هل يشترط تعميم الأصناف الثمانية في الزكاة أو الاقتصار على صنف واحد

الإسلام > الزكاة > مصارف زكاة الفطر > هل يشترط تعميم الأصناف الثمانية في الزكاة أو الاقتصار على صنف واحد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 41 دقيقة قراءة

هل يشترط تعميم الأصناف الثمانية في الزكاة أو الاقتصار على صنف واحد - الأقوال والأدلة

ثانيًا: السُّنةُ:

عن زيادِ بنِ الحَرثِ الصُّدائيِّ صاحِبِ رَسولِ اللهِ قالَ: أتَيتُ رَسولَ اللهِ فبايَعتُه، فذكَرَ حَديثًا طَويلًا، قالَ: فأَتاه رَجلٌ، فقالَ: أعْطِني مِنْ الصَّدقةِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ : «إنَّ اللَّهَ تعالَى لَم يَرضَ بحُكمِ نَبيٍّ ولا غيرِه فِي الصَّدقاتِ، حتى حَكمَ فيها هو، فجزَّأَها ثَمانِيةَ أَجزاءٍ، فإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلكَ الأَجْزاءِ أَعطَيتُك حقَّكَ» (١).

دَلَّ هذا الحَديثُ على ما دلَّت عليه الآيةُ السابِقةُ من أنَّ الصَّدقةَ تُعطَى للأَصنافِ الثَّمانيةِ؛ لأنَّ لَفظَ «الصَّدقةِ» عامٌّ في الحَديثِ فيَشمَلُ صَدقةَ الفِطرِ كسائِرِ الصَّدقاتِ فدَلَّ ذلك على صَرفِها في الأَصنافِ الثَّمانيةِ كزَكاةِ المالِ.

ثالثًا: المَعقولُ:

وهو: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ الأَموالِ بجامِعِ الوُجوبِ في كلٍّ، وزَكاةُ الأَموالِ مَصرِفُها الأَصنافُ الثَّمانيةُ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ.

هل يُشتَرطُ تَعميمُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ في الزَّكاةِ أو الاقتِصارُ على صِنفٍ واحِدٍ:

على القَولِ بأنَّ مَصرِفَ الزَّكاةِ الأَصنافُ الثَّمانيةُ هل يَجبُ تَعميمُ الزَّكاةِ على الأَصنافِ الثَّمانيةِ أو يَجوزُ الاقتِصارُ على صِنفٍ واحِدٍ؟ على قولَينِ:

القَولُ الأولُ: لا يَجبُ تَعميمُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ، بل يَجوزُ الاقتِصارُ على صِنفٍ واحِدٍ وهو قَولُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ وبعضِ

(١) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه أبو داود (١٦٣٠)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٧٥٢٢).

الشافِعيةِ، وبه قالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ وعلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ، وابنُ عباسٍ وحُذيفةُ رضي الله عنهم من الصَّحابةِ، ومِن التابِعينَ قالَ به سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ وإِبراهيمُ النَّخَعيُّ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، وأبو العالِيةِ (١).

قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ رحمة الله عليه: ولا يُروى عن الصَّحابةِ خِلافُه، فصارَ إِجماعًا من السَّلفِ لا يَسعُ أحَدًا خِلافُه لظُهورِه واستِفاضتِه فيهم من غيرِ خِلافٍ ظهَر من أحدٍ مِنْ نُظرائِهم (٢).

وقالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: لا بأسَ أنْ يُعطيَ صَدقةَ الفِطرِ عنه وعن عيالِه مِسكينًا واحِدًا (٣).

وقالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: ونُدبَ إِيثارُ المُضطَّرِ -أي: المُحتاجِ- على غيرِه بأنْ يَزدادَ في إِعطائِه منها دونَ عُمومِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ، فلا يُندَبُ إلا أنْ يَقصِدَ الخُروجَ من خِلافِ الشافِعيِّ (٤).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٧)، و «عمدة القاري» (٨/ ٢٣٨)، و «الشرح الكبير» (١/ ٤٩٨)، و «الجوهرة النيرة» (١/ ٤٨٧)، و «الاستذكار» (٣/ ٢٠٧)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٢٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٧٧)، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١٦٨)، و «الذخيرة» (٣/ ١٧٠)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٧٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٥٩)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٣٤٢)، و «المغني» (٤/ ٦٣)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٨٧).
(٢) «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٣٤٤).
(٣) «المدونة الكبرى» (٢/ ٣٥٩).
(٤) «الشرح الكبير» (١/ ٤٩٨)، وانظر: «شرح مختصر خليل» للخرشي (٢/ ٢٢٠).

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: فلو اقتَصرَ رَبُّ المالِ في دَفعِ الزَّكاةِ على صِنفٍ منها -أي: من الأَصنافِ الثَّمانيةِ- أو اقتَصرَ على واحِدٍ منه أجزَأَه ذلك، نَصَّ عليه، وهو قَولُ عُمرَ وحُذيفةَ وابنِ عباسٍ (١).

واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو عَدمُ وُجوبِ تَعميمِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ وجَوازُ الاقتِصارِ على صِنفٍ واحِدٍ أو على شَخصٍ واحِدٍ- بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ.

أولًا: الكِتابُ:

قولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].

فهذه الآيةُ تدلُّ على جَوازِ إِيتاءِ الصَّدقاتِ إلى صِنفٍ واحِدٍ لِما اشتَملَت عليه من لَفظِ ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ فنَصَّت الآيةُ على صِنفٍ واحِدٍ وهُم الفُقراءُ، ولو وجَبَ تَعميمُ الأَصنافِ لَما اقتَصرَ على الفُقراءِ؛ ولأنَّ لَفظَ الصَّدقاتِ في الآيةِ عامٌّ يَشمَلُ صَدقةَ الفِطرِ كسائِرِ الصَّدقاتِ.

وقالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: والصَّدقةُ متى أُطلِقت في القُرآنِ فهي صَدقةُ الفَرضِ (٢).

(١) «كشاف القناع» (٢/ ٢٨٧).
(٢) «تفسير القرطبي» (٨/ ١٦٨).

ثانيًا: السُّنةُ:

أ - عَنْ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ بعَثَ مُعاذًا رضي الله عنه إلى اليَمنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ قد افْتَرضَ علَيهم خَمسَ صَلَواتٍ فِي كلِّ يَومٍ ولَيلَةٍ، فإِنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ افتَرضَ علَيهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أغْنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (١).

فهذا دَليلٌ على أنَّه لا يَجبُ استِيعابُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ، وجَوازِ الاقتِصارِ على صِنفٍ واحِدٍ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من قَولِه : «تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» فنَصَّ على صِنفٍ واحِدٍ وهُم الفُقراءُ، فدَلَّ ذلك على جَوازِ صَرفِ الصَّدقةِ إليهم وهُم صِنفٌ واحِدٌ.

ب- عَنْ قَبيصَةَ بنِ مُخارِقٍ الهِلالِيِّ قالَ: تَحمَّلتُ حَمالَةً، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ أَسأَلُه فيها، فقالَ: «أَقمْ حتى تأْتِيَنا الصَّدقةُ، فنَأمُرَ لكَ بها … » الحَديثَ (٢).

وهذا الحَديثُ أيضًا يَدلُّ على جَوازِ الاقتِصارِ في دَفعِ الصَّدقةِ على صِنفٍ واحِدٍ، وذلك لقَولِه : «أَقمْ حتى تَأتِيَنا الصَّدقةُ، فنَأْمرَ لكَ بها»، فأخبَرَ أنَّه سيَأمرُ لقَبيصةَ بالصَّدقةِ إذا أتَتْ، وقَبيصةُ شَخصٌ واحِدٌ، فإذا جازَ دَفعُ الصَّدقةِ لشَخصٍ واحِدٍ، فإنَّه يَدلُّ على عَدمِ وُجوبِ استِيعابِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٢) رواه مسلم (١٠٤٤).

