الإسلام > الزكاة > مصارف الزكاة > هل يجب التسوية بين الأصناف الثمانية أو يجوز إعطاء صنف منها مع وجود الباقين؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يَلزمُه أنْ يَردَّ ما فضَلَ معه، قالَ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه: قالَ في «الفَتح»: ولا يَحلُّ له -أي: لِابنِ السَّبيلِ- أنْ يَأخذَ أكثرَ من حاجَتِه، والأَوْلى له أنْ يَستقرِضَ إنْ قدِرَ ولا يَلزمُه ذلك لجَوازِ عَجزِه عن الأداءِ، ولا يَلزمُه التَّصدُّقُ بما فضَلَ في يدِه عندَ قُدرتِه على مالِه كالفَقيرِ إذا استَغنى، والمُكاتَبِ إذا عجَزَ وعندَهما من مالِ الزَّكاةِ لا يَلزمُهما التَّصدُّقُ (١).
هل يَجبُ التَّسويةُ بينَ الأَصنافِ الثَّمانيةِ أو يَجوزُ إعطاءُ صِنفٍ منها مع وُجودِ الباقين؟
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه إذا لم يُوجَدْ إلا صِنفٌ واحِدٌ من الأَصنافِ الثَّمانيةِ أنَّها تُعطَى لهم وتُجزِئُ.
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو اجتَمعَت الأَصنافُ الثَّمانيةُ هل يَجبُ استِيعابُها جَميعًا أو يَجوزُ أنْ يُعطَى صِنفٌ واحِدٌ منها فقط وتُجزِئُ عنه؟
وكذا إذا وُجِدَ وإذا اجتَمعَت الأَصنافُ فالمَذهبُ أنَّه لا يَجبُ استِيعابُها، بل لو أُعطيَت لصِنفٍ واحِدٍ أَجزأَ.
فذهَبَ الشافِعيةُ (والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ) (٢) إلى أنَّه يَجبُ أنْ يُسوِّيَ بينَ الأَصنافِ في الأسهُمِ ولا يُفضَّلُ صِنفٌ على صِنفٍ بلا خِلافٍ، سَواءٌ اتَّفقَت حاجاتُهم وعَددُهم أو لا، ولا يُستَثنى من هذا إلا العامِلُ، فإنَّ حقَّه مُقدَّرٌ بأُجرةِ عَملِه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى سوَّى بينَهم.
(١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٤٤)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٩٨).
(٢) «شرح الزركشي» (١/ ٣٧٣).
فإذا وُجدَ الأَصنافُ الثَّمانيةُ وجَبَ لكلِّ صِنفٍ ثُمنٌ، وإنْ وُجدَ منهم خَمسةٌ وجَبَ لكلِّ صِنفٍ خُمسٌ، وهكذا، فلا بدَّ من استِيعابِ جَميعِ المَوجودينَ، ولا يَجوزُ الاقتِصارُ على بعضِها مع وُجودِ جَميعِها، وإذا لم يُوجَدْ صِنفٌ منهم كالمُؤلَّفةِ مَثلًا سقَط سَهمُه ويُردُّ على الباقينَ.
والمُستحَبُّ أنْ يَعُمَّ كلَّ صِنفٍ إنْ أمكَنَ، وأقَلُّ ما يُجزِئُ أنْ يُصرَفَ إلى ثَلاثةٍ من كلِّ صِنفٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أَضافَ إليهم بلَفظِ الجَمعِ وأقَلُّ الجَمعِ ثَلاثةٌ، فإنْ دفَعَ إلى اثنَينِ ضمِنَ نَصيبَ الثالِثِ، وفي قَدرِ الضَّمانِ قَولانِ، أحدُهما القَدرُ المُستحَبُّ، وهو الثُّلثُ، والثاني وهو الصَّحيحُ: أقَلُّ جُزءٍ من السَّهمِ؛ لأنَّ هذا القَدرَ هو الواجِبُ، فلا يَلزمُه ضَمانُ ما زادَ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ في «الأُمّ»: لو ترَكَ العامِلُ أهلَ صِنفٍ مَوجودينَ حيثُ يِقسِمها، وهو يَعرِفُهم، وأَعطى حَظَّهم غيرَهم ضمِنَ؛ لأنَّ سَهمَ هؤلاء بُيِّن في كِتابِ اللهِ تبارك وتعالى.
وكذلك إذا قسَمَها الوَليُّ فتركَ أهلَ سَهمٍ مَوجودينَ ضمِنَ لِما وَصفتُ (١).
وهذا كلُّه في غيرِ العامِلِ فيَجوزُ أنْ يَكونَ واحِدًا بلا خِلافٍ، وابنُ السَّبيلِ على خِلافٍ.
ولا يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ آحادِ الصِّنفِ، سَواءٌ استَوعبَهم أو اقتَصرَ على ثَلاثةٍ منهم أو أكثَرَ، وسَواءٌ اتَّفقَت حاجاتُهم أو اختَلفَت، لكنْ يُستحَبُّ
(١) «الأم» (٢/ ٦٩) ط الشعب.
أنْ يُفرِّقَ بينَهم على قَدرِ حاجاتِهم، فإنِ استَوت سوَّى، وإنْ تَفاضَلت فاضَل بحَسبِ الحاجةِ استِحبابًا (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجبُ التَّسويةُ بينَ الأَصنافِ الثَّمانيةِ، بل يَجوزُ أنْ يُعطيَها لشَخصٍ واحِدٍ دونَ الباقينَ.
استدلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] فجعَلَ تَخصيصَ الفُقراءِ بها خَيرًا مَشكورًا فدَلَّ على جَوازِه، وصَرفِ ذلك في حقِّه.
وبقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] فدَلَّ على جَوازِ تَفرُّدِهم به.
وبقَولِ النَّبيِّ ﷺ لمُعاذٍ لمَّا أرسَلَه إلى اليَمنِ: «أَعلِمهُم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» (٢).
فأخبَرَ أنَّه مَأمورٌ برَدِّ جُملَتِها في الفُقراءِ، وهُم صِنفٌ واحِدٌ ولم يَذكُرْ سِواهُم، ثم أَتاه بعدَ ذلك مالٌ فجعَلَه في صِنفٍ ثانٍ سِوى الفُقراءِ، وهُم المُؤلَّفةُ: الأقرَعُ بنُ حابِسٍ وعُيَينةُ بنُ حِصنٍ وعَلقَمةُ بنُ عُلاثةَ وزَيدُ الخَيلِ، قسَمَ فيهم الذَّهبيَّةَ التي بعَثَ بها إليه علِيٌّ من اليَمنِ، وإنَّما يُؤخَذُ من أهلِ اليَمنِ الصَّدقةُ، ثم أَتاه مالٌ آخَرُ فجعَلَه في صِنفٍ آخَرَ.
(١) «المهذب» (١/ ١٧٣)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٤٧٨)، و «البيان» (٣/ ٤٢٩، ٤٣٠)، و «المجموع شرح المهذب» (٦/ ٢٠٥، ٢٠٧).
(٢) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).
ولأنَّ اللهَ تعالَى خَصَّ الأَصنافَ الثَّمانيةَ بالذِّكرِ كما خَصَّ الصِّنفَ الواحِدَ بالذِّكرِ، فلمَّا لم يَلزمِ استيفاءُ جَميعِ الصِّنفِ وجازَ الاقتِصارُ على بعضِه لم يَلزَمِ استيفاءُ جَميعِ الأَصنافِ، وجازَ الاقتِصارُ على بعضِها ويَتحرَّرُ منه قِياسانِ: أحَدُهما: أنَّها صَدقةٌ يَجوزُ أنْ يَخُصَّ بها بعضَ الفُقراءِ، فجازَ أنْ يَخُصَّ بها بعضَ الأَصنافِ كالكَفاراتِ.
والثاني: أنَّ مَنْ جازَ الاقتِصارُ عليه في الكَفاراتِ جازَ الاقتِصارُ عليه في الزَّكواتِ، قياسًا على بعضِ الفُقراءِ.
ولأنَّه لو استحَقَّ كلُّ صِنفٍ منهم سَهمًا يَخصُّه لَما جازَ فيمَن فُقدَ أنْ يَردَّ سَهمَه على مَنْ وُجدَ، وفي إِجماعِهم على جَوازِ ذلك مع فَقدِ بعضِهم دَليلٌ على جَوازِه مع وُجودِ بعضِهم.
قالوا: ولأنَّ المَقصودَ بها سَدُّ الخَلةِ التي لا يُمكنُ أنْ يَعمَّ بها الجَميعَ، فلا فَرقَ بينَ أنْ تَكونَ من صِنفٍ واحِدٍ أو مِنْ جَميعِ الأَصنافِ، كما لا فَرقَ بينَ أنْ تَكونَ من بعضِ الصِّنفِ أو مِنْ جَميعِه.
واللَّامُ في قَولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيةَ لبَيانِ المَصرِفِ والاستِحقاقِ أي: إنَّما الصَّدقاتُ مُستحَقةٌ للفُقراءِ إلخ، ولا يَلزمُ من الاستِحقاقِ الإِعطاءُ بالفِعلِ (١).
(١) «الهداية» (١/ ١١٣)، و «العناية شرح الهداية» (٣/ ١٩٨)، و «شرح فتح القدرير» (٢/ ٢٦٥)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ٢١٧، ٢١٨)، و «اللباب» (١/ ٢٤٧)، و «المدونة الكبرى» (٢/ ٢٩٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٥٢) ط: دار الفكر، و «مواهب الجليل» (٢/ ٢٥٢) ط: دار الفكر، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٢٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ١١٥)، و «حاشية الصاوي» (٣/ ٢٠٩)، و «المغني» (٣/ ٤٤٣، ٤٤٥)، و «شرح الزركشي» (١/ ٣٧٣).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب مكيلة زكاة الفطر
باب مكيلة زكاة الفطر
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شعيرٍ (قال الشافعي) وبين في سنته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنَ الْبَقْلِ مِمَا يَقْتَاتُ الرجل وما فيه الزكاة " .
قال الماوردي: صَحِيحٌ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نص في زكاة الفطر على أشياه، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (هَذَا التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ) وَفِي حَدِيثِ غَيْرِهِ (الْحِنْطَةُ وَالزَّبِيبُ) فَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ كَوْنُهُ قُوتًا مُدَّخَرًا لِأَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ قُوتٌ مُدَّخَرٌ، وَذَهَبَ أبو حنيفة إِلَى أن الْمُعْتَبَرَ فِيهِ كَوْنُهُ مَأْكُولًا مَكِيلًا حَتَّى رَوَى عَنْهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ صَاعًا مِنْ إِهْلِيلَجٍ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ مَأْكُولٌ مَكِيلٌ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ " وَإِغْنَاؤُهُمْ بِالْقُوتِ أَعَمُّ، وَنَفْعُهُمْ بِهِ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ قد يكون في المأكول ما لا يُغْنِي عَنِ الْقُوتِ.
ارجع إلى مصارف الزكاة للاطلاع على جميع المسائل.