شروط صحة المزارعة عند الشافعية

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المزارعة > شروط صحة المزارعة عند الشافعية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

شروط صحة المزارعة عند الشافعية - الأقوال والأدلة

ويَكونَ البَذْرُ مِنْ عِندِهِما، والذي يُحتَرزُ منه في هذا البابِ أنْ يُؤدِّيَ إلى كِراءِ الأرضِ بالطَّعامِ، أو ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها، أو بانتِفاءِ التَّساوي، فإذا سَلِمَ مِنْ ذلك جازَ (١).

شُروطُ صِحَّةِ المُزارَعةِ عندَ الشافِعيَّةِ:

لا تَصحُّ المُزارَعةُ عندَ الشافِعيَّةِ إلا إذا كانَ بينَ النَّخلِ أو العِنبِ الذي تَمَّتِ المُساقاةُ عليه بَياضٌ، وهو أرضٌ لا زَرعَ فيها ولا شَجرَ؛ فإنْ كانَ بَياضٌ، صَحَّتِ المُزارَعةُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عُمرَ: «أنَّ النَّبِيَّ عامَلَ أهلَ خَيبَرَ على شَطرِ ما يَخرُجُ منها مِنْ ثَمرٍ وزَرعٍ» (٢)، وَلأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى جَوازِ هذه المُزارَعةِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ سَقْيُ النَّخيلِ إلَّا بسَقْيِ الأرضِ التي بَينَها.

وَيُشترَطُ لِصِحَّتِها ما يَلي:

١ - أنْ تَكونَ تَبَعًا لِعَقدِ المُساقاةِ؛ فلا تُفرَدَ بعَقدٍ مُستقِلٍّ.

٢ - أنْ يَتَّحِدَ العامِلُ فيهِما؛ فلا يَصحَّ أنْ يُساقيَ واحِدًا، ويُزارِعَ آخَرَ؛ لأنَّ الِاختِلافَ يُزيلُ التبَعيَّةَ.

(١) «المعونة» (٢/ ١٣٧، ١٣٨)، ويُنْظر: «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣، ٤٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٧٢، ٢٧٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٦٣، ٦٦)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٢٨، ١٣١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٨٦، ١٩٢)، و «حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني» (٢/ ٢٨٠)، و «حاشية الصاوي مع الشرح الصغير» (٨/ ٥٢، ٥٥)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣٣٥)، و «منح الجليل» (٣/ ٣٣٨، ٣٤٠).
(٢) رواه البخاري (٢٢٠٣)، ومسلم (١٥٥١).

وليسَ المُرادُ باتِّحادِه اشتِراطَ كَونِه واحِدًا، بَلْ ألَّا يَكونَ مَنْ ساقاه غيرَ مَنْ زارَعَه، فلَو ساقَى جَماعةً وزارَعَهم بعَقدٍ واحِدٍ، صَحَّ.

٣ - وبِشَرطِ تَعَسُّرِ إفرادِ النَّخلِ بالسَّقْيِ، وتَعسُّرِ إفرادِ البَياضِ بالعِمارةِ، وهي الزِّراعةُ؛ لِانتِفاعِ النَّخلِ بسَقْيِ الأرضِ وتَقليبِها؛ فإنْ أمكَنَ ذلك لَم تَجُزِ المُزارَعةُ؛ لِعَدَمِ الحاجةِ.

٤ - الأصَحُّ أنَّه يُشترَطُ في عَهدِ المُساقاةِ والمُزارَعةِ ألَّا يَفصِلَ العاقِدانِ بَينَهما، بَلْ يُؤتَى بهِما على الِاتِّصالِ؛ لِتَحصُلَ التَّبعيَّةُ، فلَو ساقاه على النِّصفِ مثلًا فقَبِلَ، ثم زارَعَه على البَياضِ، لَم تَصحَّ المُزارَعةُ؛ لأنَّ تَعدُّدَ العَقدِ يُزيلُ التَّبعيَّةَ.

وهُناكَ رَأْيٌ آخَرُ: يَجوزُ الفَصلُ بَينَهما؛ لِحُصولِهِما لِشَخصٍ واحِدٍ.

وَمَحَلُّ الخِلافِ حَيثُ بَقيَ مِنْ مدَّةِ المُساقاةِ ما يُمكِنُ فيه المُزارَعةُ، وإلَّا امتَنَعَ جَزْمًا.

٥ - الأصَحُّ أنَّه يُشترَطُ ألَّا تُقدَّمَ المُزارَعةُ على المُساقاةِ؛ لأنَّها تابِعةٌ، والتَّابِعُ لا يُقدَّمُ على مَتبوعِه.

وهُناكَ رَأْيٌ آخَرُ: يَجوزُ تَقديمُها، وتَكونُ مَوقوفةً، إنْ ساقاه بَعدَها بانَ صِحَّتُها، وإلَّا فلا.

وَفُهِمَ مِنْ الأولِ أنَّه لا يُغني لَفظُ أحَدِهِما عن الآخَرِ، ولَكِنْ لَو أتَى بلَفظٍ يَشمَلُهُما، كعامَلتُكَ على النَّخلِ والبَياضِ بالنِّصفِ فيهِما، كَفَى، بَلْ حَكَى فيه الإمامُ الِاتِّفاقَ.

٦ - قالَ الدَّارِميُّ رحمة الله عليه: ويُشترَطُ أيضًا بَيانُ ما يَزرَعُه، بخِلافِ إجارةِ الأرضِ لِلزِّراعةِ؛ لأنَّه هُناكَ شَريكٌ؛ فلا بدَّ مِنْ عِلمِه به، بخِلافِ الآخَرِ؛ إذْ لا حَقَّ له في الزَّرعِ.

والأصَحُّ: أنَّ كَثيرَ البَياضِ كَقَليلِه في صِحَّةِ المُزارَعةِ عليه؛ لأنَّ الغَرَضَ عُسْرُ الإفرادِ، والحاجةُ لا تَختَلِفُ.

وهُناكَ رَأْيٌ آخَرُ: لا؛ لأنَّ الكَثيرَ لا يَكونُ تابِعًا.

والنَّظَرُ في الكَثيرِ إلى مِساحةِ الأرضِ ومَغارِسِ الشَّجرِ لا إلى زيادةِ النَّماءِ على الأصَحِّ.

والأصَحُّ: أنَّه لا يُشترَطُ تَساوي الجُزءِ المَشروطِ مِنْ الثَّمرِ في المُساقاةِ والزَّرعِ في المُزارَعةِ، بَلْ يَجوزُ أنْ يَشرُطَ لِلعاملِ نِصفَ التَّمرِ، ورُبُعَ الزَّرعِ مثلًا.

وهُناكَ رَأْيٌ آخَرُ: يُشترَطُ؛ لأنَّ التَّفاضُلَ يُزيلُ التَّبعيَّةَ.

الأصَحُّ: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُخابِرَ تَبَعًا لِلمُساقاةِ؛ لِعَدَمِ وُرودِ ذلك؛ لأنَّ الوارِدَ في قِصَّةِ خَيبَرَ المُزارَعةُ، لا المُخابَرةُ.

وهُناكَ رَأْيٌ آخَرُ: يَجوزُ ذلك، كالمُزارَعةِ، بجامِعِ الحاجةِ.

وَهَذا على القَولِ بالفَرقِ بينَ المُزارَعةِ والمُخابَرةِ، أمَّا مَنْ جعلَهُما واحِدًا فلا يَمنَعُ ذلك.

وَإذا أُفرِدَتْ أرضٌ قِراحٌ، أو بَياضٌ مُتخلِّلٌ بينَ النَّخلِ أو العِنَبِ بالمُخابَرةِ، فالمَغلُ لِلعاملِ؛ لأنَّ الزَّرعَ يَتبَعُ البَذْرَ، وعليه لِلمالِكِ أُجرةُ مِثلِ الأرضِ.

وإنْ أُفرِدَتْ بالمُزارَعةِ فالمَغلُ لِلمالِكِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلكِه، وعليه لِلعاملِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه، وعَملِ دَوابِّه، وعَملِ ما يَتعَلَّقُ به ممَّا يَتعَلَّقُ به مِنْ آلاتِه، كالبَقَرِ، إنْ كانَتْ لَه، سَواءٌ حَصَلَ مِنْ الزَّرعِ شَيءٌ أو لا؛ أخْذًا مِنْ نَظيرِه في القِراضِ؛ وذلك لأنَّه لَم يَرْضَ ببُطلانِ مَنفعَتِه إلَّا لِيَحصُلَ له بَعضُ الزَّرعِ، فإذا لَم يَحصُلْ لَه، وانصَرَفَ كلُّ المَنفَعةِ إلى المالِكِ استَحقَّ الأُجرةَ.

وَلَو كانَ البَذْرُ مِنهما فالغَلَّةُ لَهُما، ولِكُلٍّ على الآخَرِ أُجرةُ ما انصَرَفَ مِنْ مَنافِعِه على حِصَّةِ صاحِبِه.

والحِيلةُ في إسقاطِ الأُجرةِ وأنْ تُجعَلَ الغَلَّةُ مُشترَكةً بينَ المالِكِ والعامِلِ في صُورةِ إفرادِ الأرضِ بالمُزارَعةِ، ولا أُجرةَ لِأحَدِهِما على الآخَرِ، تَحصُلُ بصُورَتَيْنِ:

إحداهُما: أنْ يَستَأجِرَ المالِكُ العامِلَ بنِصفِ البَذْرِ شائِعًا؛ لِيَزرَعَ له النِّصفَ الآخَرَ في الأرضِ، ويُعيرَه نِصفَ الأرضِ شائِعًا؛ لأنَّ العامِلَ استَحقَّ مِنْ مَنفَعةِ الأرضِ نَصيبَه مِنْ الزَّرعِ، واستَحقَّ المالِكُ بقَدْرِ نَصيبِه مِنْ الزَّرعِ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *

بابُ المُزَارَعةِ *

٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)

مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المزارعة
فصل في حكم المزارعة الفاسدة

مِنْهَا) : أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِصْلَاحِهِ فَعَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.

(وَمِنْهَا) : أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّرْعِ مِنْ السِّرْقِينِ وَقَلْعِ الْحَشَاوَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا، وَكَذَلِكَ الْحَصَادُ وَالْحَمْلُ إلَى الْبَيْدَرِ وَالدِّيَاسُ وَتَذْرِيَتُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِهِ الْمُزَارِعُ.

(وَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ صَحَّ فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .

(وَمِنْهَا) : أَنَّهَا إذَا لَمْ تُخْرِجُ الْأَرْضُ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا أَجْرُ الْعَمَلِ وَلَا أَجْرُ الْأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ أَوْ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا أَجْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ هُوَ الْمُسَمَّى وَهُوَ بَعْضُ الْخَارِجِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْخَارِجُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَالْوَاجِبُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ أَجْرُ مِثْلِ الْعَمَلِ فِي الذِّمَّةِ لَا فِي الْخَارِجِ، فَانْعِدَامُ الْخَارِجِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ الْفَرْقُ (وَمِنْهَا) : أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي جَانِبِ صَاحِبِ الْبَذْرِ لَازِمٌ فِي جَانِبِ صَاحِبِهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 147 - 150

ارجع إلى أركان المزارعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل