الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المساقاة وشروطها > ضرب مدة للمساقاة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةوَلا تُباعُ الثَّمرةُ بشَرطِ القَطعِ؛ لتَعذُّرِ قَطعِها لِلشُّيوعِ، إلَّا إنْ رَضيَ المالِكُ ببَيعِ الجَميعِ؛ فيَصحُّ البَيعُ.
وإنْ كانَ ذلك قبلَ خُروجِ الثَّمرةِ فلَه الفَسخُ، ولِلعاملِ أُجرةُ ما عَمِلَ.
وَكَذا يَستَأجِرُ الحاكِمُ أيضًا إذا كانَ العامِلُ حاضِرًا، وامتَنَعَ مِنْ العَملِ.
فَإنْ لَم يَقدِرِ المالِكُ على مُراجَعةِ الحاكِمِ إمَّا لِكَونِه فَوقَ مَسافةِ العَدْوَى، أو حاضِرًا، ولَم يُجِبْه إلى ما التَمَسَهُ؛ فليُشهِدْ على العَملِ بنَفْسِه، أو الإنفاقِ، إنْ أرادَ الرُّجوعَ بما يَعمَلُه أو يُنفِقُهُ؛ لأنَّ الإشهادَ حالَ العُذرِ كالحُكمِ، ويُصَرِّحُ في الإشهادِ بإرادةِ الرُّجوعِ، فإنْ لَم يَشهَدْ كَما ذُكِرَ فلا رُجوعَ لَه، وإنْ لَم يُمكِنْه الإشهادُ فلا رُجوعَ له أيضًا؛ لأنَّه عُذرٌ نادِرٌ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ومتى أُنفِقَ وأُشهِدَ ثم اختَلفَ المالِكُ والعامِلُ في قَدْرِ النَّفَقةِ، ففي المُصدَّقِ مِنهما احتِمالانِ لِلإمامِ، رَجَّحَ السُّبكيُّ مِنهما قَولَ المالِكِ. ولَم يُصَرِّحِ الشَّيخانِ بالمَسألةِ، وكَلامُهما في هَرَبِ الجِمالِ يَقتَضي تَصديقَ العامِلِ؛ فأنَّهما رَجَّحا قَبولَ قَولِ الجَمَّالِ، وعَلَّلاه بأنَّ المُنفِقَ لَم يَستَنِدْ إلى ائتِمانٍ مِنْ جِهةِ الحاكِمِ فيَكونُ هُنا كذلك (١).
ضَربُ مدَّةٍ لِلمُساقاةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُساقاةِ هَلْ يُشترَطُ أنْ يُضرَبَ لَها مدَّةٌ مُحَدَّدةٌ أو لا؟
وَهو مَبنيٌّ على الخِلافِ السَّابِقِ، هَلْ هي لَازِمةٌ أو جائِزةٌ، فمَن قالَ:
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٧٤، ٣٧٥) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٩٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١١)، و «الديباج» (٢/ ٤٥٢، ٤٥٣).
إنَّها عَقدٌ لَازِمٌ، قالَ: لا بدَّ مِنْ المدَّةِ، ومَن قالَ: إنَّها جائِزةٌ قالَ: لا يُشترَطُ لَها المدَّةُ؛ لأنَّه يَجوزُ لِكُلٍّ مِنهما أنْ يَفسَخَها متى شاءَ، وهي على التَّفصيلِ الآتي في كلِّ مَذهَبٍ.
قالَ الحَنفيَّةُ: القِياسُ في المُساقاةِ ألَّا تَصحَّ إلَّا بعدَ بَيانِ المدَّةِ؛ لأنَّها استِئجارُ العامِلِ ببَعضِ الخارِجِ، فكانَتْ إجارةً بمَنزِلةِ المُزارَعةِ، إلَّا أنَّها جازَتْ في الِاستِحسانِ بغَيرِ بَيانِ المدَّةِ؛ لِتَعامُلِ النَّاسِ على ذلك مِنْ غيرِ بَيانِ المدَّةِ، وتَقعُ على أوَّلِ جُزءٍ يَخرُجُ مِنْ الثَّمرةِ في أوَّلِ السَّنةِ؛ لأنَّ وَقتَ ابتِداءِ المُعامَلةِ مَعلومٌ؛ لأنَّ لِإدراكِ الثَمرَةَ وَقتًا مَعلومًا، وقَلَّما يَتفاوَتُ ويَدخُلُ فيها ما هو المُتيَقَّنُ، وإدراكُ البَذْرِ في أُصولِ الرَّطبةِ في هذا بمَنزِلةِ إدراكِ الثِّمارِ؛ لأنَّ له نِهايةً مَعلومةً؛ فلا يُشترَطُ بَيانُ المدَّةِ، بخِلافِ الزَّرعِ، لأنَّ ابتِداءَه يَختَلِفُ كَثيرًا خَريفًا وصَيفًا ورَبيعًا، ويَكونُ الِانتِهاءُ بِناءً عليه، فتَدخُلُه الجَهالةُ، وبِخِلافِ ما إذا دفعَ إليه غَرسًا قد عُلِّقَ، ولَم يَبلُغِ الثَّمرُ مُعامَلةً، حَيثُ لا يَجوزُ إلَّا ببَيانِ المدَّةِ؛ لأنَّه يَتفاوَتُ بقُوةِ الأراضي وضَعفِها تَفاوُتًا فاحِشًا، وبِخِلافِ ما إذا دفعَ نَخيلًا أو أُصولًا رَطبةً على أنْ يَقومَ عليها، أو أطلَقَ في الرَّطبةِ، تَفسُدُ المُعامَلةُ؛ لأنَّه لَيسَ لِذلك نِهايةٌ مَعلومةٌ؛ لأنَّها تَنمو ما تُرِكَتْ في الأرضِ، فجُهِلَتِ المدَّةُ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: يَجوزُ مُساقاةُ سِنينَ في عَقدٍ، ولَو كَثُرَتْ، ما لَم
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٨٠)، و «الهداية شرح البداية» (٤/ ٥٩)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٨٤)، و «العناية» (١٤/ ١١٩)، و «البحر الرائق» (٨/ ١٨٧)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ١٤٨).
تَكثُرْ جِدًّا، وما لَم يَختَلِفِ الجُزءُ في السِّنينِ، فإنِ اختَلفَ -بأنْ كانَ في سَنةٍ يُخالِفُ غيرَه في أُخرَى- لَم يَجُزْ.
وَإذا أُطلِقَتِ المُساقاةُ كانَتْ صَحيحةً، وتُحمَلُ على الجِدادِ، وإذا وُقِّتتْ فلا تُؤَقَّتُ إلَّا بالجِدادِ، ولا يَجوزُ تَوقيتُها شَهرًا ولا سَنةً مَحدودةً، وهي إلى الجِدادِ إذا لَم يُؤجِّلَا، كانَ الأجَلُ يَنقَضي قبلَ الجِدادِ أو بَعدَه؛ فهذا لا يَجوزُ؛ لأنَّه إنْ كانَ لا يَنقَضي إلَّا بعدَ الجِدادِ فهي زَائِدةٌ اشترَطَها العامِلُ على ربِّ الحائِطِ؛ لأنَّ ربَّ الحائِطِ يَعمَلُ في نَصيبِه؛ فلِهَذا لا تَجوزُ شَهرًا ولا سَنةً مَحدودةً.
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه في سَماعِ أشهَبَ: مَسألةٌ: وسَألتُه عن الذي ساقَى ثَلاثَ سِنينَ ألَيسَ ذلك مِنْ جِدادٍ إلى جِدادٍ؟ قالَ: بَلَى.
قالَ ابنُ رُشدٍ: هذا ممَّا لا اختِلافَ فيه أعلَمُه؛ لأنَّ السِّنينَ في المُساقاةِ إنَّما هي بالجِدادِ، لا بالأهِلَّةِ، بخِلافِ القُبالاتِ، التي إنَّما هي بالأهِلَّةِ، لا بالجِدادِ؛ فإنْ ساقاه السِّنينَ، واشترَطَ أحَدُهما على صاحِبِه الخُروجَ قبلَ الجِدادِ أو بَعدَه، رُدَّ في ذلك إلى مُساقاةِ مِثلِه. انتَهَى.
وقالَ اللَّخميُّ رحمة الله عليه: المُساقاةُ إلى السَنتَيْنِ والثَّلاثِ على وجهيْنِ، إنْ أُريدَ انقِضاءَ السَّقيِ بانقِضاءِ الثَّمرةِ التي تَكونُ في تلك السِّنينِ، جازَ، وإنْ كانَ القَصدُ التَّماديَ بالعَملِ إلى انقِضاءِ شُهورِ تلك السَّنةِ، وإنْ جُدَّتِ الثَّمرةُ لَم تَجُزْ، وكانَ العامِلُ في السِّنينِ الأُولَى على مُساقاةِ مِثلِه، وفي العامِ الأخيرِ مِنْ حينِ تُجَدُّ الثَّمرةُ إلى آخِرِ ذلك العامِ على إجارةِ مِثلِه. انتَهَى.
قالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: قُلتُ: فتحَصَّلَ مِنْ هذا أنَّ المَطلوبَ في المُساقاةِ أنْ تُؤَقَّتَ بالجِدادِ، سَواءٌ عَقداها لِعامٍ واحِدٍ، أو لِسِنينَ مُتعَدِّدةٍ؛ فإنْ عَقَداها وأطلَقا حُمِلَتْ على الجِدادِ، وعَلَى أنَّها لِعامٍ واحِدٍ، وإنْ عَقَداها لِسَنةٍ أو لسَنتَيْنِ وأطلَقا، حُمِلَتْ أيضًا على الجِدادِ، وإنْ أرادَ التَّحديدَ بالسَّنَةِ العَربيَّةِ أوِ السِّنينِ العَربيَّةِ لَم يَجُزْ، وتَفسُدُ المُساقاةُ بذلك. انتَهَى.
وَلَو كانَ هناك نَوعٌ يُطعِمُ في السَّنةِ بَطنَيْنِ يَتمَيَّزُ أحَدُهما مِنْ الآخَرِ، كَما في بَعضِ أجناسِ التِّينِ في بَعضِ بِلادِ المَغرِبِ، حُمِلَتِ المُساقاةُ -أي: انتِهاؤُها- على الأولِ مِنهما، إنْ لَم يُشترَطْ؛ فإنِ اشتُرِطَ الثَّاني جازَ، وأمَّا الجُمَّيزُ والنَّبقُ والتُّوتُ فإنَّ بُطونَه لا تَتميَّزُ؛ فلا بدَّ مِنْ انتِهاءِ الجَميعِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: ولا تَصحُّ المُساقاةُ إلى مدَّةٍ مَعلومةٍ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ، فلَو جازَ عَقدُها إلى غيرِ مدَّةٍ لَاستَحقَّها العامِلُ على الدَّوامِ، وهذا حُكمُ الأملاكِ.
إذا ثبَتَ هَذا: فإنْ ساقاه على نَخلٍ أو وَدْيٍ إلى مدَّةٍ يُحمَلُ فيها بحُكمِ الأغلَبِ صَحَّ؛ لأنَّ أكثَرَ ما فيه أنَّ العَملَ كَثيرٌ والنَّصيبَ قَليلٌ، وذلك لا يَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ، كَما لَو ساقاه على جُزءٍ مِنْ ألفِ جُزءٍ مِنْ الثَّمرةِ، فإنْ حَمَلَ النَّخلُ استَحقَّ العامِلُ ما شُرِط لَه، وإنْ لَم يَحمِلْ لِآفةٍ لَم يَستَحقَّ العامِلُ شَيئًا؛ لأنَّه في العَقدِ الصَّحيحِ لا يَستَحقُّ غيرَ ما شُرِطَ لَه.
(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٣٦٢، ٣٦٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٢٠)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٤٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٤٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٤٤٨)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣٢٠)، و «منح الجليل» (٧/ ٣٩٧).
وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ لا تَحمِلُ فيها في العادةِ، مثلَ أنْ كانَتْ تَحمِلُ إلى خَمسِ سِنينَ، فساقاه إلى أربَعِ سِنينَ لَم تَصحَّ؛ لأنَّ المَقصودَ في المُساقاةِ أنْ يَشتَرِكا في الثَّمرةِ، وذلك غيرُ مَوجودٍ في هذه المُساقاةِ.
فَإنْ عَمِلَ العامِلُ .. فهَل يَستَحقُّ الأُجرةَ؟
قالَ المَسعوديُّ رحمة الله عليه: إنْ كانَ العامِلُ لا يَعلَمُ أنَّها تَحمِلُ لِأوانِ تلك المدَّةِ استَحقَّ الأُجرة، وَجهًا واحِدًا، وإنْ كانَ يَعلَمُ أنَّها لا تَحمِلُ .. ففيه وَجهانِ:
قالَ المُزنِيُّ رحمة الله عليه: وعامَّةُ أصحابِنا: لا يَستَحقُّ؛ لأنَّه دخلَ على أنَّه لا يَأخُذُ في مُقابَلةِ عَملِه أُجرةً، فصارَ مُتطوِّعًا بالعَملِ.
وقالَ أبو العَبَّاسِ رحمة الله عليه: يَستَحقُّ أُجرةَ المِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ المُساقاةِ يَقتَضي عِوَضًا، فلا يَجوزُ أنْ يَخلُوَ مِنْ العِوَضِ، كالوَطءِ في النِّكاحِ.
وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ قد تَحمِلُ فيها، وقَد لا تَحمِلُ، وليسَ أحَدُهما بأوْلَى مِنْ الآخَرِ ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: تَصحُّ المُساقاةُ؛ لأنَّه ساقاه إلى مدَّةٍ قد تَحمِلُ فيها، فصَحَّ، كَما لَو ساقاه إلى مدَّةٍ قد تَحمِلُ فيها في الأغلَبِ.
فعلى هذا إذا عَمِلَ العامِلُ، فإنْ حَمَلَ النَّخلُ استَحقَّ العامِلُ ما شُرِطَ له مِنْ الثَّمرةِ، وإنْ لَم يَحمِلْ فلا أُجرةَ لَهُ؛ لأنَّ العَقدَ صَحيحٌ، فلا يَستَحقُّ غيرَ ما شُرِطَ لَه.
والآخَرُ: لا تَصحُّ المُساقاةُ؛ لأنَّ المُساقاةَ إنَّما تَصحُّ إلى مدَّةٍ تَحمِلُ فيها في الأغلَبِ، وهذه المدَّةُ لا تَحمِلُ فيها في الأغلَبِ.
فعلى هَذا: إذا عَمِلَ استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ، وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه لَم يَرضَ أنْ يَعمَلَ إلَّا بعِوَضٍ.
وأمَّا مدَّةُ عَقدِ المُساقاةِ ففِيها ثَلاثةُ أقوالٍ:
أحَدُها: لا تَجوزُ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ؛ لأنَّهما عَقدانِ على غَرَرٍ، فكانَ القياسُ يَقتَضي ألَّا تَصحَّ، وإنَّما حُكِمَ بصِحَّتِها لِلحاجةِ، والحاجةُ لا تَدعو إلى أكثَرَ مِنْ سَنةٍ؛ لأنَّ مَنافِعَ الأعيانِ تَتكامَلُ فيها.
والثَّاني: تَجوزُ ثَلاثينَ سَنةً، ولا يَجوزُ أكثَرُ مِنها؛ لأنَّها مدَّةٌ كَثيرةٌ، ولأنَّها نِصفُ العُمُرِ؛ لِقَولِه ﷺ: «أعمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ»؛ فالأشياءُ لا تَبقَى على حالةٍ واحِدةٍ أكثَرَ مِنها.
والثَّالث: يَجوزُ العَقدُ على كلِّ عَينٍ ما بَقِيتْ، قالَ العِمرانيُّ: وبِه قالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ، وهو الصَّحيحُ.
وإنْ ساقاه على أُصولِ سَنتَيْنِ فهَلْ يَجِبُ ذِكرُ قِسطِ كلِّ سَنةٍ؟ مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: فيه قولانِ، كالإجارةِ. ومِنهم مَنْ قالَ: يَجِبُ ذِكرُه، قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ الثِّمارَ تَختَلِفُ باختِلافِ السِّنينِ.
وإنْ ساقاه عَشْرَ سِنينَ، فانقَضَتِ العَشرُ، ثم طَلَعتِ الثَّمرةُ فلا حَقَّ لِلعاملِ فيها؛ لأنَّها حادِثةٌ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، وإنْ طَلَعتْ في آخِرِ العَشرِ ملكَ العامِلُ جُزءًا مِنها؛ لأنَّها حَدَثَتْ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَفتقِرُ عَقدُ المُساقاةِ إلى ضَربِ مدَّةٍ، ولِذلك لَم
(١) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٧/ ٢٥٤، ٢٥٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧٥).
يَضرِبِ النَّبيُّ ﷺ ولا خُلَفاؤُه رضي الله عنهم لِأهلِ خَيبَرَ مدَّةً مَعلومةً حينَ عامَلوهم.
وَلأنَّه عَقدٌ جائِزٌ فلَم يَفتقِرْ إلى ضَربِ مدَّةٍ، كالمُضارَبةِ وسائِرِ العُقودِ الجائِزةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا إنْ قُلْنا: إنَّه عَقدٌ لَازِمٌ، لا يَصحُّ إلَّا على مدَّةٍ مَعلومةٍ، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ أبو ثَورٍ: صَحَّ مِنْ غيرِ ذِكرِ مدَّةٍ، ويَقَعُ على سَنةٍ واحِدةٍ، وأجازَه بَعضُ أهلِ الكُوفةِ استِحسانًا؛ لأنَّه لَمَّا شرطَ له جُزءًا مِنْ الثَّمرةِ كانَ ذلك دَليلًا على أنَّه أرادَ مدَّةً تَحصُلُ الثَّمرةُ فيها.
ولَنا: أنَّه عَقدٌ لَازِمٌ فوجبَ تَقديرُه بمدَّةٍ، كالإجارةِ، ولأنَّ المُساقاةَ أشبَهُ بالإجارةِ؛ لأنَّها تَقتَضي العَملَ على العَينِ مع بَقائِها، ولأنَّها إذا وَقَعَتْ مُطلَقةً لَم يُمكِنْ حَملُها على إطلاقِها، مع لُزومِها؛ لأنَّه يُفضي إلى أنَّ العامِلَ يَستَبِدُّ بالشَّجرِ كلَّ مدَّتِه، فيَصيرُ كالمالِكِ، ولا يُمكِنُ تَقديرُه بالسَّنةِ؛ لأنَّه تحَكُّمٌ، وقَد تَكمُلُ الثَّمرةُ في أقَلَّ مِنْ السَّنةِ، فعلى هذا لا يُقدَّرُ أكثَرُ المدَّةِ، بَلْ يَجوزُ ما يَتَّفِقانِ عليه مِنْ المدَّةِ التي يَبقَى الشَّجرُ فيها؛ وإنْ طالَتْ.
وقد قيلَ: لا يَجوزُ أكثَرُ مِنْ ثَلاثينَ سَنةً، وهذا تحَكُّمٌ وتَوقيتٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بنَصٍّ أو إجماعٍ.
فَأمَّا أقَلُّ المدَّةِ فيُقدَّرُ بمدَّةٍ تَكمُلُ الثَّمرةُ فيها؛ فلا يَجوزُ على أقَلَّ مِنها؛ لأنَّ المَقصودَ أنْ يَشتَرِكا في الثَّمرةِ، ولا يُوجَدُ في أقَلَّ مِنْ هذه المدَّةِ؛ فإنْ ساقاه على مدَّةٍ لا تَكمُلُ فيها الثَّمرةُ فالمُساقاةُ فاسِدةٌ، فإذا عَمِلَ فيها فظَهرَتِ الثَّمرةُ ولَم تَكمُلْ فلَه أجْرُ مِثلِه في أحَدِ الوجهيْنِ، وفي الآخَرِ لا شَيءَ لَه؛ لأنَّه
رَضيَ بالعَملِ بغَيرِ عِوَضٍ؛ كالمُتبرِّعِ؛ فالأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا لَم يَرضَ إلَّا بعِوَضٍ، وهو جُزءٌ مِنْ الثَّمرةِ، وذلك الجُزءُ مَوجودٌ، غيرَ أنَّه لا يُمكِنُ تَسليمُه إلَيه، فلَمَّا تَعذَّرَ دَفعُ العِوَضِ الذي اتَّفَقا عليه إليه كانَ أجْرُه أجْرَ مِثلِه، كَما في الإجارةِ الفاسِدةِ، وفارَقَ المُتبرِّعَ؛ فإنَّه رَضيَ بغَيرِ شَيءٍ، وإنْ لَم تَظهَرِ الثَّمرةُ؛ فلا شَيءَ له في أصَحِّ الوجهيْنِ؛ لأنَّه رَضيَ بالعَملِ بغَيرِ عِوَضٍ.
وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ تَكمُلُ فيها الثَّمرةُ في الأغلَبِ فلَم تَحمِلْ تلك السَّنَةَ فلا شَيءَ لِلعاملِ؛ لأنَّه عَقدٌ صَحيحٌ لَم يَظهَرْ فيه النَّماءُ الذي اشتُرِطَ جُزؤُه، فأشبَهَ المُضارَبةَ إذا لَم يَربَحْ فيها، وإنْ ظَهرَتِ الثَّمرةُ ولَم تَكمُلْ فلَه نَصيبُه مِنها، وعليه إتمامُ العَملِ فيها، كَما لَو انفَسخَتْ قبلَ كَمالِها.
وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ يُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِلشَّجرِ ثَمرةٌ فيها، ويُحتَمَلُ ألَّا يَكونَ، ففي صِحَّةِ المُساقاةِ وَجهانِ:
أحَدُهما: تَصحُّ؛ لأنَّ الشَّجرَ يُحتَمَلُ أنْ يَحمِلَ، ويُحتَمَلُ ألَّا يَحمِلَ، والمُساقاةُ جائِزةٌ فيه.
والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَعدومٍ، لَيسَ وُجودُه الأغلَب، فلَم تَصحَّ؛ كالسَّلمِ في مِثلِ ذلك، ولأنَّ ذلك غَرَرٌ أمْكَنَ التحَرُّزُ عنه؛ فلَم يَجُزِ العَقدُ مَعَه، كَما لَو شرطَ ثَمرَ نَخلةٍ بعَينِها، وفارَقَ ما إذا شرطَ مدَّةً تَكمُلُ فيها الثَّمرةُ؛ فإنَّ الأغلَب أنَّ الشَّجرَ يَحمِلُ، واحتِمالُ ألَّا يَحمِلَ نادِرٌ، لَم يُمكِنِ التحَرُّزُ عَنه.
فَإنْ قُلْنا: «العَقدُ صَحيحٌ» فلَه حِصَّتُه مِنْ الثَّمرِ؛ فإنْ لَم يَحمِلْ فلا شَيءَ لَه.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
٨٨٦ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم بجزء معلوم، يجعل للعام
٨٨٦ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ: (وتَجُوزُ الْمُسَاقاةُ فِي النَّخْلِ والشَّجَرِ والكَرْمِ بجُزْءٍ مَعْلُومٍ، يُجْعَلُ للعامِلِ مِنَ الثَّمَرِ)
ارجع إلى أركان المساقاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.