الإسلام > الزكاة > مصارف زكاة الفطر
مسائلُ فقهيةٌ في مصارف زكاة الفطر على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةأنَّك تَزعمُ لا تَعودُ، ثُم تَعودُ، قالَ: دَعنِي أُعلِّمكَ كلِمَاتٍ يَنفَعُك اللَّهُ بها، قلتُ: ما هو؟ قالَ: إذَا أَويْتَ إلى فِراشِك، فَاقرَأْ آيةَ الكُرسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حتى تَختِمَ الآيةَ، فإنَّك لَنْ يَزالَ عليك مِنْ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقربنَّكَ شَيطانٌ حتى تُصبِحَ، فخلَّيْتُ سَبيلَه، فأَصبَحْتُ فَقالَ لِي رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا فعَلَ أَسيرُكَ البارِحَةَ»، قلتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، زعَمَ أنَّه يُعلِّمُني كلِماتٍ يَنفعُني اللَّهُ بها، فخَلَّيتُ سَبيلَه، قالَ: «ما هي؟»، قلتُ: قالَ لي: إذَا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فَاقرَأْ آيةَ الكُرسِيِّ مِنْ أوَّلِها حتى تَختِمَ الآيةَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقالَ لِي: لَنْ يَزالَ عليك مِنْ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقرَبُك شَيطانٌ حتى تُصبِحَ -وكانُوا أَحرَصَ شَيءٍ على الخَيرِ-، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَما إنَّه قد صدَقَك وهو كذُوبٌ، تَعلَمُ من تُخاطِبُ منذُ ثَلاثِ لَيالٍ يا أَبا هُريرةَ»، قالَ: لا، قالَ: «ذاكَ شَيطانٌ» (١).
أفادَ هذا الحَديثُ أنَّ زَكاةَ رَمضانَ كانَت تُجمَعُ عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ وقد وكَّلَ أَبا هُريرةَ بحِفظِها، وهذا يَدلُّ على أنَّ دَفعَها إلى الإمامِ أَوْلى كما كانَ ذلك في عَهدِه ﷺ.
مَصارفُ زَكاةِ الفِطرِ:
اختَلفَ العُلماءُ في مَصارفِ زَكاةِ الفِطرِ هل تُصرَفُ للأَصنافِ الثَّمانيةِ الذين يُصرَفُ لهم زَكاةُ المالِ أو هي خاصَّةٌ بالفُقراءِ والمَساكينِ فقط؟ على قولَينِ:
(١) رواه البخاري (٢١٨٧).
القَولُ الأولُ: أنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ هُمْ الفُقراءُ والمَساكينُ دونَ غَيرِهم، فلا تُصرَفُ لِعامِلٍ عليها، ولا لمُؤلَّفٍ قَلبُه، ولا في الرِّقابِ، ولا للغارِمِ ولا المُجاهِدِ ولا ابنِ السَّبيلِ يَتوصَّلُ بها إلى بَلدِه، بل لا تُعطَى إلا بوَصفِ الفَقرِ، ومن أُعطِيَ من هؤلاء فإنَّما يُعطَى بوَصفِ الفَقرِ وهو مَذهبُ المالِكيةِ وجَماعةٍ من الحَنابِلةِ منهم شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيمِ (١).
قالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: (وإنَّما تُدفَعُ لحُرٍّ مُسلِمٍ فَقيرٍ) غيرِ هاشِميٍّ، فتُدفَعُ لِمالِكِ نِصابٍ لا يَكفيه عامَه، فأَوْلى من لا يَملِكُه لا لِعامِلٍ عليها ومُؤلَّفٍ قَلبُه ولا في الرِّقابِ ولا لِغارمٍ ومُجاهِدٍ وغَريبٍ يَتوصَّلُ بها لبَلدِه، بل بوَصفِ الفَقرِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ دَفعُها إلا لمَن يَستحِقُّ الكَفارةَ وهو مَنْ يَأخذُ لحاجَتِه، ولا تُصرَفُ في المُؤلَّفةِ والرِّقابِ وغيرِ ذلك، قالَ: وهذا القَولُ أَقوى في الدَّليلِ (٣).
وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وكانَ مِنْ هَديِه ﷺ تَخصيصُ المَساكينِ بهذه الصَّدَقةِ ولم يَكنْ يَقسِمُها على الأَصنافِ الثَّمانيةِ قَبضةً
(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (١/ ٥٠٨)، و «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٢/ ١٩٠)، و «زاد المعاد» (١/ ٣١٥)، و «شرح ومجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٣)، و «الإنصاف» (٣/ ١٨٦)، و «الفروع» (٢/ ٤١٢)، و «المبدع» (٢/ ٣٩٨)، و «شرح مختصر خليل» للخرشي (٢/ ٢٢٣).
(٢) «الشرح الكبير» (١/ ٥٠٨).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٣)، و «الفروع» (٢/ ٤١٢)، و «المبدع» (٢/ ٣٩٨)، و «الإنصاف» (٣/ ١٨٦).
قَبضةً، ولا أمرَ بذلك ولا فعَلَه أحَدٌ من الصَّحابةِ، ولا مَنْ بعدَهم، بل أحَدُ القولَينِ عندَنا أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُها إلا على المَساكينِ خاصَّةً (١).
واستدَلُّوا على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ إنَّما تُصرَفُ للفُقراءِ والمَساكينِ دونَ غيرِهم بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: السُّنةُ:
أ - عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرةً للصَّائمِ مِنْ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمَةً للمَساكينِ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهي زَكاةٌ مَقبولَةٌ، ومَن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقَةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (٢).
فهذا الحَديثُ يَدلُّ على أنَّ صَدقةَ الفِطرِ إنَّما تُصرَفُ للمَساكينِ خاصَّةً دونَ غيرِهم لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ: «وطُعمَةً للمَساكِينِ» فخَصَّ المَساكينَ بها دونَ غَيرِهم.
قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه: وفيه دَليلٌ على أنَّ الفِطرةَ تُصرَفُ في المَساكينِ دونَ غيرِهم من مَصارفِ الزَّكاةِ (٣).
ب - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابنِ عُمرَ قالَ: فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ وقالَ: «أَغْنوهُم فِي هذا اليَومِ» (٤).
(١) «زاد المعاد» (١/ ٣١٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٣) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٥٥)، وانظر: «عون المعبود شرح سنن أبي داود» (٥/ ٣).
(٤) حَدِيثٌ ضعيفٌ: تَقدَّم.
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو ما اشتَملَ عليه من أمرِه ﷺ بإِغناءِ الفُقراءِ في هذا اليَومِ من قَولِه: «أَغْنوهُم فِي هذا اليَومِ»، أي: الفُقراءَ والمَساكينَ، فدَلَّ ذلك على أنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ إنَّما هو للفُقراءِ والمَساكينِ خاصَّةً.
ثانيًا: المَعقولُ:
وهو: أنَّ مِقدارَ الواجِبِ على المُكلَّفِ في زَكاةِ الفِطرِ صاعٌ من طَعامٍ، فإذا قُلنا: إنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ هو مَصرِفُ زَكاةِ المالِ، وُزِّعَ الصاعُ على ثَمانيةِ أَصنافٍ، أو حتى على بعضِهم، وأخَذَ كلُّ واحِدٍ منهم حَفنةً من الصاعِ فإنَّه لا يَحصلُ الإِغناءُ المُرادُ من مَشروعيَّةِ الزَّكاةِ للفُقراءِ والمَساكينِ في يومِ الفِطرِ، فتَبيَّنَ من هذا أنَّ زَكاةَ الفِطرِ خاصَّةٌ بالفُقراءِ والمَساكينِ دونَ غيرِهم (١).
القَولُ الثاني: أنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ هو مَصرِفُ زَكاةِ المالِ، أي: صَرفُها في الأَصنافِ الثَّمانيةِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في قَولٍ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والظاهِريَّةِ (٢).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٤).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٧٩)، و «الاختيار» (١/ ١٢٥)، و «الجوهرة النيرة» (١/ ٤٨٧)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٨٧)، و «المجموع» (٦/ ١١٨)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٣٢٩)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٣٧٦)، و «المغني» (٤/ ٦٢)، و «الفروع» (٢/ ٤١٢)، و «المبدع» (٢/ ٣٩٨)، و «الإنصاف» (٣/ ١٨٦)، و «الإفصاح» (١/ ٣٥٩)، و «طرح التثريب» (٤/ ٦٢).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وتُقسَّمُ زَكاةُ الفِطرِ على مَنْ تُقسَّمُ عليه زَكاةُ المالِ لا يُجزِئُ فيها غيرُ ذلك (١).
وقالَ الخِرقيُّ رحمة الله عليه: ويُعطِي صَدقةَ الفِطرِ لمَن يَجوزُ أنْ يُعطَى صَدقةَ الأَموالِ (٢).
واستدَلُّوا على أنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ هو نَفسُه مَصرِفُ زَكاةِ المالِ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: الكِتابُ:
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
اشتَملَت الآيةُ الكَريمةُ على ذِكرِ مَنْ تُصرَفُ لهم الصَّدقاتُ، ولَفظُ الصَّدقاتِ عامٌّ، فيَشمَلُ جَميعَ الصَّدقاتِ، ومنها صَدقةُ الفِطرِ؛ لأنَّها واجِبةٌ فتُدفَعُ إلى مَنْ تُدفَعُ لهم سائِرُ الصَّدقاتِ الواجِبةِ وهُم الأَصنافُ الثَّمانيةُ المَذكورونَ في الآيةِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه بعدَ ذِكرِ الآيةِ: فجعَلَ ما انطَلقَ اسمُ الصَّدقةِ عليه مُستحِقًّا لمَن اشتَملَت الآيةُ عليه، ولأنَّها صَدقةٌ واجِبةٌ وجَبَ ألَّا يَختَصَّ بها صِنفٌ مع وُجودِ غيرِه كزَكواتِ المالِ (٣).
(١) «الأم» (٢/ ٦٩).
(٢) «مختصر الخرقي» ص (٤٩).
(٣) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٨٧).
ارجع إلى الزكاة للاطلاع على جميع الأبواب.