أحكام الجعالة وما تنفسخ به

الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الجعالة وما تنفسخ به

مسائلُ فقهيةٌ في أحكام الجعالة وما تنفسخ به على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

تعريف أحكام الجعالة وما تنفسخ به وحكمها

فصل في أحكامِ الجَعالةِ وما تَنفسِخُ بهِ

حُكمُ عَقدِ الجَعالةِ:

ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما -أي: مِنْ الجاعِلِ والمَجعولِ له المُعيَّنِ- فَسخُها متى شاءَ، كَسائِرِ العُقودِ الجائِزةِ، قالَ في «الشَّرحُ الكَبيرُ»: لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا (١).

وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ: تَلزَمهُما بالعَقدِ، كالإجارةِ، وقيلَ: تَلزَمُ الجاعِلَ بالعَقدِ، دونَ المَجعولِ له.

أمَّا بعدَ الشُّروعِ في العَملِ، وقبلَ إتمامِه، فلا يَخْلُو الفَسخُ إمَّا أنْ يَكونَ مِنْ جِهةِ العامِلِ، وإمَّا أنْ يَكونَ مِنْ جِهةِ الجاعِلِ:

واتَّفَقوا جَميعًا إنْ كانَ مِنْ قِبَلِ العامِلِ على أنَّه يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَفسَخَها بعدَ شُروعِه في العَملِ، وقبلَ إتمامِه لِلعَملِ؛ لأنَّه يَكثُرُ الغَرَرُ في العَملِ، ويَتفاوَتُ، فلَو لَزِمَه رَدُّ الآبِقِ على كلِّ حالٍ، ورَدُّ البَعيرِ الشَّارِدِ لَتَعَذَّرَ عليه

(١) «كشاف القناع» (٤/ ٢٥١).

العَملُ، وعَظُمَتْ فيه المَشقَّةُ، ممَّا لَم يَظهَرْ له قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، فكانَ له أنْ يَترُكَ متى شاءَ.

لكنْ إنْ فسَخها العامِلُ بعدَ شُروعِه في العَملِ قبلَ تَمامِ العَملِ لَم يَستحقَّ لِمَا عمِله شَيئًا؛ لأنَّه فَوَّتَ على نَفْسِه، حيثُ لَم يَأتِ بما شُرِطَ عليه، ويَصيرُ كَعامِلِ المُضارَبةِ إذا فسَخ قبلَ ظُهورِ الرِّبحِ.

وأمَّا إنْ كانَ الفَسخُ مِنْ جِهةِ الجاعِلِ فلا يَخلو مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ:

الحالةُ الأُولَى: أنْ يَفسَخَها الجاعِلُ قبلَ شُروعِ العامِلِ؛ فلا يَلزَمَه شَيءٌ، عندَ الجُمهورِ، كما تَقدَّم؛ لأنَّ العامِلَ لَم يَعمَلْ شَيئًا.

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَفسَخَها الجاعِلُ بعدَ تَمامِ العَملِ، فلا يَسقُطَ عنه ما بذَله مِنْ الجُعلِ؛ لأنَّه قَدِ استَقَرَّ بالعَملِ باتِّفاقٍ.

الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَفسَخَها الجاعِلُ بعدَ شُروعِ العامِلِ في العَملِ وقبلَ تَمامِ العَملِ، فاختَلفَ الفُقهاءُ فيه:

فَذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الجَعالةَ جائِزةٌ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ، كما هي جائِزةٌ قبلَ الشُّروعِ، فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَسخُها.

لكنْ إنْ فسَخها الجاعِلُ بعدَ شُروعِ العامِلِ فيه، وقبلَ تَمامِه، فعليه لِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه عندَ الحَنابِلةِ والشَّافِعيَّةِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه عمِل بعِوَضٍ، ولَم يُسلَّمْ له، فكانَ له أُجرةُ عَملِه، ولأنَّ جَوازَ العَقدِ يَقتَضي التَّسليطَ على رَفعِه، وإذا ارتَفَعَ لَم يَجِبِ المُسمَّى، كَسائِرِ الفُسوخِ، لكنَّ

عَملَ العامِلِ وقَع مُحتَرَمًا، فلا يَفُوتُ عليه، فرُجِعَ إلى بَدَلِه، وهو أُجرةُ المِثلِ، كالإجارةِ إذا فُسِخَتْ بعَيبٍ.

وَما عمِله العامِلُ بعدَ الفَسخِ لا أُجرةَ له عليه؛ لأنَّه غيرُ مَأذونٍ فيه.

وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشَّافِعيَّةِ لا شَيءَ عليه لِلعامِلِ، كما لو فسَخ العامِلُ بنَفْسِه.

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وعلى الأوَل لا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ ما صَدَرَ مِنْ العامِلِ لا يَحصُلُ به مَقصودٌ أصلًا، كَرَدِّ العَبدِ إلى بعضِ الطَّريقِ، أو يَحصُلُ به بعضُه، كما لو قالَ: إنْ عَلَّمتَ ابنِي القُرآنَ فلكَ كذا، فعَلَّمَه بعضَه، ثم مَنعَه مِنْ تَعليمِه (١).

وقالَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ: الجَعالةُ عَقدٌ لَازِمٌ مِنْ قِبَلِ الجاعِلِ المُلتزِمِ لِلجُعلِ، إذا شَرَعَ العامِلُ في العَملِ، ويَسقُطُ خِيارُه في الحَلِّ عن نَفْسِه والبَقاءِ، وظاهِرُه لو كانَ ما حصَل به الشُّروعُ لا بالَ له، والمُرادُ بالجاعِلِ هُنا مُلتزِمُ الجُعلِ، لا مَنْ تَعاطَى عقَد الجُعلِ، كالوَكيلِ الذي لَم يَلتزِمْ جُعلًا (٢).

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٩٣)، و «البيان» (٧/ ٤١٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٧، ٥٤٨)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي» (٥/ ٥٤٦)، و «الديباج» (٢/ ٥٨٥، ٥٨٦)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٩٨)، و «حاشية قليوبي» وعميرة على كنز الراغبين (٣/ ٣٢٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٥١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢١١، ٢١٢)، و «الروض المربع» (٢/ ١٥٢، ١٥٣).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٧)، و «المنتقى» (٥/ ١١١)، و «الذخيرة» (٦/ ١٨)، و «المقدمات الممهدات» (٢/ ١٧٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢٢)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٠٧، ١٠٩).

مسائل أحكام الجعالة وما تنفسخ به الفقهية

ارجع إلى الشركات والإجارات للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد