أركان المزارعة

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المزارعة

مسائلُ فقهيةٌ في أركان المزارعة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

تعريف أركان المزارعة وحكمها

أركانُ المُزارَعةِ:

رُكنُ المُزارَعةِ عندَ الحَنفيَّةِ هو الإيجابُ، والقَبولُ، وهو أنْ يَقولَ صاحِبُ الأرضِ لِلعاملِ: دَفَعتُ إلَيكَ هذه الأرضَ مُزارَعةً بكَذا، ويَقولَ العامِلُ: قَبِلتُ، أو رَضيتُ، أو ما يَدلُّ على قَبولِه ورِضاه، فإذا وُجِدا تَمَّ العَقدُ بَينَهما، أو قالَ الفَلَّاحُ العامِلُ لِصاحِبِ الأرضِ: أعطِني أرضَكَ على وَجْهِ المُزارَعةِ؛ لِأعمَلَ فيها على كَذا، ورَضيَ الآخَرُ، تَنعقِدُ المُزارَعةُ (١).

وقالَ الحَصْكَفيُّ رحمة الله عليه: أركانُها أربَعةٌ: أرضٌ وبَذْرٌ وعَملٌ وبَقَرٌ (٢).

شُروطُ صِحَّةِ المُزارَعةِ:

ذكرَ الفُقهاءُ شُروطًا لِصِحَّةِ المُزارَعةِ، مِنها ما يُشترَطُ في العاقِدَيْنِ؛ فقَدِ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في العاقِدَيْنِ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ أنْ يَكونا جائِزَيِ التَصرُّفِ؛ لأنَّ كُلًّا مِنهما عَقدُ مُعاوَضةٍ ومُعامَلةٍ على المالِ، فعُدَّ لَها ذلك كالبَيعِ والإجارةِ والقِراضِ.

وأمَّا المَحجورُ عليه لِصِغَرٍ أو جُنونٍ، وكَذا لِسَفَهٍ، عندَ مَنْ يَقولُ بالحَجرِ على السَّفيهِ، فلا يَصحُّ أنْ يُساقَى، ولا أنْ يُزارَعَ؛ لأنَّ العَقلَ شَرطُ أهلِيَّةِ التَصرُّفاتِ، فيَقومُ وَلِيُّهُ عنه بذلك عندَ المَصلَحةِ لِلِاحتِياجِ إلَيه.

وأمَّا البُلوغُ فليسَ بشَرطٍ لِجَوازِ المُزارَعةِ والمُساقاةِ عندَ الحَنفيَّةِ، خِلافًا لِلجُمهورِ، حتى إنَّه تَجوزُ عِندَهم مُزارَعةُ الصَّبيِّ المَأذونِ ومُساقاتُهُ،

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٧٦)، و «درر الحكام» (٣/ ٤٩٣).
(٢) «الدر المختار» (٦/ ٢٧٤).

دَفعًا واحِدًا؛ لأنَّ المُزارَعةَ استِئجارٌ ببَعضِ الخارِجِ، والصَّبيُّ المَأذونُ يَملِكُ الإجارةَ؛ لأنَّها تِجارةٌ، فيَملِكُ المُزارَعةَ (١).

وَكَذا يُشترَطُ شُروطٌ أُخرَى في الأرضِ والبَذْرِ والعَملِ والبَقَرِ، على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهَبٍ على النَّحوِ التَّالي:

أولًا: مَذهَبُ الحَنفيَّةِ:

لا تَصحُّ المُزارَعةُ عندَ الحَنفيَّةِ إلَّا بشُروطٍ ثَمانيةٍ، هيَ:

١ - صَلاحيةُ الأرضِ لِلزِّراعةِ: لأنَّ المَقصودَ هو الرِّبحُ، وهو لا يَحصُلُ بدُونِه، حتى لَو كانَتْ سَبخةً أو نَزَّةً، لا يَجوزُ العَقدُ، وأمَّا إذا كانَتْ صالِحةً لِلزِّراعةِ في المدَّةِ لَكِنْ لا يُمكِنُ زَرعُها وَقتَ العَقدِ بعارِضٍ مِنْ انقِطاعِ الماءِ، ووَقتَ زَمانِ الشِّتاءِ، ونَحوِه مِنْ العَوارِضِ التي هي على شَرَفِ الزَّوالِ في المدَّةِ، تَجوزُ مُزارَعَتُها.

٢ - أهليَّةُ العاقِدَيْنِ: أي: كَوْنُ ربِّ الأرضِ والمُزارَعِ مِنْ أهْلِ العَقدِ.

٣ - ذِكْرُ المدَّةِ؛ لأنَّها تَنعقِدُ إجارةً ابتِداءً، وشَرِكةً انتِهاءً، ولأنَّ العَقدَ يُرَدُّ على مَنفَعةِ ربِّ الأرضِ إنْ كانَ البَذْرُ مِنْ جِهةِ العامِلِ، وعَلَى مَنفَعةِ العامِلِ إنْ كانَ البَذْرُ مِنْ جِهةِ ربِّ الأرضِ، والمَنفَعةُ هُنا لا يُعرَفُ مِقدارُها إلَّا ببَيانِ

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٧٦)، و «الهندية» (٥/ ٢٣٥)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٢٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٩١)، و «الديباج» (٢/ ٤٤٣)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٤٦، ١٤٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٢٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٦٠٢، ٣٠٣)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٥٥٩).

المدَّةِ، فكانَ مِعيارًا لِلمَنفَعةِ. ويُشترَطُ في المدَّةِ: ألَّا تَكونَ أقَلَّ ممَّا يُمكِنُ فيه الزِّراعةُ، وألَّا تَكونَ لا يَعيشُ إلى مِثلِها أحَدَهُما في الأغلَبِ.

وسَيأتي خِلافٌ فيها عندَ الحَنفيَّةِ في حُكمِ بَيانِ المدَّةِ.

٤ - ذِكْرُ ربِّ البَذْرِ: وذِكْرُه بتَسميَته؛ لأنَّه المُستَأجِرُ.

٥ - ذِكْرُ جِنسِهِ: أي: جِنسِ البَذْرِ؛ لِيَصيرَ الأجرُ مَعلومًا؛ لأنَّه مِنه.

٦ - ذِكْرُ نَصيبِ الآخَرِ: وهو غيرُ ربِّ البَذْرِ؛ لأنَّه أُجرةُ عَملِه وأرضِه. ولَو بيَّنَّا حَظَّ ربِّ البَذْرِ وسَكَتْنَا عن حَظِّ العامِلِ، جازَ؛ استِسحانًا.

٧ - شَرْطُ التَّخليةِ بينَ الأرضِ والعامِلِ: لِيَتمكَّنَ مِنْ العَملِ، فلَو شُرِطَ عَملُ ربِّ الأرضِ مع العامِلِ، لا يَصحُّ؛ لِفَواتِ التَّخليةِ.

٨ - أنْ يَكونَ الخارِجُ مُشترَكًا بَينَهما: لِتحَقُّقِ المَعنَى المَقصودِ مِنْ المُزارَعةِ، وهو الشَّرِكةُ؛ لأنَّها تَنعقِدُ إجارةً في الِابتِداءِ، وشَرِكةً في الِانتِهاءِ.

ولِمَا مَرَّ في المُضارَبةِ فكلُّ شَرطٍ يُؤدِّي إلى قَطعِ الشَّرِكةِ يُفسِدُها، حتى لَو شَرَطا لِأحَدِهِما قُفَزانًا مَعلومةً، أو ما على السَّواقي، أو أنْ يَأخُذَ ربُّ البَذْرِ بَذْرَه، ثم يُقسِّمَ البقيَّةَ، أو يَأخُذَ الخَراجَ، ثم يُقسِّمَ البَقيَّةَ، فسَدَتْ؛ لِجَوازِ ألَّا يَخرُجَ مِنْ الأرضِ إلَّا هذا القَدْرُ، ولأنَّه يُؤدِّي إلى قَطعِ الشَّرِكةِ، وقَد مَرَّ في المُضارَبةِ.

وَكَذا تَفسُدُ المُزارَعةُ إنْ شُرِطَ التِّبنُ لِغَيرِ ربِّ البَذْرِ، ثم قِسمةُ الحَبِّ؛ لأنَّ هذا الشَّرطَ يُؤدِّي إلى قَطعِ الشَّرِكةِ إذا لَم يَخرُجْ إلَّا التِّبنُ؛ لأنَّ استِحقاقَ غيرِ صاحِبِ البَذْرِ إنَّما هو بالشَّرطِ.

وَصَحَّ إنْ شُرِطَ التِّبنُ لربِّ البَذْرِ؛ لأنَّ ذلك حُكمُ عَقدِ المُزارَعةِ، أو إنْ لَم يُتَعَرضْ لِلتِّبنِ؛ لِاشتِراطِهِما الشَّرِكةَ فيما هو المَقصودُ -وَهو الحَبُّ-، والتِّبنُ لِصاحِبِ البَذْرِ لا يَحتاجُ في أخْذِه إلى شَرطٍ؛ لأنَّه نَماءُ بَذْرِه.

٩ - أنْ تَكونَ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ مِنْ المُزارَعَيْنِ بَعضَ الخارِجِ، حتى لَو شَرَطا أنْ يَكونَ مِنْ غَيرِه، لا يَصحُّ العَقدُ؛ لأنَّ المُزارَعةَ استِئجارٌ ببَعضِ الخارِجِ، به تَنفَصِلُ عن الإجارةِ المُطلَقةِ.

١٠ - أنْ يَكونَ ذلك البَعضُ مِنْ الخارِجِ مَعلومَ القَدْرِ، مِنْ النِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ، ونَحوِها؛ لأنَّ تَرْكَ التَّقديرِ يُؤدِّي إلى الجَهالةِ المُفضيةِ إلى المُنازَعةِ، ولِهَذا شُرِطَ بَيانُ مِقدارِ الأُجرةِ في الإجاراتِ، كَذا هَذا.

١١ - أنْ يَكونَ جُزءًا شائِعًا مِنْ الجُملةِ، حتى لَو شُرِطَ لِأحَدِهِما قُفَزانٌ مَعلومةٌ، لا يَصحُّ العَقدُ؛ لأنَّ المُزارَعةَ فيها مَعنَى الإجارةِ، ولأنَّ الشَّرِكةَ تَنعقِدُ إجارةً، ثم تَتِمُّ شَرِكةً.

١٢ - وأنْ تَكونَ الأرضُ مَعلومةً؛ فإنْ كانَتْ مَجهولةً لا تَصحُّ المُزارَعةُ؛ لأنَّها تُؤدِّي إلى المُنازَعةِ، ولَو دفعَ الأرضَ مُزارَعةً على أنَّ ما يُزرَعُ فيها حِنطةٌ، فكَذا، أو أنَّ ما يُزرَعُ فيها شَعيرٌ، فكَذا، فَسَدَ العَقدُ؛ لأنَّ المَزروعَ فيها مَجهولٌ، وكَذا لَو قالَ: على أنْ يَزرَعَ بَعضَها حِنطةً وبَعضَها شَعيرًا؛ لأنَّ التَّنصيصَ على التَّبعيضِ تَنصيصٌ على التَّجهيلِ، ولَو قالَ: على أنَّ ما زُرِعَتْ فيها حِنطةٌ، فكَذا، وما زُرِعَ فيها شَعيرٌ، فكَذا، جازَ، لأنَّه جعلَ الأرضَ كلَّها ظَرفًا لِزَرعِ الحِنطةِ، أو لِزَرعِ الشَّعيرِ، فانعَدَمَ التَّجهيلُ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٧٦، ١٧٨)، و «الهداية» (٤/ ٥٣)، و «الاختيار» (٣/ ٩٤، ٩٥)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٧٨)، و «البحر الرائق» (٨/ ١٨١، ١٨٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٥١، ٢٥٤)، و «اللباب» (٢/ ٨، ٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٤، ١٩٥).

مسائل أركان المزارعة الفقهية

ارجع إلى الشركات والإجارات للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل