمَالِ فَيُقَالُ: زَكَاةُ الْمَالِ وَالْإِضَافَةُ فِي مِثْلِ هَذَا يُرَادُ بِهَا السَّبَبِيَّةُ كَمَا يُقَالُ: صَلَاةُ الظُّهْرِ وَصَوْمُ الشَّهْرِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَصْلٌ شَرَائِطُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ

الشَّرَائِط الَّتِي ترجع عَلَى مِنْ عَلَيْهِ الْمَال

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا شَرَائِطُ الْفَرْضِيَّةِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَالِ.

أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ فَأَنْوَاعٌ أَيْضًا مِنْهَا إسْلَامُهُ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى الْكَافِرِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَالْكُفَّارُ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ.

وَأَمَّا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى لَا يُخَاطَبَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.

وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا حَتَّى إذَا مَضَى عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إذَا أَسْلَمَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَيُخَاطَبُ بِأَدَائِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّلَاةُ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الخامسة فيمن تجب له الصدقة

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ

وَهِيَ اعْتِبَارُ حَوْلِ نَسْلِ الْغَنَمِ

فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: حَوْلُ النَّسْلِ هُوَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ نِصَابًا أَوْ لَمْ تَكُنْ، كَمَا قَالَ فِي رِبْحِ النَّاضِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَكُونُ حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي رِبْحِ الْمَالِ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ - وَهِيَ جَوَازُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ -: فَإِنَّ مَالِكًا مَنَعَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.

وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ قَالَ عِبَادَةٌ وَشَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ لَمْ يُجِزْ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْمُؤَجَّلَةِ أَجَازَ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى جِهَةِ التَّطَوُّعِ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِرَأْيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَسْلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلِّهَا» .

الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ

الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ

فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ

وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:

الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمْ.

الثَّانِي: فِي صِفَتِهِمُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ.

الثَّالِثُ: كَمْ يَجِبُ لَهُمْ؟ .

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 7 - 13

ارجع إلى مصارف الزكاة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله