الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المساقاة وشروطها > المساقاة على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر (وهي المناصبة)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوالقِسمُ الثَّالث: أنْ يَجعَلَ المدَّةَ زَمنًا يَحتَمِلُ أنْ يَحمِلَ فيه، ويَحتَمِلُ ألَّا يَحمِلَ، وليسَ أحَدُهما أَظهَرَ؛ فلا يَصحُّ في الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في وَجهٍ، كَما لَو أسلَمَ في مَعدومٍ إلى وَقتٍ يَحتَمِلُ وُجودَه وعَدَمَه، ويَستَحقُّ الأُجرةَ وإنْ لَم تُثمِرْ؛ لأنَّه عَمِلَ طامِعًا.
وَمُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ ووَجهٌ لِلحَنابِلةِ أنَّه يَصحُّ؛ لأنَّ الثَمرَ مَرجُوٌّ، كالقِراضِ، فإنَّ الرِّبحَ مَرجُوٌّ لِلحُصولِ، فإنْ أثمَرَتِ استَحقَّ ما شُرِطَ لَه، وإنْ لَم تُثمِرْ لَم يَستَحقَّ شَيئًا (١).
المُساقاةُ على شَجرٍ يَغرِسُه ويَعمَلُ عليه حتى يُثمِرَ (وهي المُناصَبةُ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرجُلِ يَدفَعُ إلى آخَرَ شَجرًا صَغيرًا لِيَغرِسَه ويَعملَ عليه حتى يُثمِرَ بجُزءٍ مَشاعٍ مَعلومٍ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟
فذهبَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لَو دفعَ إلى آخَرَ وَدْيًا -أي: نَخلًا صَغيرًا- لِيَغرِسَه ويَكونَ الشَّجرُ أو ثَمرَتُه إذا أثمَرَ بَينَهما، لَم يَجُزْ؛ لأنَّ المُساقاةَ لَم تَرِدْ إلَّا على أصْلٍ ثابِتٍ، وهي رُخصةٌ لا تَتعدَّى مَورِدَها، ولأنَّ الغَرسَ لَيسَ مِنْ أعمالِ المُساقاةِ، فأشبَهَ ضَمَّ غيرِ التِّجارةِ إلى القِراضِ.
فَإذا عَمِلَ فلَه أُجرةُ مِثلِ عَملِه على المالِكِ إنْ تُوقِّعتِ الثَّمرةُ في المدَّةِ، وإلَّا فلا، في الأصَحِّ.
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٣٨٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٨٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٠٢، ٣٠٣)، و «الديباج» (٢/ ٤٤٨، ٤٤٩)، و «المغني» (٥/ ٢٣٨، ٢٣٩)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٥٦٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٢٧).
ولَه أُجرةُ الأرضِ أيضًا إنْ كانَت لَه، ولَو كانَ الغِراسُ لِلعاملِ، والأرضُ لِلمالِكِ، فلا أُجرةَ لَه، ويَلزَمُه أُجرةُ الأرضِ (١).
وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه إنْ سَاقاه على شَجرٍ يَغرِسُه ويَعمَلُ عليه حتى يُثمِرَ ويَكونَ له جُزءٌ مَشاعٌ مَعلومٌ مِنْ الثَّمرةِ أو مِنْ الشَّجرِ، أو مِنهما، وهي المُغارَسةُ والمُناصَبةُ، صَحَّ العَقدُ، قالَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةِ المَرُّوذيِّ في رَجُلٍ قالَ: «اغرِسْ في أرضي هذه شَجرًا، أو نَخلًا، فما كانَ مِنْ غَلَّةٍ فلَكَ بعَملِ كَذا وكَذا سَهمًا مِنْ كَذا وكَذا» فأجازَه بحَديثِ خَيبَرَ في الزَّرعِ والنَّخيلِ، ولأنَّ العَملَ وعِوَضَه مَعلومانِ، صَحَّتْ، كالمُساقاةِ على شَجرٍ مَوجودٍ.
لَكِنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ الغَرسُ مِنْ ربِّ الأرضِ، كَما يُشترَطُ في المُزارَعةِ كَوْنُ البَذرِ مِنْ ربِّ الأرضِ.
فَإنْ كانَ الغِراسُ مِنْ العامِلِ فصاحِبُ الأرضِ بالخِيارِ بينَ قَلعِه، ويَضمَنُ له نَقصَه، وبَينَ تَركِه في أرضِه ويَدفَعُ إلى العامِلِ قِيمةَ الغِراسِ؛ كالمُشتَرِي إذا غَرَسَ في الأرضِ التي اشتَراها، ثم جاءَ الشَّفيعُ فأخَذَها بالشُّفعةِ.
وَإنِ اختارَ العامِلُ قَلعَ شَجرِه فلَه ذلك، سَواءٌ بذلَ له صاحِبُ الأرضِ القِيمةَ أو لا؛ لأنَّه مِلْكُه؛ فلَم يُمنَعْ تَحويلُه.
وَإنِ اتَّفقَ صاحِبُ الأرضِ والعامِلُ على إبقاءِ الغِراسِ في الأرضِ، ودَفْعِ أُجرةِ الأرضِ، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَعدوهُما.
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٨٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٠٢)، و «الديباج» (٢/ ٤٤٨).
وَقيلَ: يَصحُّ كَونُ الغِراسِ مِنْ مُساقٍ ومُناصِبٍ، قالَ الشَّيخُ: وعليه العَملُ، وقالَ في «الإنصاف»: حُكمُه حُكمُ المُزارَعةِ، اختارَه المُصَنِّفُ أي: المُوفَّقُ، والشَّارِحُ، وابنُ رَزينٍ، وأبو مُحمَّدٍ الجَوزيُّ، والشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، والحاوي الصَّغيرُ، وجَزَم به ابنُ رَزينٍ في نِهايَته ونَظْمِها، قُلتُ: وهو أقوَى دَليلًا. انتَهَى (١).
وقالَ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: قالَ بِشرٌ عن أبي يُوسفَ: إنْ كانَ لِلشَّجرِ قِيمةٌ عندَ الغَرسِ لَم يَجُزْ، وإنْ لَم يكُنْ له قِيمةٌ جازَ، وقالَ مُحمَّدٌ رحمة الله عليه في «المُزارَعةُ الكَبيرُ»: هذا جائِزٌ في غَرسِ الشَّجرِ والنَّخلِ، على أنْ يَكونَ الجَميعُ بَينَهما نِصفَيْنِ، وكذلك أُصولُ الرَّطبةِ، وإنْ شرطَ الثَّمرةَ نِصفَيْنِ جازَ أيضًا على ما اشترَطا، والأُصولُ لِلغارِسِ (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: المُغارَسةُ هي أنْ يَدفَعَ الرجُلُ أرضَه لِمَنْ يَغرِسُ فيها شَجرًا، وهي على ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
الأولُ: إجارةٌ، وهو أنْ يَغرِسَ له بأُجرةٍ مَعلومةٍ.
الثَّاني: جُعلٌ، وهو أنْ يَغرِسَ له شَجرًا على أنْ يَكونَ له نَصيبٌ فيما يَنبُتُ مِنها خاصَّةً.
الثَّالث: مُتردِّدٌ بينَ الإجارةِ والجُعلِ، وهو أنْ يَغرِسَ له على أنْ يَكونَ له
(١) «المغني» (٥/ ٢٣٨، ٢٣٩)، و «المبدع» (٥/ ٤٨)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٧٠، ٤٧١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٢٧)، و «الروض المربع» (٢/ ٨٤).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٢٦، ٢٨).
نَصيبٌ مِنها كلِّها، ومِنَ الأرضِ، فيَجوزُ بخَمسةِ شُروطٍ:
أحَدُها: أنْ يَغرِسَ فيها أشجارًا ثابِتةَ الأُصولِ، دونَ الزَّرعِ والمَقاثيِّ والبُقولِ.
الثَّاني: أنْ تَتفِقَ أصنافُ الأجناسِ، أو تَتقارَبَ في مدَّةِ إطعامِها؛ فإنِ اختَلفَتِ اختِلافًا مُتبايِنًا لَم يَجُزْ.
الثَّالث: ألَّا يَضرِبَ لَها أجَلًا إلى سِنينَ كَثيرةٍ؛ فإنْ ضَرَبَ لَها أجَلًا إلى ما فَوقَ الإطعامِ لَم يَجُزْ، وإنْ كانَ دونَ الإطعامِ جازَ، وإنْ كانَ إلى الإطعامِ فقولانِ.
الرَّابِعُ: أنْ يَكونَ لِلعاملِ حَظُّه مِنْ الأرضِ والشَّجرِ؛ فإنْ كانَ له حَظُّه مِنْ أيٍّ منهما خاصَّةً، لَم يَجُزْ، إلَّا إنْ جعلَ له مع الشَّجرِ مَواضِعَها مِنْ الأرضِ دونَ سائِرِ الأرضِ.
الخامِسُ: ألَّا تَكونَ المُغارَسةُ في أرضٍ مُحَبَّسةٍ؛ لأنَّ المُغارَسةَ كالبَيعِ.
وَقالوا: يُمنَعُ في المُغارَسةِ والمُساقاةِ والمُزارَعةِ شَيئانِ:
الأولُ: أنْ يَشتَرِطَ أحَدُهما لنَفْسِه شَيئًا دونَ الآخَرِ، إلَّا اليَسيرَ.
الآخَرُ: اشتِراطُ السَّلفِ.
وإذا وقَعَتِ المُغارَسةُ فاسِدةً فلربِّ الأرضِ الخيارُ بينَ أنْ يُعطيَ المُستَأجِرَ قِيمةَ الغَرسِ، أو أنْ يَأمُرَه بقَلعِهِ (١).
(١) «القوانين الفقهية» (١٨٥، ١٨٦).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
ارجع إلى أركان المساقاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.