الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المساقاة وشروطها > الركن الخامس: العمل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالرُّكنُ الخامِسُ: العَملُ:
يُشترَطُ في العَملِ في المُساقاةِ ثَلاثةُ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ والثَّاني: أنْ يَنفَرِدَ العامِلُ بالعَملِ، وأنْ يُخَلِّيَ بَينَه وبَينَ الشَّجرِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ على أنَّه يُشترَطُ لِصِحَّةِ المُساقاةِ أنْ يَنفَرِدَ العامِلُ بالعَملِ، وأنْ يُخَلِّيَ المالِكُ بَينَه وبَينَ الشَّجرِ، ولا يَصحُّ اشتِراطُ عَملِ ربِّ الشَّجرِ مع العامِلِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ لِصِحَّةِ المُساقاةِ التَّسليمُ إلى العامِلِ، وهو التَّخليةُ، حتى لَو شَرَطا العَملَ عليهما، فَسَدَتْ؛ لِانعِدامِ التَّخليةِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لربِّ الحائِطِ أنْ يَقولَ لِشَخصٍ: «اسْقِ أنتَ وأنا في حائِطِي ولَكَ نِصفُ ثَمرَتِه» مثَلًا، إنَّما المُساقاةُ أنْ يُسَلِّمَ الحائِطَ إلَيه، قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وهو ممَّا لا اختِلافَ فيه أنَّ ذلك لا يَصلُحُ، ولأنَّ هذا على خِلافِ ما جاءَتْ به السُّنةُ؛ لأنَّ السُّنةَ إنَّما جاءَتْ بتَسليمِ الحائِطِ لِلعاملِ.
فَإنْ وقعَ وعَمِلَ فإنْ كانَ المُشتَرِطُ هُنا ربَّ الحائِطِ فلِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه لَمَّا اشترَطَ ربُّ الحائِطِ على العامِلِ أنْ يَعمَلَ هو معه ولَم يُسَلِّمْه الحائِطَ، فكَأنَّه آجَرَه على مُعاوَنَتِه في العَملِ على جُزءٍ مِنْ الثَّمرةِ.
وإنْ كانَ المُشتَرِطُ هو العامِلَ فلَه مُساقاةُ مِثلِه؛ لأنَّه لَمَّا سَلَّمَ له الحائِطَ
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٨٦)، و «الهندية» (٥/ ٢٧٧).
وكانَ المُشتَرِطُ العامِلَ، تَرجَّحَ جانِبُ المُساقاةِ دونَ الإجارةِ؛ فكانَ لِلعاملِ مُساقاةُ مِثلِه (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ لِصِحَّةِ المُساقاةِ أنْ يَنفَرِدَ العامِلُ بالعَملِ؛ لِيَتمكَّنَ مِنْ العَملِ متى شاءَ؛ فلَو شرطَ أنْ يَعمَلَ معه مالِكُ الأشجارِ فُسِخَ العَقدُ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لِوَضعِ المُساقاةِ، ولَو كانَ الشَّجرُ في يَدِ العامِلِ.
والقاعِدةُ: أنَّ كلَّ ما يَجِبُ على العامِلِ إذا شُرِطَ على المالِكِ يُفسِدُ العَقدَ، على الأصَحِّ، وقيلَ: يُفسِدُ الشَّرطَ فَقَطْ.
وَلَو شرطَا عَملَ غُلامِ المالِكِ معه بلا شَرطِ يَدٍ ولا مُشارَكةٍ في تَدبيرٍ؛ فإنَّه يَصحُّ على المَذهبِ المَنصوصِ، ولا بدَّ مِنْ مَعرِفَتِه بالرُّؤيةِ أوِ الوَصفِ، ونَفقَتُه على المالِكِ؛ بحُكمِ المِلْكِ، وإنْ شُرِطَتْ في الثَّمرةِ بغَيرِ تَقديرِ جُزءٍ مَعلومٍ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ ما يَبقَى يَكونُ مَجهولًا، أو شُرِطَتْ على العامِلِ وقُدِّرتْ، صَحَّ؛ لأنَّ العَملَ عليه؛ فلا يَبعُدُ أنْ تَلزَمه مُؤنةُ مَنْ يَعمَلُ مَعَه، وهو كاستِئجارِ مَنْ يَعمَلُ مَعَه، ولَو لَم يُقدَّرْ، صَحَّ أيضًا، والعُرفُ كافٍ؛ لأنَّه يُتَسامَحُ بمِثلِه في المُعامَلاتِ.
وَيُشترَطُ أيضًا أنْ يَنفَرِدَ العامِلُ باليَدِ في الحَديقةِ؛ ليَتمكَّنَ مِنْ العَملِ متى شاءَ، فلَو شرطَ كَونَها في يَدِ المالِكِ أو بيَدَيْهِما لَم يَصحَّ (٢).
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٢٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٣٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٤٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٥١)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٣٧٠).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٧٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٩٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٠٤)، و «الديباج» (٢/ ٤٤٩)، و «كفاية الأخيار» (٣٤٥، ٣٤٦).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الشركة
الركن الثالث في معرفة قدر العمل في شركة العنان
وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: تَشْبِيهُ الشَّرِكَةِ بِالْقِرَاضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ لَيْسَ يَجْعَلُ مُقَابِلَهُ إِلَّا عَمَلًا فَقَطْ; كَانَ فِي الشَّرِكَةِ أَحْرَى أَنْ يجْعَلَ لِلْعَمَلِ جُزْءا مِنَ الْمَالِ إِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ مَالًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَمَلًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ الرِّبْحِ مُقَابِلًا لِفَضْلِ عَمَلِهِ عَلَى عَمَلِ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعَمَلِ كَمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ في شركة العنان
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في ركن الإجارة ومعناها
نَفَى ﷾ الْجُنَاحَ عَمَّنْ يَسْتَرْضِعُ وَلَدَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِرْضَاعُ بِالْأُجْرَةِ، دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣ قِيلَ أَيْ الْأَجْرَ الَّذِي قَبِلْتُمْ، وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق: ٦ وَهَذَا نَصٌّ وَهُوَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَنْكِحُ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَهَذَا مِنْهُ ﷺ تَعْلِيمُ شَرْطِ جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ إعْلَامُ الْأَجْرِ فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
ارجع إلى أركان المساقاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.