الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المساقاة وشروطها > الركن الرابع: الثمار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةالرُّكنُ الرابعُ: الثِّمارُ:
ويُشتَرطُ فيها ما يَلي:
١ - أنْ يَشتَرِكا في الخارِجِ:
ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في المُساقاةِ أنْ يَكونَ الخارِجُ مِنْ الثِّمارِ بينَ العاقِدَيْنِ، فلَو شَرَطا أنْ يَكونَ لِأحَدِهِما فسَدَتِ المُساقاةُ؛ لأنَّ مَعنَى الشَّرِكةِ لازِمٌ لِهَذا العَقدِ، وكلُّ شَرطٍ يَكونُ قاطِعًا لِلشَّرِكةِ يَكونُ مُفسِدًا لِلعَقدِ.
وقالَ الشَّافِعيةُ: وفي استِحقاقِ الأُجرةِ عندَ شَرطِ الكلِّ لِلمالِكِ وَجهانِ: أصَحُّهُما: المَنعُ؛ لأنَّه عَمِلَ مَجَّانًا.
ذَهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ جَميعُ الثَّمرةِ لِلعاملِ أو لربِّ الحائِطِ؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يَترُكَ بَعضَ الثَّمرةِ بالعَملِ جازَ أنْ يَترُكَها كلَّها، ولأنَّ مِنْ الحَوائِطِ ما لَو اشترَطَ صاحِبُه مِنْ ثَمرَتِه شَيئًا لَم يَجِدْ مِنْ يُساقيه عليه، ولا يَقوَى هو على عَملِه، وإنْ تَركَه هَلَكَ، ومُساقاتُه كلِّه أنفَعُ له بعدَ اليَومِ، فعلى هذا تَكونُ مُساقاةً حَقيقةً، ويُجبَرُ العامِلَ على العَملِ أو يَستَأجِرُ مَنْ يَعمَلُ، إلَّا أنْ يَقومَ دَليلٌ على أنَّه أرادَ الهِبةَ لِقِلَّةِ المُؤنةِ وكَثرةِ الخَراجِ فلا يُجبَرُ على العَملِ ويَجري على أحكامِ الهِبةِ، ومتى أشكَلَ الأمْرُ حُمِلَا على المُعاوَضةِ (١).
(١) «المدونة الكبرى» (١٢/ ٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣١٦)، و «شرح ميارة» (٢/ ١٩١)، و «منح الجليل» (٧/ ٣٣٨)، و «التبصرة» (١٠/ ٤٦٩٢، ٤٦٩٣)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٧٧، ١٨٦)، و «الهندية» (٥/ ٢٣٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٨٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٠١)، و «الديباج» (٢/ ٤٤٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٢٨).
٢ - أنْ يَختَصَّ المالِكُ والعامِلُ بالخارِجِ، فلو شرطَ بَعضَ الثِّمارِ لِثالِثٍ فَسَد العَقدُ عندَ الشافِعيَّةِ (١).
٣ - أنْ تَكونَ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ منهما مِنْ بَعضِ الخارِجِ مَشاعًا مَعلومَ القَدْرٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ نَصيبُ كُلٍّ مِنْ المالِكِ والعامِلِ جُزءًا مَعلومًا مِنْ الثَّمرةِ مَشاعًا؛ كالنَّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ، ولا تَجوزُ مِنْ غيرِ الخارِجِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمرَ رضي الله عنهما قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (٢). وَسَواءٌ قَلَّ الجُزءُ أو كَثُرَ بلا خِلافٍ؛ لأنَّها مُبايَعةٌ، فجازَ أنْ تَكونَ مِنْ الرُّخصِ والغَلاءِ على ما يَتراضَيانِ عليه؛ لأنَّ الحَوائِطَ تَختَلِفُ في الأعمالِ، فمِنها ما يَقِلُّ تكَلُّفُه فيه فيَقِلُّ جُزؤُه، ومِنها ما يَكثُرُ تَعَبُه فيه فيَكثُرُ جُزؤُه.
فَلَو شرطَ لِلعاملِ جُزءًا مِنْ مِئةِ جُزءٍ، أو جعلَ جُزءًا مِنها لِنَفْسِه والباقيَ لِلعاملِ، جازَ ما تَراضَوْا عليه؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعدُوهُما ما لَم يكُنْ شَرطُهما لربِّ الشَّجرِ جُزءًا مِنْ مِئة جُزءٍ، والبقيَّةُ لِلعاملِ حِيلةً على بَيعِ الثَّمرِ قبلَ بُدُوِّ
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٨٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٠١)، و «الديباج» (٢/ ٤٤٨).
(٢) رواه البخاري (٢٢٠٣)، ومسلم (١٥٥١).
صَلاحِه؛ فلا يَصحُّ، كَما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ.
وإنْ عَقدَه على أجزاءٍ مَعلومةٍ؛ كالخَمسينَ، وثَلاثةِ أثمانٍ، أو سُدُسٍ ونِصفِ سُبُعٍ، ونَحوَ ذلك، جازَ.
وَلَو قالَ: «على أنَّها بَينَنا، أو على أنَّ نِصفَها لي، أو على أنَّ نِصفَها لَك» وسَكَتَ عن البَقيَّةِ صَحَّ، كَما نَصَّ على ذلك الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ.
وإنْ عَقدَ على جُزءٍ مُبهَمٍ؛ كالسَّهمِ والجُزءِ والنَّصيبِ والحَظِّ ونَحوِه بأنْ قالَ: «ساقَيْتُكَ على أنَّ لَكَ جُزءًا مِنْ الثَّمرةِ» فَسَدَتْ ولَم تَجُزْ؛ لأنَّه إذا لَم يكُنْ مَعلومًا لَم تَكُنِ القِسمةُ بَينَهما.
وَلَو ساقاه على آصُعٍ مَعلومةٍ، أو جعلَ مع الجُزءِ المَعلومِ آصُعًا لَم تَجُزْ؛ لأنَّه رُبَّما لَم يَحصُلْ ذلك، أو لَم يَحصُلْ غَيرُه، فيُضَرَّ ربُّ الشَّجرِ، أو رُبَّما كَثُرَ الحاصِلُ فيُضَرُّ العامِلُ.
وَكَذا إنْ شرطَ له ثَمرَ نَخلاتٍ بعَينِها لَم يَجُزْ؛ لأنَّها قد لا تَحمِلُ، فتَكونَ الثَّمرةُ كلُّها لربِّ المالِ، وقَد لا تَحمِلُ غَيرُها، فتَكونَ الثَّمرةُ كلُّها لِلعاملِ، ولِهَذِه العِلَّةِ نَهَى النَّبيُّ ﷺ عن المُزارَعةِ التي يُجعَلُ فيها لربِّ الأرضِ مَكانٌ مُعيَّنٌ، ولِلعاملِ مَكانٌ مُعيَّنٌ.
قالَ رافِعُ بنُ خَديجٍ رضي الله عنه: «كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ على أنَّ لنا هذه، وَلَهمْ هذه، فَربَّمَا أَخرَجَتْ هذه ولمْ تُخْرِجْ هذه؛ فنَهَانَا عن ذلك، وأَمَّا الوَرِقُ فلم يَنهَنَا» (١).
(١) رواه البخاري (٢٥٧٣)، ومسلم (١٥٤٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في ركن الإجارة ومعناها
نَفَى ﷾ الْجُنَاحَ عَمَّنْ يَسْتَرْضِعُ وَلَدَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِرْضَاعُ بِالْأُجْرَةِ، دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣ قِيلَ أَيْ الْأَجْرَ الَّذِي قَبِلْتُمْ، وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الطلاق: ٦ وَهَذَا نَصٌّ وَهُوَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَنْكِحُ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبِيعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَهَذَا مِنْهُ ﷺ تَعْلِيمُ شَرْطِ جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ إعْلَامُ الْأَجْرِ فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
ارجع إلى أركان المساقاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.