الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المزارعة > جواز صحة المزارعة عند الحنابلة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةوَفائِدةُ إعارَتِه إسقاطُ الأُجرةِ؛ لأنَّه لَوِ استَأجَرَه على زِراعةِ نِصفِ البَذْرِ ولَم يُعِرْه نِصفَ الأرضِ، فزَرَعَ الجَميعَ، لَزِمَه نِصفُ أُجرةِ الأرضِ.
والصُّورةُ الأُخرى: أنْ يَستَأجِرَ العامِلُ بنِصفِ البَذْرِ شائِعًا، ونِصفِ مَنفَعةِ الأرضِ كذلك؛ لِيَزرَعَ له النِّصفَ الآخَرَ مِنْ البَذْرِ في النِّصفِ الآخَرِ مِنْ الأرضِ، فيَكونا شَريكَيْنِ في الزَّرعِ على المُناصَفةِ، ولا أُجرةَ لِأحَدِهِما على الآخَرِ؛ لأنَّ العامِلَ يَستَحقُّ مِنْ مَنفَعةِ الأرضِ بقَدْرِ نَصيبِه مِنْ الزَّرعِ، ويَستَحقُّ المالِكُ مِنْ مَنفعَتِه بقَدْرِ نَصيبِه مِنْ الزَّرعِ.
والفَرقُ بينَ الصُّورةِ الأُولَى، والصُّورةِ الأُخرى: أنَّه في الأُولَى جعلَ الأُجرةَ عَينًا، وفي الأُخرى عَينًا ومَنفَعةً، وأنَّه في الأُولَى يَتمكَّنُ مِنْ الرُّجوعِ بعدَ الزِّراعةِ في نِصفِ الأرضِ، وأخْذِ الأُجرةِ، وفي الثَّانيةِ لا يَتمكَّنُ، وأنَّه لَو فَسَدَ مَنبَتُ الأرضِ في المدَّةِ … لَزِمَه قِيمةُ نِصْفِها في الأُولَى دونَ الثَّانيةِ؛ لأنَّ العاريَّةَ مَضمونةٌ.
وَهناكَ طَريقةٌ ثالِثةٌ، وهي: أنْ يُقرِضَه نِصفَ البَذْرِ ويُؤجِّرَه نِصفَ الأرضِ بنِصفِ عَملِه ونِصفِ مَنافِعِ آلاتِه، وهذه أَحوَطُها.
كلُّ هذا إذا كانَ البَذْرُ لِمالِكِ الأرضِ، فإنْ كانَ مِنْ العامِلِ فطَريقُهُ أنْ يَستَأجِرَ نِصفَ الأرضِ بنِصفِ البَذرِ، ونِصفِ عَملِه ونِصفِ مَنافِعِ الآلاتِ.
وإنْ كانَ مِنهما، يَستَأجِرُ العامِلُ نِصفَ الأرضِ بنِصفِ مَنافِعِه ومَنافِعِ آلاتِه المَصروفةِ إلى الزِّراعةِ.
وَلا بدَّ في هذه الإجاراتِ مِنْ رِعايةِ الرُّؤيةِ وتَقديرِ المدَّةِ، وغَيرِهما مِنْ شُروطِ الإجارةِ (١).
جَوازُ صِحَّةِ المُزارَعةِ عندَ الحَنابِلةِ:
قالَ الحَنابِلةُ: المُزارَعةُ جائِزةٌ بشُروطٍ، هي:
١ - كَونُ البَذْرِ مَعلومًا جِنسُه وقَدرُه، ولو لم يُوكَلْ، وعِلمُه برُؤيةٍ أو صِفةٍ لا يُختَلفُ معها، كشَجرٍ في مُساقاةٍ.
(١) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٧/ ٢٨٠، ٢٨٢)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٨٨، ٧٩٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٤، ٣٦٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٨٣، ٢٨٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٩٧، ٣٠٠)، و «الديباج» (٢/ ٤٤٤، ٤٤٥).
وإنْ قالَ: ما زَرَعتَها مِنْ شَيءٍ فلي نِصفُه، صَحَّ، لِحَدِيثِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (١).
٢ - كَونُ البَذْرِ مِنْ ربِّ الأرضِ في أحَدِ القوليْنِ هو المَذهَبُ، ويُقِرُّ العَملَ مِنْ الآخَرِ؛ لأنَّهما يَشتَرِكانِ في نَمائِه؛ فوجبَ أنْ يَكونَ رَأْسُ المالِ مِنْ أحَدِهِما؛ كالمُضارَبةِ، فلا تَصحُّ المُزارَعةُ إنْ كانَ البَذْرُ مِنْ العامِلِ، أو كانَ البَذْرُ مِنهما، أي: العامِلِ ورَبِّ الأرضِ، أو كانَ البَذْرُ مِنْ أحَدِهِما، والأرضُ لَهُما؛ لِمَا تَقدَّمَ، أو كانَ البَذْرُ مِنْ واحِدٍ، والأرضُ والعَملُ مِنْ الآخَرِ، أوِ الأرضُ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ، والبَذْرُ مِنْ ثالِثٍ، أو الأرضُ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ، والبَذْرُ مِنْ ثالِثٍ، والبَقَرُ مِنْ رابِعٍ، فلا تَصحُّ في جَميعِ هذه الصُّوَرِ؛ لأنَّ البَذْرَ لَيسَ مِنْ ربِّ الأرضِ.
ورِوايةٌ أُخرى: أنَّه لا يُشترَطُ في المُزارَعةِ والمُغارَسةِ كَونُ البَذْرِ والغِراسِ مِنْ ربِّ الأرضِ، فيَجوزُ أنْ يُخرِجَه العامِلُ في قَولِ عُمرَ، وابنِ مَسعودٍ وغَيرِهما، ونَصَّ عليه في رِوايةٍ مِنها، وصَحَّحَه في «المُغني»، والشَّرحِ، واختارَه أبو مُحمَّدٍ الجَوزيُّ، والشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، ابنُ تَيميَّةَ، وعليه عَملُ النَّاسِ؛ لأنَّ الأصلَ المُعوَّلَ عليه في المُزارَعةِ قِصَّةُ خَيبَرَ، ولَم يَذكُرِ النَّبيُّ ﷺ أنَّ البَذْرَ على المُسلِمينَ.
وقالَ البُخاريُّ رحمة الله عليه: «وَعامَلَ عُمرُ النَّاسَ على: إنْ جاءَ عُمرُ بالبَذْرِ
(١) رواه البخاري (٢٢٠٣)، ومسلم (١٥٥١).
مِنْ عِندِه فلَه الشَّطرُ، وإنْ جاؤُوا بالبَذْرِ فلَهم كَذا … » (١).
وقالَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما: «دفعَ رَسولُ اللهِ ﷺ نَخلَ خَيبَرَ وأرضَها إليهم، على أنْ يَعتَمِلوها مِنْ أموالِهم» (٢).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وهذا ممَّا يُبَين لَكَ أنَّ المُزارَعةَ التي يَكونُ فيها البَذْرُ مِنْ العامِلِ أحَقُّ بالجَوازِ مِنْ المُزارَعةِ التي يَكونُ فيها مِنْ ربِّ الأرضِ، ولِهَذا كانَ أصحابُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ يُزارِعونَ على هذا الوَجه، وكذلك «عامَلَ النَّبيُّ ﷺ أهلَ خَيبَرَ بشَطرِ ما يَخرُجُ مِنها مِنْ ثَمرٍ وزَرعٍ، على أنْ يَعْمُروها مِنْ أموالِهم».
والَّذينَ اشترَطوا أنْ يَكونَ البَذْرُ مِنْ ربِّ الأرضِ قاسُوا ذلك على المُضارَبةِ فقالوا: في المُضارَبةِ المالُ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ، وكذلك يَنبَغي أنْ يَكونَ في المُزارَعةِ، وجَعَلوا البَذْرَ مِنْ ربِّ المالِ، كالأرضِ.
وَهَذا القياسُ مع أنَّه مُخالِفٌ لِلسُّنةِ ولِأقوالِ الصَّحابةِ؛ فهو مِنْ أفسَدِ القِياسِ، وذلك أنَّ المالَ في المُضارَبةِ يَرجِعُ إلى صاحِبِه، ويَقتَسِمانِ الرِّبحَ، فهو نَظيرُ الأرضِ في المُزارَعةِ، وأمَّا البَذْرُ الذي لا يَعودُ نَظيرُه إلى صاحِبِه، بَلْ يَذهَبُ كَما يَذهَبُ نَفعُ الأرضِ، فإلحاقُه بالنَّفعِ الذَّاهِبِ أوْلَى مِنْ إلحاقِه بالأصلِ الباقي؛ فالعاقِدُ إذا أخرَجَ البَذْرَ ذَهَبَ عَملُه وبَذْرُه، ورَبُّ الأرضِ ذَهَبَ نَفْعُ أرضِه، وبَذْرُ هذا كَأرضِ هَذا، فمَن جعلَ البَذْرَ كالمالِ كانَ يَنبَغي
(١) ذكره البخاري مُعَلَّقًا بصيغة الجَزْم (٢/ ٢٨٠) باب المُزارَعة بالشطر ونحوه. ورواه ابن أبي شَيبة (٣٧٠١٦).
(٢) رواه مسلم (١٥٥١).
له أنْ يُعيدَ مثلَ البَذْرِ إلى صاحِبِه، كَما قالَ مثلَ ذلك في المُضارَبةِ، فكَيفَ؟ ولَوِ اشترَطَ ربُّ البَذْرِ نَظيرَ عَودِ بَذْرِه إليه لَم يُجَوِّزوا ذلك (١).
فعلى المَذهبِ إذا فسَدَتْ وكانَ البَذْرُ مِنْ العامِلِ، فالزَّرعُ كلُّه لَه؛ لأنَّه صاحِبُ البَذْرِ؛ لأن عينَ مالِه تَقلَب مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وعليه أُجرةُ مِثلِ الأرضِ لربِّها؛ لأنَّ رَبَّها دخلَ على أنْ يَأخُذَ ما سُمِّيَ لَه، فإذا فاتَ رَجعَ إلى بَدَلِه، لِكَونِه لَم يَرْضَ ببَذْلِ أرضِه مَجَّانًا، وإنْ كانَ البَذْرُ مِنهما فالزَّرعُ لَهُما بحَسَبِه.
وإنْ شرطَ ربُّ الأرضِ أنْ يَأخُذَ مثلَ بَذْرِه ويَقتَسِما البقيَّةَ لَم يَصحَّ، كَأنَّه اشترَطَ لِنَفْسِه قُفَزانًا مَعلومةً، وهو شَرطٌ فاسِدٌ يَفسُدُ به المُزارَعةُ؛ لأنَّه قد لا يَخرُجُ مِنْ الأرضِ إلَّا ذلك القَدْرُ؛ فيَختَصُّ به المالِكُ، ورُبَّما لا تُخرِجُه، ومَوضوعُها على الِاشتِراكِ.
فَإنْ كانَ البَذْرُ مِنهما نِصفَيْنِ وشرطَا أنَّ الزَّرعَ بَينَهما نِصفانِ، فهو بَينهُما، سَواءٌ قُلْنا بصِحَّةِ المُزارَعةِ، أو فَسادِها؛ لأنَّها إنْ كانَتْ صَحيحةً فالزَّرعُ بَينَهما على ما شرطَا، وإنْ كانَتْ فاسِدةً فلكلِّ واحِدٍ مِنهما بقَدْرِ بَذْرِه، لَكِنْ إنْ حَكَمْنا بصِحَّتِها لَم يَرجِعْ أحَدُهما على صاحِبِه بشَيءٍ، وإنْ قُلْنا: مِنْ شَرطِ صِحَّتِها إخراجُ ربِّ المالِ البَذْرَ فهي فاسِدةٌ، فعلى العامِلِ نِصفُ أجْرِ الأرضِ، ولَه على ربِّ الأرضِ نِصفُ أجْرِ عَملِه، ويَتَقاصَّانِ بقَدْرِ الأقَلِّ مِنهما، ويَرجِعُ أحَدُهما على صاحِبِه بالفَضلِ.
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥١٠، ٥١١).
وإنْ شرطَا التَّفاضُلَ في الزَّرعِ، وقُلْنا بصِحَّتِه فالزَّرعُ بَينَهما على ما شَرَطاه، ولا تَراجُعَ بَينَهما.
وإنْ قُلنا بفَسادِها فالزَّرعُ بَينَهما على قَدْرِ بَذْرِهِما، ويَتَراجَعانِ كَما ذَكَرْنا، وكذلك إنْ تَفاضَلَا في البَذْرِ وشرطَا التَّساويَ في الزَّرعِ، أو شرطَا لِأحَدِهِما أكثَرَ مِنْ قَدْرِ بَذْرِه أو أقَلَّ.
٣ - أنْ يُشرَطَ لِلعاملِ جُزءٌ مَشاعٌ مَعلومٌ مِنه؛ كالثُّلُثِ أو الرُّبُعِ ونَحوِهما.
٤ - ولا يَجوزُ أنْ يُجعَلَ له فَضلُ دَراهِمَ زائِدٌ على مالِه مِنْ الثَّمرةِ، بغَيرِ خِلافٍ.
٥ - وكَذا لَو شُرِطَ لِأحَدِهِما زَرعُ ناحيةٍ مُعيَّنةٍ، أو ما على الجَداوِلِ، مُنفَرِدًا، أو مع نَصيبِه، فهو فاسِدٌ بإجماعِ العُلماءِ؛ لِصِحَّةِ الخَبَرِ بالنَّهيِ عَنه، ولأنَّه يُؤدِّي إلى تَلَفِ ما عُيِّنَ لِأحَدِهِما دونَ الآخَرِ، فيَنفَرِدُ أحَدُهما بالغَلَّةِ دونَ صاحِبِه.
وَيَصحُّ كَونُ الأرضِ والبَذْرِ والبَقَرِ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ؛ قياسًا على المُضارَبةِ؛ لأنَّه عَقدٌ على العَملِ في مالٍ ببَعضِ نَمائِه، فأشبَهَ المُضارَبةَ، وكالمُزارَعةِ على الزَّرعِ المَوجودِ، الذي يُنَمَّى بالعَملِ، فيَصحُّ؛ لأنَّه إذا جازَ في المَعدومِ مع كَثرةِ الغَرَرِ، فعلى المَوجودِ مع قِلَّتِه أَوْلَى.
وَتَجوزُ إجارةُ الأرضِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والعُروضِ غيرِ المَطعومِ. في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ؛ لِمَا رَواهُ حَنْظَلَةُ بنُ قَيْسٍ الأنْصَارِيُّ، قالَ: «سالتُ رافِعَ بنَ خَدِيجٍ عن كِراءِ الأرضِ بِالذّهَبِ والوَرِقِ، فقالَ: لا بَأْسَ بهِ، إنَّما
كانَ النَّاسُ يُؤاجِرُونَ على عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ على الماذِيَانَاتِ، وإقبالِ الجَدَاوِلِ، وأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ، فيَهْلِكُ هذا ويَسْلَمُ هذا، ويَسْلَمُ هذا ويَهْلِكُ هذا؛ فلم يكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلا هذا؛ فَلذلك زُجِرَ عنه، فأَمَّا شَيءٌ مَعْلومٌ مَضْمونٌ فلا بَأْسَ بهِ» (١).
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: «إنَّ أَمثَلَ ما أَنتُمْ صانِعُونَ أنْ تَستَأْجِرُوا الأَرْضَ البَيْضَاءَ مِنْ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ» (٢).
وأمَّا إجارَتُها بطَعامٍ فثَلاثَةُ أقسامٍ، كلُّها جائِزةٌ:
أحَدُها: إجارَتُها بطَعامٍ مَعلومٍ غيرِ الخارِجِ منها، فيَجوزُ.
والثَّاني: بطَعامٍ مَعلومٍ مِنْ جِنسِ ما يَخرُجُ منها، فيَجوزُ أيضًا.
الثالِثُ: إجارَتُها بجُزءٍ مَشاعٍ ممَّا يَخرُجُ منها، فيَجوزُ أيضًا (٣).
(١) رواه مسلم (١٥٤٧).
(٢) رواه البخاري (٢/ ٧٣) تعليقًا، ووصله البيهقي بسند صحيح (٦/ ١٣٣).
(٣) يُنْظر: «المغني» (٥/ ٢٤٤، ٢٥٠)، و «الكافي» (٢/ ٢٩٧، ٢٩٩)، و «مجموع الفتاوى» (٢٩، ١١٨، ١٢١)، و «إعلام الموقعين» (١/ ٢٧٦)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٨٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٣٧، ٦٤٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٦٠٢، ٦٠٤)، و «الروض المربع» (٢/ ٨٦، ٨٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٠١، ٢٠٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المزارعة
فصل في حكم المزارعة الفاسدة
مِنْهَا) : أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِصْلَاحِهِ فَعَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
(وَمِنْهَا) : أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّرْعِ مِنْ السِّرْقِينِ وَقَلْعِ الْحَشَاوَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا، وَكَذَلِكَ الْحَصَادُ وَالْحَمْلُ إلَى الْبَيْدَرِ وَالدِّيَاسُ وَتَذْرِيَتُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِهِ الْمُزَارِعُ.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ صَحَّ فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
(وَمِنْهَا) : أَنَّهَا إذَا لَمْ تُخْرِجُ الْأَرْضُ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا أَجْرُ الْعَمَلِ وَلَا أَجْرُ الْأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ أَوْ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا أَجْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ هُوَ الْمُسَمَّى وَهُوَ بَعْضُ الْخَارِجِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْخَارِجُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَالْوَاجِبُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ أَجْرُ مِثْلِ الْعَمَلِ فِي الذِّمَّةِ لَا فِي الْخَارِجِ، فَانْعِدَامُ الْخَارِجِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ الْفَرْقُ (وَمِنْهَا) : أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي جَانِبِ صَاحِبِ الْبَذْرِ لَازِمٌ فِي جَانِبِ صَاحِبِهِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
ارجع إلى أركان المزارعة للاطلاع على جميع المسائل.