ج- عَنْ سَلمةَ بْنِ صَخْرٍ قالَ: ابنُ العَلاءِ البَياضِيُّ قالَ: كُنْتُ امرَأً أُصِيبُ مِنْ النِّساءِ ما لَا يُصيبُ غيرِي، فلمَّا دخَلَ شَهرُ رَمضانَ خِفتُ أنْ أُصِيبَ مِنْ امرَأتِي شَيئًا يُتابَعُ بِي حتى أُصبحَ، فَظاهَرتُ منها حتى يَنسَلخَ شَهرُ رَمضانَ، فبَيْنا هي تَخدُمُني ذاتَ لَيلةٍ؛ إذْ تَكشَّفَ لِي منها شَيءٌ، فلَم ألبَثْ أنْ نَزوْتُ عليها، فلمَّا أَصبَحتُ خرَجْتُ إلى قَومِي فأَخبَرتُهم الخبَرَ، وقُلتُ امْشُوا معِي إلى رَسولِ اللهِ ، قَالُوا: لا واللَّهِ، فانطَلقْتُ إلى النَّبيِّ فأَخبَرتُه، فقالَ: «أنتَ بذاكَ يا سَلمَةُ؟»، قلتُ: أَنا بذاكَ يا رَسولَ اللهِ، مَرتَينِ، وأَنا صابِرٌ لأَمرِ اللهِ، فَاحكُمْ فِيَّ ما أَراكَ اللَّهُ، قالَ: «حرِّرْ رَقبَةً»، قلتُ: والَّذي بعَثَك بالحَقِّ ما أَملِكُ رقَبةً غيرَها، وضرَبْتُ صَفْحَةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرَينِ مُتتابعَينِ»، قالَ: وهلْ أَصبْتُ الذي أَصبْتُ إِلَّا مِنْ الصِّيامِ؟ قالَ: «فأَطعِمْ وَسقًا مِنْ تَمرٍ بينَ سِتينَ مِسكينًا»، قلتُ: والَّذي بعَثَك بالحَقِّ لقد بِتْنا وَحشَينِ ما لَنا طَعامٌ، قالَ: «فانْطَلقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُريقٍ فلْيَدفعْها إليكَ … » (١).

ففي هذا الحَديثِ أمرَ النَّبيُّ بصَدقةِ بَني زُريقٍ لِرجلٍ واحِدٍ، بقَولِه: «فانْطلِقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُريقٍ فلْيَدفعْها إليكَ»، فدَلَّ ذلك على جَوازِ الاقتِصارِ في دَفعِ الصَّدقةِ لصِنفٍ واحِدٍ، وأنَّه لا يَجبُ التَّعميمُ في الصَّدقةِ؛ إذ لو كانَ التَّعميمُ واجبًا لَما أمَرَ النَّبيُّ بدَفعِ صَدقةِ بَني زُريقٍ لرَجلٍ واحِدٍ.

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (٣٢٩٩)، وابن ماجه (٢٠٦٢).

قالَ الإمامُ الخَطابيُّ رحمة الله عليه: وفيه حُجةٌ (أي: الحَديثِ) لمَن ذهَبَ إلى جَوازِ أنْ يَضعَ الرَّجلُ صَدقتَه في صِنفٍ واحِدٍ من الأَصنافِ السِّتةِ، ولا يُفرِّقَها في السِّهامِ (١).

ثالثًا: المَعقولُ: وهو مِنْ وَجهَينِ:

أحَدُهما: كما أنه لا يَجبُ تَعميمُ الصِّنفِ الواحِدِ، فكذلك لا يَجبُ تَعميمُ الأَصنافِ.

قالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ: والذي جَعلْناه فَيصلًا بينَنا وبينَهم أنَّ الأُمةَ اتَّفقَت على أنَّه لو أَعطى كلَّ صِنفٍ حَظَّه لم يَجبْ تَعميمُه، فكذلك تَعميمُ الأَصنافِ واللهُ أعلمُ (٢).

الثاني: هو أنَّ التَّعميمَ لكلِّ الأَصنافِ فيه حَرجٌ ومَشقَّةٌ وذلك مُنتَفٍ شَرعًا بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

وأمَّا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].

فإنَّ المُرادَ بالآيةِ الأَصنافُ التي يَجوزُ الدَّفعُ إليهم، لا تَعيينُ الدَّفعِ لهم (٣).

قالَ ابنُ كَثيرٍ رحمة الله عليه: إنَّما ذُكِرت الأَصنافُ ههنا لبَيانِ المَصرِفِ لا لوُجوبِ استِيعابِ الإِعطاءِ (٤).

(١) «معالم السنن» للخطابي (٣/ ٢١٧).
(٢) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٢٢)، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١٦٨).
(٣) «البحر الرائق» (٢/ ٣٦٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٤٤).
(٤) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٦٥).

الثاني: قَولُهم بأنَّ الآيةَ اشتَملَت على لَفظِ ﴿إِنَّمَا﴾ وهي تَقتَضي الحَصرَ في وُقوفِ الصَّدقاتِ على الأَصنافِ المَذكورينَ، فغيرُ مُسلَّمٍ لهم به؛ لأنَّه ليسَ في هذا الاستِدلالِ ما يَدلُّ على وُجوبِ الاستيعابِ للأَصنافِ، وإنَّما يَدلُّ على أنَّ الأَصنافَ مَحصورةٌ في هؤلاءِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ فتُثبِتُهم وتَنفي مَنْ عَداهم.

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: قَولُه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ للحَصرِ، وإنَّما تُثبِتُ المَذكورَ وتَنفي ما عَداه، والمَعنى: ليسَت الصَّدَقةُ لغيرِ هؤلاء، بل لِهؤلاء، فالمُثبَتُ من جِنسِ المَنفيِّ، ومَعلومٌ أنَّه لم يَقصِدْ تَبيينَ المِلكِ بل قصَدَ تَبيينَ الحِلِّ، أي: لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغيرِ هؤلاء، فيَكونُ المَعنى: بل تَحلُّ لَهم … إلخ (١).

الثالِثُ: قَولُهم: إنَّ اللَّامَ في قَولِه تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ لَامُ التَّمليكِ، ثم عطَف عليها بواوِ العَطفِ «التَّشريكِ» فدَلَّ ذلك على وُجوبِ الاستِيعابِ، فغيرُ مُسلَّمٍ لهم به؛ لأنَّ اللَّامَ هنا ليسَت للتَّمليكِ، وإنَّما للاختِصاصِ والاستِحقاقِ، وهو أنَّهم المُستحِقُّونَ لها والمُختصُّونَ بها دونَ غيرِهم.

وقالَ الزَّبيديُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] اللَّامُ في هذا البابِ لبَيانِ جِهةِ المُستحِقِّ لا للتَّشريكِ والقِسمةِ، بل كلُّ صِنفٍ مما ذكَرَه اللهُ يَجوزُ للإِنسانِ دَفعُ صَدقتِه كلِّها إليه دونَ بَقيَّةِ الأَصنافِ ويَجوزُ إلى واحِدٍ من الصِّنفِ؛ لأنَّ كلَّ

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٧).

صِنفٍ منهم لا يُحصَى، والإِضافةُ إلى مَنْ لا يُحصَى لا تَكونُ للتَّمليكِ وإنَّما هو لبَيانِ الجِهةِ فيه فيَتناوَلُ الجِنسَ، وهو الواحِدُ، ألَا تَرى أنَّ من حلَفَ لا يَشربُ ماءَ الدِّجلةِ فشرِبَ منه جَرعةً واحِدةً حنَثَ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على شُربِه كلِّه، فعُلمَ أنَّ هذه الأَصنافَ الثَّمانيةَ بجُملتِهم للزَّكاةِ مِثلُ الكَعبةِ للصَّلاةِ، وكلُّ صِنفٍ منهم مِثلُ جُزءٍ من الكَعبةِ، واستِقبالُ جُزءٍ من الكَعبةِ كافٍ، وقَولُه تَعالى: ﴿إِنَّمَا﴾ هو لإِثباتِ المَذكورِ ونَفيِ ما عداه، وهو حَصرٌ لجِنسِ الصَّدقاتِ على هذه الأَصنافِ المَعدودةِ، وأنَّها مُختصَّةٌ بهم مُنحصِرةٌ عليهم، كأنَّه قالَ: إنَّما هي لهم، وليسَت لغيرِهم (١).

القَولُ الثاني: أنَّه يَجبُ تَعميمُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ في زَكاةِ الفِطرِ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ وداودَ وابنِ حَزمٍ الظاهِريِّ ورِوايةٌ عن أحمدَ اختارَها أبو الخَطابِ وغيرُه من الحَنابِلةِ (٢).

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «ويَقسِمُها على من تُقسَمُ عليه زَكاةُ المالِ». قالَ: وهذا كما قالَ: مَصرِفُ زَكاةِ الفِطرِ، مَصرِفُ زَكاةِ المالِ في الأَصنافِ المَذكورينَ في كِتابِ اللهِ تَعالى.

وقالَ أبو سَعيدٍ الإصطَخريُّ: إنْ تَولَّى إِخراجَه بنَفسِه جازَ أنْ يَقتصِرَ على صِنفٍ واحِدٍ من جُملةِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ، فيَدفعَها إلى ثَلاثةٍ من أيِّ

(١) «الجوهرة النيرة» (١/ ٤٨٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٨٧)، و «مختصر المزني» (١/ ٥٥)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٣٢٩)، و «طرح التثريب» (٤/ ٦٢)، و «أسنى المطالب» (١/ ٤٠٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١١٦)، و «المحلى» (٦/ ١٤٤)، و «الفروع» لابن مفلح (٢/ ٤٧٣).

الأَصنافِ شاءَ، ولا يَجوزُ أنْ يَقتصِرَ على أقلَّ من ثَلاثةٍ، وإنْ دفَعَها إلى الإمامِ لم يُعطِها إلا في جَميعِ الأَصنافِ، وفصَلَ بينَهما للضَّرورةِ؛ ولأنَّ الإمامَ يُمكِنُه وَضعُها في جَميعِهم من غيرِ مَشقَّةٍ مع اتِّساعِ المالِ، وكَثرةِ الصَّدقاتِ، ورَبُّ المالِ إنْ كُلِّفَ ذلك شَقَّ عليه، وإنْ كُلفَ تَفريقَ صاعٍ على أَربعةٍ وعِشرينَ حِصةُ كلِّ واحِدٍ منهم غيرُ مُؤثِّرةٍ في حالِه، ورُبَّما بعَثَه قِلتُها على الامتِناعِ من أَخذِها (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: يَجبُ استيعابُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ عندَ القُدرةِ عليهم، فإنْ فرَّقَ بنَفسِه أو فرَّقَ الإمامُ وليسَ هناك عامِلٌ فرَّقَ على السَّبعةِ.

وحُكيَ قَولٌ أنَّه إذا فرَّقَ بنَفسِه سقَطَ أيضًا نَصيبُ المُؤلَّفةِ، والمَشهورُ ما سبَقَ.

ومتى فُقِد صِنفٌ فأكثَرُ قُسِّم المالُ على الباقينَ.

فإنْ لم يُوجَدْ أحَدٌ من الأَصنافِ حُفظَت الزَّكاةُ حتى يُوجَدوا أو يُوجَدَ بعضُهم، وإذا قسَّمَ الإمامُ لزِمَه استِيعابُ آحادِ كلِّ صِنفٍ ولا يَجوزُ الاقتِصارُ على بَعضِهم؛ لأنَّ الاستِيعابَ لا يَتعذَّرُ عليه، وليسَ المُرادُ أنَّه يَستوعِبُهم بزَكاةِ كلِّ شَخصٍ، بل يَستوعِبُهم من الزَّكاةِ المُختلَطةِ في يدِه وله أنْ يَخصَّ بعضَهم بنَوعٍ من المالِ وآخَرينَ بنَوعٍ، وإنْ قسَّمَ المالِكُ فإنْ أمكَنَه الاستِيعابُ بأنْ كانَ المُستحِقونَ في البَلدِ مَحصورينَ يَفي بهم المالُ فقد أطلَقَ في التِّتمةِ أنَّه يَجبُ الاستِيعابُ، وفي «التَّهذيب» أنَّه يَجبُ لو جوَّزْنا

(١) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٨٧).

نَقلَ الصَّدقةِ، وإنْ لم نُجوِّزْه لم يَجبْ، لكنْ يُستحَبُّ وإنْ لم يُمكِنْ سقَط الوُجوبُ والاستِحبابُ، ولكنْ لا يَنقصُ الذين ذكَرَهم اللهُ تعالَى بلَفظِ الجَمعِ من الفُقراءِ وغيرِهم عن ثَلاثةٍ إلا العامِلَ فيَجوزُ أنْ يَكونَ واحِدًا، وهل يُكتَفَى في ابنِ السَّبيلِ بواحِدٍ؟ فيه وَجهانِ أصَحُّهما المَنعُ كالفُقراءِ.

قالَ بعضُهم: ولا يَبعُدُ طَردُ الوَجهَينِ في الغُزاةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بغيرِ لَفظِ الجَمعِ.

فلو صرَفَ ما عليه إلى اثنَينِ مع القُدرةِ على الثالِثِ غُرِّمَ للثالِثِ.

وفي قَدرِه قَولانِ:

المَنصوصُ في الزَّكاةِ أنَّه يُغرَّمُ ثُلثَ نَصيبِ ذلك الصِّنفِ، والقياسُ أنَّه يُغرَّمُ قَدرًا لو أَعطاه في الابتِداءِ أجزَأَه؛ لأنَّه الذي فرَّطَ فيه، ولو صرَفَه إلى واحِدٍ فعلى الأولِ يَلزمُه الثُّلثانِ، وعلى الثاني أقَلُّ ما يَجوزُ صَرفُه إليهما.

قُلتُ: هكذا قالَ أَصحابُنا رحِمَهم اللهُ تَعالى: إنَّ الأقيَسَ هو الثاني. ثم الجُمهورُ أطلَقوا القولَينِ هكذا.

قالَ صاحِبُ «العُدة»: قُلنا: يَضمَنُ الثُّلثَ، ففيه وَجهانِ، أحَدُهما: أنَّ المُرادَ إذا كانوا سُوُّوا في الحاجةِ، حتى لو كانَ حاجةُ هذا الثُّلثِ حينَ استحَقَّ التَّفرِقةَ مثلَ حاجةِ الآخَرينَ جَميعًا.

ضُمنَ له نِصفُ السَّهمِ ليَكونَ معه مِثلُها؛ لأنَّه يُستحَبُّ التَّفرِقةُ على قَدرِ حَوائجِهم.

والثاني: لا فَرقَ. واللهُ أعلمُ.

ولو لم يُوجَدْ إلا دونَ الثَّلاثةِ من صِنفٍ يَجبُ إِعطاءُ ثَلاثةٍ منهم، وهذا هو الصَّحيحُ ومُرادُه إذا كانَ الثَّلاثةُ مُتعيَّنينَ أَعطى مَنْ وجَدَ.

وهل يُصرَفُ باقِي السَّهمِ إليه إذا كانَ مُستحِقًّا أو يُنقَلُ إلى بَلدٍ آخَرَ؟ قالَ المُتولِّي: هو كما لو لم يُوجَدْ بعضُ الأَصنافِ في البَلدِ، وسيَأتي بَيانُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

قُلتُ: الأصَحُّ أنْ يُصرَفَ إليه، وممَّن صحَّحَه الشَّيخُ نَصرٌ المَقدسيُّ، ونقَلَه هو وصاحِبُ «العُدةِ» وغيرُهما عن نَصِّ الشافِعيِّ رحمة الله عليه، ودَليلُه ظاهِرٌ واللهُ أعلمُ.

فَرعٌ: التَّسويةُ بينَ الأَصنافِ واجِبةٌ:

وإنْ كانَت حاجةُ بعضِهم أشَدَّ إلا أنَّ العامِلَ لا يُزادُ على أُجرةِ عَملِه كما سبَقَ.

وأمَّا التَّسويةُ بينَ آحادِ الصِّنفِ سَواءٌ استُوعِبوا أو اقتُصرَ على بعضِهم فلا تَجبُ، لكنْ يُستحَبُّ عندَ تَساوِي الحاجاتِ، هذا إذا قسَمَ المالِكُ.

قالَ في التَّتمةِ: فأمَّا إنْ قسَمَ الإمامُ فلا يَجوزُ تَفضيلُ بعضِهم عندَ تَساوِي الحاجاتِ؛ لأنَّ عليه التَّعميمَ فتَلزمُه التَّسويةُ والمالِكُ لا تَعميمَ عليه، فلا تَسويةَ.

قُلتُ: هذا التَّفصيلُ الذي في التَّتمةِ -وإنْ كانَ قَويًّا في الدَّليلِ- هو خِلافُ مُقتَضى إِطلاقِ الجُمهورِ استِحبابَ التَّسويةِ، وحيثُ لا يَجبُ الاستِيعابُ، قالَ أَصحابُنا: يَجوزُ الدَّفعُ إلى المُستحِقينَ من المُقيمينَ بالبَلدِ والغُرباءِ،

ولكنَّ المُستَوطنينَ أفضَلُ؛ لأنَّهم جِيرانُه، واللهُ أعلمُ (١).

واستدَلُّوا على أنَّه يَجبُ استِيعابُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:

أولًا: الكِتابُ:

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].

فهذه الآيةُ الكَريمةُ تدلُّ على وُجوبِ تَعميمِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ الذين ذُكِروا في الآيةِ بالصَّدقاتِ وذلك من وُجوهٍ:

أحدُها: أنَّه جعَلَ ما انطلَقَ اسمُ الصَّدقةِ عليه مُستحَقًّا لمَن اشتَملَت الآيةُ عليه (٢).

الثاني: أنَّ الآيةَ اشتَملَت على لَفظِ ﴿إِنَّمَا﴾ وهي أداةُ حَصرٍ تَقتَضي الحَصرَ في وَقوفِ الصَّدقاتِ على الأَصنافِ الثَّمانيةِ المَذكورينَ في الآيةِ.

الثالِثُ: أنَّ اللَّامَ في قَولِه تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ لَامُ التَّمليكِ، ثم عطَفَ من يَملِكُ إلى مَنْ يَملِكُ بواوِ العَطفِ، كقَولِك: «المالُ لِزَيدٍ وعَمرٍو وبَكرٍ»، فلا بدَّ من التَّسويةِ بينَ المَذكورينَ (٣).

(١) «روضة الطالبين» (٢/ ٣٢١، ٣٢٩).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٨٧).
(٣) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٢١)، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١٦٧)، و «الفروق» للقرافي (٣/ ١٥)، و «المقنع في شرح المقنع» (٢/ ٢٢٤).

ثانيًا: السُّنةُ:

عن زيادِ بنِ الحَرثِ الصُّدائيِّ صاحِبِ رَسولِ اللهِ قالَ: أتَيتُ رَسولَ الله فبايَعْتُه، فذكَرَ حَديثًا طَويلًا، قالَ: فأَتاه رَجلٌ، فقالَ: أَعطِني مِنْ الصَّدقةِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ : «إنَّ اللَّهَ تعالَى لَم يَرضَ بحُكمِ نَبيٍّ ولا غيرِه فِي الصَّدقاتِ، حتى حَكمَ فيها هو، فجزَّأَها ثَمانيَةَ أَجزاءٍ، فإنْ كُنْتَ مِنْ تلك الأَجزاءِ أَعطَيتُك حقَّك» (١).

دَلَّ هذا الحَديثُ على وُجوبِ استيعابِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالصَّدقاتِ وذلك لِما اشتَملَ عليه مِنْ لَفظِ «فجزَّأَها ثَمانِيةَ أَجزاءٍ»، فجعَلَ الصَّدقاتِ ثَمانيةَ أَجزاءٍ لكلِّ صِنفٍ جُزءًا، ثم أكَّدَ ذلك بقَولِه : «فإنْ كُنْتَ مِنْ تلك الأَجزاءِ أَعطَيتُك حقَّك»، فأثبَتَ أنَّ لكلِّ جُزءٍ -أي: صِنفٍ- حقًّا في الصَّدقاتِ يَجبُ وُصولُه إليه.

قالَ الإمامُ الخَطابيُّ رحمة الله عليه: قُلتُ في قَولِه: «فإنْ كُنْتَ مِنْ تلك الأَجزاءِ أَعطَيتُك حقَّك»، دَليلٌ على أنَّه لا يَجوزُ جَمعُ الصَّدقةِ كلِّها في صِنفٍ واحِدٍ وأنَّ الواجِبَ تَفرِقتُها على أهلِ الأسهُمِ بحِصصِهم، ولو كانَ مَعنى الآيةِ بَيانَ المَحلِّ دونَ بَيانِ الحصَصِ لم يَكنْ للتَّجزِئةِ مَعنًى، ويَدلُّ على صحَّةِ ذلك قَولُه «أَعطَيتُك حقَّك»، فبيَّنَ أنَّ لكلِّ أهلِ جُزءٍ على حِدةٍ حقًّا (٢).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (١٦٣٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧٥٢٢).
(٢) «معالم السنن شرح سنن أبي داود» (٢/ ٥٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل فيمن تصرف الزكاة له]

وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لُقَطَةٌ.

وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ: كَعَنْبَرٍ، فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ. .

(فَصْلٌ) وَمَصْرِفُهَا: فَقِيرٌ، وَمِسْكِينٌ: وَهُوَ أَحْوَجُ، وَصُدِّقَا، إلَّا لِرِيبَةٍ؛ إنْ أَسْلَمَ.

ــ

منح الجليل

الدَّارِ عَادَ حُكْمُهُ كَالْمَعْدِنِ قَالَهُ س. وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْمَعْدِنَ مَظِنَّةُ التَّنَازُعِ لِدَوَامِهِ بِخِلَافِ الرِّكَازِ.

(وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) عُلِمَ بِعَلَامَةٍ (لُقَطَةٌ) فَيُعَرَّفُ سَنَةً مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ انْقِرَاضُ مُسْتَحِقِّهِ فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِلَا تَعْرِيفٍ وَلَا مَفْهُومَ لِدِفْنٍ وَخَصَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ رِكَازٌ.

(وَمَا لَفَظَهُ) بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: رَمَاهُ وَطَرَحَهُ (الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ) مِمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ آدَمِيٌّ (فَ) هُوَ (لِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ) فَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِآدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَالنَّظَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ رَبُّهُ تَرَكَهُ لِعَطَبِهِ فَلُقَطَةٌ وَإِنْ كَانَ أَلْقَاهُ لِلنَّجَاةِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.

فَصْلٌ فِيمَنْ تَصْرِف الزَّكَاة لَهُ

(فَصْلٌ) فِيمَنْ تُصْرَفُ الزَّكَاةُ لَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب مكيلة زكاة الفطر

باب مكيلة زكاة الفطر

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شعيرٍ (قال الشافعي) وبين في سنته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنَ الْبَقْلِ مِمَا يَقْتَاتُ الرجل وما فيه الزكاة " .

قال الماوردي: صَحِيحٌ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نص في زكاة الفطر على أشياه، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (هَذَا التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ) وَفِي حَدِيثِ غَيْرِهِ (الْحِنْطَةُ وَالزَّبِيبُ) فَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ كَوْنُهُ قُوتًا مُدَّخَرًا لِأَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ قُوتٌ مُدَّخَرٌ، وَذَهَبَ أبو حنيفة إِلَى أن الْمُعْتَبَرَ فِيهِ كَوْنُهُ مَأْكُولًا مَكِيلًا حَتَّى رَوَى عَنْهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ صَاعًا مِنْ إِهْلِيلَجٍ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ مَأْكُولٌ مَكِيلٌ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ " وَإِغْنَاؤُهُمْ بِالْقُوتِ أَعَمُّ، وَنَفْعُهُمْ بِهِ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ قد يكون في المأكول ما لا يُغْنِي عَنِ الْقُوتِ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الثالثة في معرفة نصاب الزكاة

مِثْلُ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّيْتُونِ، فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ بِمِصْرَ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ قُوتٌ أَمْ لَيْسَ بِقُوتٍ؟

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي التِّينِ أَوْ لَا إِيجَابِهَا.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الثِّمَارِ دُونَ الْخُضَرِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} الأنعام: ١٤١ الْآيَةَ، وَمَنْ فَرَّقَ فِي الْآيَةِ بَيْنَ الثِّمَارِ وَالزَّيْتُونِ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ إِلَّا وَجْهٌ ضَعِيفٌ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ بِهَا التِّجَارَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي إيجاب الزَّكَاة فِيمَا اتُّخِذَ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ، فَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ.

وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالْقِيَاسِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ» . وَفِيمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «أَدِّ زَكَاةَ الْبُرِّ» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 365 - 377

ارجع إلى مصارف زكاة الفطر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله