من لا يجوز صرف الزكاة لهم

الإسلام > الزكاة > من لا يجوز صرف الزكاة لهم

مسائلُ فقهيةٌ في من لا يجوز صرف الزكاة لهم على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

تعريف من لا يجوز صرف الزكاة لهم وحكمها

فصل في مَنْ لا يَجوزُ صَرفُ الزَّكاةِ لهم

الأقارِبُ الذين تَلزَمُه نَفقَتُهم:

اتَّفقَت كَلمةُ العُلماءِ على أنَّه لا يَجوزُ للمُزكِّي أنْ يَدفعَ زَكاتَه إلى مَنْ تَلزمُه نَفقتُهم (١).

قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّكاةَ لا يَجوزُ دَفعُها إلى الوالِدَينِ في الحالِ التي يُجبَرُ الدافِعُ إليهم على النَّفقةِ عليهم (٢).

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَينِ والمَولودينَ عَلَوا أو سَفَلوا إلا مالِكًا، فإنَّه قالَ في

(١) «تحفة الفقهاء» (١/ ٣٠٣)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٩)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٠٣)، و «فتح القدير» (٢/ ٢٦٩)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٤٠٧)، و «المنتقى» للباجي (٢/ ١٥٥، ١٥٦)، و «الذخيرة» (٣/ ١٤١)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٨٨)، و «المجموع» (٦/ ٢١٩)، و «عمدة القاري» (٨/ ٢٨٨)، و «المدونة الكبرى» (١/ ٢٥٦)، و «المغني» (٣/ ٤٢٣)، و «الفروع» (٢/ ٤٧٥)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٥٤)، و «الإفصاح» (١/ ٣٧٨)، و «جواهر العقود» (١/ ٣٩٦).
(٢) «الإجماع» ص (٤٦) رقم (١١٩)، و «المغني» (٣/ ٤٢٣).

الجَدِّ والجَدَّة فمَن وراءَهما: يَجوزُ دَفعُها إليهم، وكذلك إلى بَني البَنينِ لسُقوطِ نَفقتِهم عندَه (١).

وقالَ المَرداويُّ رحمة الله عليه: إنْ كانَ الوالِدانِ وإنْ عَلَوا، والوَلَدُ وإنْ سفَلَ في حالِ وُجوبِ نَفقتِهم عليه لم يَجزْ دَفعُها إليهم إِجماعًا (٢).

والمَقصودُ بالوالِدَينِ يَعني الأبَ والأُمَّ وإنْ عَلَوا يَعني آباءَهما وأُمَّهاتِهما وإنِ ارتَفعَت دَرجَتُهم من الدافِعِ كأبَويِ الأبِ وأبي الأُمِّ وأبَويْ كلِّ واحِدٍ منهم وإنْ علَت دَرجتُهم، مَنْ يَرثُ منهم ومَن لا يَرِث.

والمَقصودُ بالوَلدِ وإنْ سفَلَ: وإنْ نزَلَت دَرجتُه من أولادِه البَنينَ والبَناتِ، الوارِثُ وغَيرُ الوارِثِ (٣).

وقد علَّلَ الفُقهاءُ هذا: بأنَّ مَنافعَ الأَملاكِ مُتَّصِلةٌ ومُشتَركةٌ بينَ المُؤدِّي والمُؤدَّى إليه في العادةِ (٤).

فلا يَجوزُ دَفعُ زَكاتِه إليهم؛ لأنَّهم أغنياءُ بما يَستحِقُّونَه من النَّفقةِ عليهم (٥)؛ ولأنَّه يَجبُ عليه أنْ يُخرِجَ الزَّكاةَ عنهم (٦).

(١) «الإفصاح» (١/ ٣٧٨).
(٢) «الإنصاف» (٣/ ٢٥٤).
(٣) «المغني» (٣/ ٤٢٣).
(٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٩)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٣٠١).
(٥) «المنتقى» للباجي (٢/ ١٥٥، ١٥٦).
(٦) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٨٨).

ولأنَّ دَفعَ زَكاتِه إليهم تُغنيهم عن نَفقَتِه وتُسقِطُها عنه ويَعودُ نَفعُها إليه، فكأنَّه دفَعَها إلى نَفسِه فلم تَجزْ كما لو قَضى بها دَينَه (١).

لكنْ قد قيَّدَ العُلماءُ كابنِ المُنذِرِ وغيرِه نَقلَ الإِجماعِ على عَدمِ جَوازِ الدَّفعِ إلى الوالِدَينِ بالحالِ التي يُجبَرُ فيها الدافِعُ إليهم على النَّفقةِ عليهم، فإذا لم تَتحقَّقْ هذه الحالُ بأنْ كانَ الوَلدُ مُعسِرًا وملَكَ نِصابًا تَجبُ فيه الزَّكاةُ فقد قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: إذا كانَ الوَلدُ أو الوالِدُ فَقيرًا أو مِسكينًا، وقُلنا في بعضِ الأَحوالِ: «لا تَجبُ نَفقتُه» يَجوزُ لوالِدِه ووَلدِه دَفعُ الزَّكاةِ إليه من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه حينَئذٍ كالإِجماعِ (٢).

وقالَ الإمامُ المَرداويُّ رحمة الله عليه: إنْ كانَ الوالِدانِ وإنْ عَلَوا والوَلدُ وإنْ سفَلَ في حالِ وُجوبِ نَفقتِهم عليه لم يَجزْ إليهم إِجماعًا، وإنْ كانوا في حالٍ لا تَجبُ نَفقتُهم عليه كوَلدِ البِنتِ وغيرِه ممَّن ذُكرَ كما إذا لم يَتَّسعْ للنَّفقةِ مالُه لم يَجزْ أيضًا دَفعُها إليهم على الصَّحيحِ من المَذهبِ، ونَصَّ عليه، وعليه أكثَرُ الأَصحابِ.

وقيلَ: يَجوزُ والحالةُ هذه، اختارَه القاضِي في «المُجرَّد» والشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ (أي: ابنُ تَيميَّةَ) وصاحِبُ «الفائقِ» وذكَرَه المَجدُ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أبي الخَطابِ، وأطلَقَ في «الواضِح» في جَدٍّ وابنِ ابنٍ مَحجوبَينِ وَجهَينِ (٣).

(١) «المغني» (٣/ ٤٢٣).
(٢) «المجموع» (٦/ ٢١٩).
(٣) «الإنصاف» (٣/ ٢٥٤).

قُلتُ: فقد ذكَرَ المَرداويُّ رحمة الله عليه قَولًا عندَ بعضِ الحَنابِلةِ بجَوازِ ذلك في الحالةِ التي لا يَجوزُ فيها الدَّفعُ إليهم على النَّفقةِ.

وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه عن دَفعِها إلى والِدَيه ووَلدِه الذين لا تَلزمُه نَفقتُهم: هل يَجوزُ أو لا؟

فأجابَ: الذين يَأخذونَ الزَّكاةَ صِنفانِ: صِنفٌ يَأخذُ لِحاجَتِه كالفَقيرِ والغارِمِ لمَصلَحةِ نَفسِه.

وصِنفٌ يَأخذُها لِحاجةِ المُسلِمينَ، كالمُجاهِدِ والغارِمِ في إِصلاحِ ذاتِ البَينِ، فهؤلاء يَجوزُ دَفعُها إليهم وإنْ كانوا من أَقاربِه، وأمَّا دَفعُها إلى الوالِدَينِ إذا كانا غارِمَينِ أو مُكاتَبينِ ففيها وَجهانِ، والأظهَرُ جَوازُ ذلك، وأمَّا إنْ كانا فَقيرَينِ وهو عاجِزٌ عن نَفقَتِهما فالأَقوى جَواز دَفعِها إليهما في هذه الحالِ؛ لأنَّ المُقتَضى مَوجودٌ والمانِعَ مَفقودٌ، فوجَبَ العَملُ بالمُقتَضي السالِمِ من المُعارِضِ المُقاوِمِ (١).

وقالَ رحمة الله عليه في «الاختيارات»: ويَجوزُ صَرفُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَينِ وإنْ عَلَوا، وإلى الوَلدِ وإنْ سفَلَ إذا كانوا فُقَراءَ وهو عاجِزٌ عن نَفقتِهم؛ لوُجودِ المُقتَضي السالِمِ عن المُعارِضِ المُقاوِمِ، وهو أحَدُ القولَينِ في مَذهبِ أحمدَ.

وكذا إنْ كانوا غارِمينَ أو مُكاتَبينَ، أو أبناءَ سَبيلٍ.

وهو أحَدُ القولَينِ أيضًا.

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٩١، ٩٠).

وإنْ كانَت الأُمُّ فَقيرةً ولها أولادٌ صِغارٌ لهم مالٌ ونَفقتُها تَضرُّ بهم، أُعطِيَت من زَكاتِهم.

ومَن كانَ في عيالِه مَنْ لا تَجبُ عليه نَفقتُهم، فله أنْ يُعطيَهم من الزَّكاةِ ما يَحتاجونَ إليه مما لم تَجْرِ عادَتُه بإنفاقِه من مالِه (١).

وقالَ ابنُ التِّينِ رحمة الله عليه: يَجوزُ دَفعُ الصَّدقةِ الواجِبةِ إلى الوَلدِ بشَرطَينِ:

أحَدُهما: أنْ يَتولَّى غيرُه صَرفَها إليه.

والآخَرُ: ألَّا يَكونَ في عيالِه، فإنْ كانَ في عيالِه وقصَدَ إِعطاءَه فرَوى مُطرِّفٌ عن مالِكٍ: لا يَنبَغي له أنْ يَفعلَ ذلك، فإنْ فعَلَه فقد أساءَ ولا يَضمَنُ إنْ لم يَقطَعْ عن نَفسِه إِنفاقَه عليهم. قالَ ابنُ حَبيبٍ: فإنْ قطَعَ الإنفاقَ عن نَفسِه بذلك لم يُجزِئْه (٢).

فتَبيَّنَ مما سبَقَ أنَّ العُلماءَ إنَّما قيَّدوا عَدمَ جَوازِ الدَّفعِ إلى الوالِدَينِ وغيرِهما بالحالِ التي يُجبَرُ فيها الدافِعُ إليهما على النَّفقةِ عليهما، أمَّا إذا لم تَتحقَّقْ هذه الحالُ فيَجوزُ عندَ الشافِعيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَها بعضُ أَصحابِه ونَصرَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ؛ لأنَّ المُقتَضيَ مَوجودٌ والمانِعَ مَفقودٌ في هذه الحالِ، فوجَبَ العَملُ بالمُقتَضي السالِمِ من المُعارِضِ المُقاوِمِ.

(١) «الاختيارات الفقهية» ص (١٥٤، ١٥٥) للبعلي.
(٢) «عمدة القاري» (٨/ ٢٨٨).

مسائل من لا يجوز صرف الزكاة لهم الفقهية

ارجع إلى الزكاة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 26 ربيع الأول
هلال متناقص اليوم 27.6 / 29.5
الإضاءة 4%
الهلال الجديد بعد 2 يوم
الله أكبر