ما تنفسخ به الجعالة

الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الجعالة وما تنفسخ به > ما تنفسخ به الجعالة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

ما تنفسخ به الجعالة - الأقوال والأدلة

ما تَنفسِخُ به الجَعالةُ:

تَنفسِخُ الجَعالةُ بعِدَّةِ أُمورٍ، هي:

١ - الفَسخُ: كما تَقدَّم.

٢ - المَوتُ: قالَ الشَّافِعيَّةُ: تَنفسِخُ الجَعالةُ بمَوتِ أحَدِ المُتَعاقِدَيْنِ؛ فإنْ ماتَ المالِكُ بعدَ شُروعِ العامِلِ في العَملِ فأتَمَّه وسلَّمَه إلى وَرثةِ الجاعِلِ، وجَب له قِسطُه، أي: قِسَطُ ما عمِله في حَياةِ الجاعِلِ مِنْ المُسمَّى، ولا شَيءَ لِلعامِلِ لِمَا عمِله بعدَ مَوتِ المالِكِ، لِعدمِ التِزامِ الوَرثةِ له بشَيءٍ، وسَواءٌ أعلِم العامِلُ بمَوتِ الجاعِلِ أم لَم يَعلَمْ به.

وإنْ ماتَ العامِلُ في أثناءِ العَملِ فأتَمَّ العَملَ وارِثُه ورَدَّه لِلمالِكِ، استَحقَّ الوارِثُ نِسبةَ ما عمِله مُورِّثُه قبلَ مَوتِه مِنْ الجُعلِ المَشروطِ في العَقدِ، وهذا إذا كانَ العامِلُ مُعيَّنًا، أي: استَحقَّ القِسطَ، وإلَّا بأنْ كانَ العامِلُ غيرَ مُعيَّنٍ، فأتَمَّ وارِثُه أو غيرُه العَملَ؛ فإنَّه يَستحقُّ جَميعَ الجُعلِ المَشروطِ (١).

وأمَّا المالِكيَّةُ فقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: إذا ماتَ الجاعِلُ قبلَ أنْ يَشرَعَ المَجعولُ له في العَملِ، فعلى قَولِ ابنِ حَبيبٍ، وظاهِرِ رِوايةِ عيسَى عن ابنِ

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٩٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٨)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٤٣)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٣/ ٣٢٨).

القاسِمِ، أو بعدَ شُروعِه في العَملِ على رِوايةِ عَلِيِّ بنِ زِيادٍ وأشهَبَ عن مالِكٍ رحمة الله عليه، يَلزَمُ ذلك وَرثَتَه، ولا يَكونُ لهم أنْ يَمنَعوا المَجعولَ له مِنْ العَملِ؛ فإنْ ماتَ المَجعولُ له بعدَ أنْ شَرَعَ في العَملِ، أو قبلَ أنْ يَشرَعَ فيه، على أحَدِ القولَيْنِ، نَزَلَ وَرثَتُه مَنزِلتَه؛ ولَم يَكُنْ لِلجاعِلِ أنْ يَمنَعَهم مِنْ العَملِ.

وَقَدْ رَوى أصبَغُ عن ابنِ القاسِمِ خِلافَ هذا في المُجاعَلةِ في اقتِضاءِ الدُّيونِ، فجعَل مَوتَ المَجعولِ له كَمَوتِ المُقارِضِ، إنْ كانَ قَدْ شَرَعَ في العَملِ نَزَلَ وَرثَتُه مَنزِلتَه، إنْ كانوا أُمَناءَ، وإنْ كانَ لَم يَشرَعْ في العَملِ ولا اقتَضَى مِنه شَيئًا، فلا حَقَّ لِوَرثَتِه، وقالَ: إنَّ الجُعلَ يَنتقِضُ بمَوتِ الجاعِلِ، ماتَ قبلَ شُروعِ المَجعولِ له في العَملِ أو بعدَه، فلَمْ يَحمِلْه في هذا الطَّرَفِ مَحمَلَ القِراضِ، ولا مَحمَلَ الجُعلِ في حَقِّ الجاعِلِ له؛ لِلُزومِ المُجاعِلِ له بالعَقدِ، أو شُروعِ المَجعولِ له في العَملِ، على ما قَدَّمناه مِنْ الِاختِلافِ في ذلك؛ وأمَّا اشتِراطُه في مَوتِ المَجعولِ له لِلأمانةِ في الوَرثةِ، فصَحيحٌ، لا يَنبَغي أنْ يَختلِفَ في ذلك؛ لأنَّ هذا ممَّا يَنبَغي فيه الأمانةُ (١).

وقالَ رحمة الله عليه في «البَيانِ والتَّحصيلِ»: قالَ أصبَغُ: وسَألتُ ابنَ القاسِمِ عن رَجُلٍ قالَ لِرَجُلٍ: اقتَضِ ما لي على فُلانٍ وهو كذا وكذا، فما اقتَضَيتَ مِنْ شَيءٍ فلكَ ثُلُثُه أو نِصفُه، فماتَ المَجعولُ له، وقَدِ اقتَضَى بعضَ المالِ، أو لَم يَقتَضِ شَيئًا، أو ماتَ الجاعِلُ، أو ماتَ الذي عليه الحَقُّ. فقالَ: إنْ

(١) «المقدمات الممهدات» (٢/ ١٧٩، ١٨٠).

ماتَ الذي جُعِلَ له، وقَد عمِل، فوَرثَتُه مَكانَه، يَقومونَ مَقامَ أبيهم، إنْ كانوا أُمَناءَ، ما دامَ صاحِبُ الحَقِّ حيًّا، وإنْ كانَ المَجعولُ له ماتَ قبلَ أنْ يَقتَضيَ شَيئًا، فلا حَقَّ لِوَرثَتِه، بمَنزِلةِ القِراضِ سَواءٌ، يُريدُ إذا لَم يَعمَلِ المَيِّتُ بالقِراضِ، ولَم يَشغَلْه، ولا شَيئًا مِنه، فلا شَيءَ لِوَرثَتِه، فهذا مِثلُه، وإنْ ماتَ رَبُّ المالِ الجاعِلُ، لَم يَكُنْ لِلَّذي جُعِلَ له استِتمامُ ما بَقيَ، ولا لِوَرثَتِه إنْ هو ماتَ؛ لأنَّه أمْرٌ إنَّما كانَ يَلزَمُ الجاعِلَ ما دامَ حَيًّا؛ فإذا ماتَ فقَد صارَ المالُ لِغيرِه، وانفسَخ عنه ما جُعِلَ له؛ لأنَّها لَم تَكُنْ إجارةً لَازِمةً، وقَد كانَ المَجعولُ له متى شاءَ أنْ يَخرُجَ خرَج.

وَممَّا يُبيِّن ذلك، أنْ لو هَلكَ رَبُّ المالِ، وعليه دَيْنٌ يُحيطُ بمالِه، فأرادَ المَجعولُ له أنْ يَقومَ بالتَّقاضي كما هو، وأبَى ذلك الغُرَماءُ، وقالوا: قَدْ صارَ المالُ مالَنا، وليسَ لكَ أنْ تَنقُصَنا مِنْ أموالِنا لِمَا جُعِلَ لَكَ، فإنَّ ذلك لهم. وكَذلك لو أفلَسَ رَبُّ المالِ الجاعِلُ، لَسقَط جُعْلُ الأجيرِ، يُريدُ مِنْ ذي قَبلُ، فيما لَم يَقبِضْ، وكانَ لِغُرَمائِه يَقتَسِمونَه، وكَذلك الوَرثةُ بمَثابَتِهم؛ لأنَّ المالَ خرَج إلى وَرثةِ رَبِّ المالِ.

قالَ: وإنْ ماتَ الذي عليه الحَقُّ، وقَدِ اقتَضَى المَجعولُ له بعضَ الحَقِّ قبلَ أنْ يَموتَ، وفاتَ أو ماتَ الذي عليه الجُعلُ، فهو على جُعلِه الذي جعَلهُ له صاحِبُ الحَقِّ، يَقومُ بتَقاضِيه إنْ أحَبَّ، سواءٌ أكانَ اقتَضَى قبلَ ذلك شَيئًا أم لَم يَقتَضِ، وهو بمَنزِلةِ ما لو أرادَ صاحِبُ الحَقِّ أو غيرُه مِنْ غُرَماءِ المَيِّتِ الذي عليه الحَقُّ أنْ يُفْلِسوه، كانَ المُجتَعِلُ على جُعلِه،

فالمَوتُ في هذا، والفَلَسُ واحِدٌ، ووَرثةُ الأجيرِ ههُنا بمَنزِلتِه إذا كانوا أُمَناءَ، مثلَ القِراضِ. قالَه أصبَغُ كلَّه، على الِاتِّباعِ والِاستِحسانِ، وفي بعضِها بعضُ المَغمَزِ والِانكِسارِ على القِياسِ والكَلامِ.

قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: تَفرِقَتُه في مَوتِ المَجعولِ له بينَ أنْ يَموتَ قبلَ أنْ يَقتَضيَ شَيئًا، يُريدُ قبلَ أنْ يَعمَلَ في الِاقتِضاءِ، وبينَ أنْ يَموتَ، وقَد عمِل في الِاقتِضاءِ، يُريدُ: وإنْ لَم يَقتَضِ شَيئًا بعدَ، وتَنظيرُه إيَّاه بالقِراضِ صَحيحٌ على القَولِ بأنَّ الجاعِلَ يَلزَمُه الجُعلُ بالعَقدِ، وإنْ لَم يَشرَعِ المَجعولُ له في العَملِ؛ فيَكونُ لِوَرثةِ المَجعولِ له إنْ كانوا أُمَناءَ، أو أتَوْا بأمينٍ؛ أنْ يَقوموا مَقامَ مُورِّثِهم.

وأمَّا قولُه: إنَّه إنْ ماتَ رَبُّ المالِ الجاعِلُ، لَم يَكُنْ لِلَّذي جُعِلَ له استِتمامُ ما بَقيَ، ولا لِوَرثَتِه إنْ هو ماتَ، فالمعنَى في ذلك عِنْدِي إذا كانَ قَدِ اقتَضَى بَعضًا، وبَقيَ بَعضٌ؛ لأنَّ ما اقتَضَى قَدْ وجَب له فيه جُزؤُه، فلَمْ يَخسَرْ عَناءَه جُملةً. وهذا المَوضِعُ هو الذي قالَ فيه أصبَغُ: إنَّه استِحسانٌ، وإنَّ فيه مَغمَزًا وانكِسارًا على وَجْهِ القِياسِ. وهو كما قالَ؛ لأنَّه إذا اقتَضَى بَعضًا، فقَد لَزِمَ الجاعِلَ الجُعلُ، وإذا لَزِمَه لَم يَسقُطْ عنه بمَوتِه، ولَزِمَ وَرثَتَه مِنْ ذلك ما لَزِمَه في وَجْهِ النَّظرِ والقِياسِ على الأصْلِ.

وأمَّا لو ماتَ الجاعِلُ بعدَ أنْ عمِل المَجعولُ له في الطَّلَبِ والشُّخوصِ والقِيامِ، وقبلَ أنْ يَقتَضيَ شَيئًا، لَمَا صَحَّ أنْ يَبطُلَ حَقُّه في ذلك بمَوتِ الجاعِلِ، فيَذهَبَ عَناؤُه باطِلًا، ولوجَب أنْ يَكونَ له ولِوَرثَتِه إنْ ماتَ القِيامُ

مَكانَه في اقتِضاءِ ما كانَ قامَ عليه فيه، وأشرَفَ على اقتِضائِه مِنه، دونَ خِلافٍ، كما أنَّه لو كانَ الجُعلُ في غيرِ اقتِضاءِ الدُّيونِ، مثلَ أنْ يَجعَلَ له جُعلًا في طَلَبِ آبِقٍ، أو في حَفرِ بِئرٍ، فماتَ الجاعِلُ بعدَ أنْ حَفَرَ المَجعولُ له بعضَ البِئرِ، أو خرَج في طَلَبِ الآبِقِ؛ لَلَزِمَ ذلك وَرثَتَه، ولَم يَقَعْ في ذلك خِلافٌ.

ولو كانَ الجُعلُ في مِثلِ الحَصادِ، واللَّقْطِ، بأنْ يَقولَ له: ما حَصَدتَ مِنْ زَرعي هذا، أو لَقَطتَ مِنْ زَيتُوني هذا، فلكَ نِصفُه، أو ثُلُثُه، فماتَ الجاعِلُ بعدَ أنْ حَصَدَ بعضَ الزَّرعِ، أو لَقَطَ بعضَ الزَّيتونِ، لَم يَكُنْ لِلمَجعولِ له التَّمادي على الحَصادِ، ولا على اللَّقْطِ دونَ رِضا وَرثةِ الجاعِلِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ ما حَصَدَ أو لَقَطَ قَدْ وجَب له حَقُّه فيه، وما لَم يَحصُدْ ولَم يَلقُطْ فليسَ له فيه عَمَلٌ يَذهبُ بخُروجِه، فقِفْ على افتِراقِ أحكامِ هذه المَسائِلِ الثَّلاثِ لِافتِراقِ مَعانيها، والجُعلُ على الِاقتِضاءِ يَكونُ لِوَرثةِ الجاعِلِ فيه أنْ يَمنَعوا المَجعولَ له مِنْ التَّمادي على الِاقتِضاءِ في الِاستِحسانِ، دونَ القِياسِ. والجُعلُ على الحَفرِ وطَلَبِ الآبِقِ وشِبْهِه ليسَ لهم فيه أنْ يَمنَعوه مِنْ التَّمادي على الحَفرِ والطَّلَبِ في استِحسانٍ، ولا قِياسَ. والجُعلُ على الحَصادِ واللَّقْطِ وشِبْهِهما لهم أنْ يَمنَعوه مِنْ التَّمادي على الحَصادِ واللَّقْطِ في الِاستِحسانِ والقِياسِ.

وَقولُه -إنَّ الجُعلَ على الِاقتِضاءِ لا يَنفَسِخُ بمَوتِ الذي عليه الدَّيْنُ، ولا بتَفليسِه- صَحيحٌ، لا وَجْهَ لِلقَولِ فيه، واللَّهُ المُوَفِّقُ (١).

(١) «البيان والتحصيل» (٨/ ٥٠٥، ٥٠٨)، و «الذخيرة» (٦/ ١١٣)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٩٨).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ ماتَ الجاعِلُ قبلَ تَسلُّمِه العَبدَ الآبِقَ، فإنَّه يَكونُ لِلعامِلِ جُعلُه المُقدَّرُ شَرعًا، يَأخُذُه مِنْ تَرِكةِ سَيِّدِه، كَسائِرِ الحُقوقِ والدُّيونِ، وهذا إذا لَم يَكُنْ مَوتُ سَيِّدِ العَبدِ سَبَبًا في عِتقِه، فإنْ كانَ كما في المُدبِّرِ، وأُمِّ الوَلَدِ فلا شَيءَ لِلعامِلِ؛ لأنَّ العَملَ لَم يَتِمَّ، إذِ العَتيقُ لا يُسمَّى آبِقًا، وكَذلك لا شَيءَ له في غيرِ العَبدِ الآبِقِ مِنْ الأموالِ المَردودةِ إنْ ماتَ الجاعِلُ قبلَ تَسلُّمِها، وتَكونُ له النَّفَقةُ فَقط يَأخُذُها مِنْ تَرِكَتِه في الصُّورَتَيْنِ (١).

٣ - بالجُنونِ والإغماءِ: قالَ الشَّافِعيَّةُ: تَنفسِخُ الجَعالةُ بجُنونِ أحَدِهما أو إغمائِه، قالَ الشَّيخُ زَكَريَّا الأنصاريُّ: وتَنفسِخُ الجَعالةُ بالمَوتِ أو الجُنونِ أو الإغماءِ لِأحَدِ المُتَعامِلَيْنِ، فإنْ ماتَ المالِكُ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ فَرَدَّه إلى وَرثَتِه، وفي نُسخةٍ: وارِثِه، وجَب قِسطُه، أي: قِسطُ ما عمِله في الحَياةِ مِنْ المُسمَّى، وإنْ ماتَ العامِلُ فرَدَّه وارِثُه استَحقَّ القِسطَ أيضًا، قالَه الماوَرديُّ (٢).

(١) «كشاف القناع» (٤/ ٢٥٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢١٣).
(٢) «أسنى المطالب» (٢/ ٤٤٣)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٣/ ٣٢٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 101 - 106
بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله