الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المساقاة وشروطها > ما يلزم العامل في المساقاة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةوقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ رحمة الله عليه: والسُّنةُ في المُساقاةِ أنَّه يَجوزُ لربِّ الحائِطِ أنْ يَشتَرِطَ على العامِلِ شَدَّ الحِظارِ، وخَمَّ العَينِ -تَنقيَتَها-، وسِرْوَ الشُّربِ، وإبارَ النَّخلِ، وقَطعَ الجَريدِ، وجَدَّ الثَّمرِ وشِبْهَه، على أنَّ له شَطرَ الثَّمرِ، أو أقَلَّ، أو أكثَرَ، ما تَراضَيا عليه.
وَلا يَجوزُ له أنْ يَشتَرِطَ ابتِداءً عَملًا جَديدًا يُحدِثُه العامِلُ فيه مِنْ بِئرٍ يَحفِرُها أو حَظيرةٍ يَبنيها أو عَينٍ أو غِراسٍ يَغرِسُه، يَأتي بالأصلِ مِنْ عِندِه، وهذا كلُّه قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ (١).
ما يَلزَمُ العامِلَ في المُساقاةِ:
هُناكَ اختِلافٌ وتَفصيلٌ مِنْ مَذهَبٍ لِآخَرَ فيما يَجِبُ على العامِلِ عَملُه في المُساقاةِ، وما يَجوزُ أنْ يَشتَرِطَ عليه، وما لا يَجوزُ، وهي على التَّفصيلِ الآتي:
قالَ الحَنفيَّةُ: كلُّ ما كانَ مِنْ عَملِ المُساقاةِ ممَّا يَحتاجُ إليه الشَّجرُ، والكَرْمُ والرِّطابُ، وأُصولُ الباذِنجانِ، مِنْ السَّقْيِ وإصلاحِ النَّهَرِ، والحِفظِ، والتَّلقيحِ لِلنَّخلِ فعلى العامِلِ؛ لأنَّها مِنْ تَوابِعِ المَعقودِ عليه، فيَتَناوَلُه العَقدُ.
وَكلُّ ما كانَ مِنْ بابِ النَّفَقةِ على الشَّجرِ والكَرْمِ والأرضِ مِنْ السِّرقينِ وتَقليبِ الأرضِ -الَّتي فيها الكَرْمُ والشَّجرُ والرِّطابُ- ونَصْبِ العَرائِشِ، ونَحوِ ذلك؛ فعليهما على قَدْرِ حَقَّيهِما؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَتناوَلْه، لا مَقصودًا
(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٢٩) رقم (٣١٩٧).
ولا ضَرورةً، وكذلك الجِذاذُ والقِطافُ؛ لأنَّ ذلك يَكونُ بعدَ انتِهاءِ العَملِ، فلا يَكونُ مِنْ حُكمِ عَقدِ المُعامَلةِ.
وَقيلَ: كلُّ ما كانَ قبلَ الإدراكِ -كَسَقْيٍ وتَلقيحٍ وحِفظٍ- فعلى العامِلِ، وما بَعدَهُ -كَجِذاذٍ وحِفظٍ- عليهما، ولَو شُرِطَ على العامِلِ فَسَدَتِ اتِّفاقًا.
واشتِراطُ ما لا تَبقَى مَنفعَتُه بعدَ المدَّةِ على المُساقي؛ كالتَّلقيحِ، والتَّأبيرِ، والسَّقْيِ جائِزٌ.
وَما تَبقَى مَنفعَتُه بعدَ انقِضاءِ مدَّةِ المُساقاةِ؛ كَإلقاءِ السِّرقينِ، ونَصبِ العَرائِشِ، وغَرسِ الأشجارِ، وتَقليبِ الأرضِ، ونَحوِ ذلك، مُفسِدٌ لِلعَقدِ؛ لأنَّه لا يَقتَضيه العَقدُ، ولا هو مِنْ ضَرورياتِ المَعقودِ عليه ومَقاصِدِه.
كالعَملِ الذي بعدَ قِسمةِ الخارِجِ، كالحَملِ إلى البَيتِ، والطَّحنِ، وأشباهِهما، وهُما لَيسا مِنْ أعمالِها؛ فيَكونانِ عليهما، لَكِنْ فيما هو قبلَ القِسمةِ على الِاشتِراكِ، وفيما هو بَعدَها على كلِّ واحِدٍ مِنهما في نَصيبِه خاصَّةً؛ لتَميُّزِ مِلْكِ كلِّ واحِدٍ مِنهما عن مِلكِ الآخَرِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: ويَجِبُ على العامِلِ جَميعُ ما يَفتقِرُ الحائِطُ إليه عُرفًا، ولَو بَقيَ بعدَ مدَّةِ المُساقاةِ، ولا يُشترَطُ تَفصيلُه عندَ العَقدِ، بَلْ يُحمَلُ على العُرفِ، كَإبارٍ -وهو تَعليقُ طَلْعِ الذَّكَرِ على الأُنثَى-، وتَنقيةٍ لِمَنافِعِ الشَّجرِ، وتَقليمٍ لِلنَّخلِ وإزالةِ ما يَضُرُّ بالشَّجرِ مِنْ نَباتٍ وغَيرِه.
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٨٧)، و «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٦/ ٢٩١، ٢٩٢)، و «الهندية» (٥/ ٢٧٧).
وعلى العامِلِ إقامةُ الأدَواتِ كالدِّلاءِ والمَساحي، وكذلك الأُجَراءُ والدَّوابُّ، ويُنفِقُ العامِلُ مِنْ يَومِ عَقدِ المُساقاةِ على مَنْ في الحائِطِ مِنْ رَقيقٍ وأُجَراءَ ودَوابٍّ وكَسا مَنْ يَحتاجُ لِلكِسوةِ؛ سَواءٌ كانوا في الحائِطِ لربِّه قبلَ عَقدِ المُساقاةِ، أو أتَى بهمُ العامِلُ فيه بَعدَه.
وَعليه بَدَلُ ما رَثَّ فيها مِنْ دِلاءٍ وحِبالٍ، في الأصَحِّ، وقيلَ: على ربِّ الحائِطِ.
وعلى العامِلِ الجِدادُ والحَصادُ وتَيبيسُ الثَّمرةِ، والدِّراسُ.
قالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: قالَ في «المُدوَّنة»: ووَجْهُ العَملِ في المُساقاةِ أنَّ جَميعَ العَملِ والنَّفَقةِ وجَميعَ المُؤنةِ على العامِلِ، وإنْ لَم يُشترَطْ ذلك عليه، انتَهَى.
يُريدُ جَميعَ الذي تَفتقِرُ إليه الثَّمرةُ، ويُقطَعُ بانقِطاعِها، أو يَبقَى منه بَعدَها شَيءٌ يَسيرٌ.
قالَ في «المُقدِّمات»: عَملُ الحائِطِ إنْ لَم يَتعَلَّقْ بإصلاحِ الثَّمرةِ لَم يَلزَمِ العامِلَ، ولا يَصحُّ أنْ يُشترَطَ عليه منه إلَّا اليَسيرَ، يَعني: كَسَدِّ الحَظيرةِ، وإصلاحِ الظَّفيرةِ.
قالَ: وإنْ تَعلّقَ بإصلاحِ الثَّمرةِ وكانَ يَنقَطِعُ بانقِطاعِها، أو يَبقَى بَعدَها شَيءُ يَسيرٌ، فهذا يَلزَمُ المُساقي، وذلك كالحَفرِ، والسَّقْيِ، وزَبْرِ الكُرومِ، وتَقليمِ الشَّجرِ، والتَّسريبِ، والتَّسديدِ، وصَلاحِ مَواضِعِ السَّقْيِ، والتَّذكيرِ، والجِدادِ، وما أشبَهَ ذلك.
قالَ: وإنْ كانَ يَتأبَّدُ ويَبقَى بعدَ الثَّمرةِ؛ كَإنشاءِ حَفرِ بِئرٍ، أو إنشاءِ ظفيرةٍ، أو إنشاءِ غِراسٍ، أو بِناءِ بَيتٍ تُجْنَى فيه الثَّمرةُ؛ كالجَرينِ وما أشبَهَ ذلك، فلا يَلزَمُ العامِلَ، ولا يَجوزُ اشتِراطُ ذلك عليه عندَ المُساقاةِ. انتَهَى (١).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فلَهم تَفصيلٌ أيضًا في هَذا، وبَيانُهُ:
عَلَى العامِلِ ما يَحتاجُ إليه لِصَلاحِ المُثمِرِ واستَزادَتِه، ممَّا يَتكرَّرُ كلَّ سَنةٍ؛ كَسَقْيٍ، وتَنقيةِ نَهَرٍ، وإصلاحِ الأجاجينِ -الَّتي يثبُتُ فيها الماءُ-، وتَلقيحٍ، وتَنحيةِ حَشيشٍ، وقُضبانٍ مُضِرَّةٍ، وتَعريشٍ جَرَتْ به العادةُ، وكَذا حِفظُ الثَّمرِ، وجِذاذُه، وتَجفيفُه في الأصَحِّ.
وَما قُصِدَ به حِفظُ الأصلِ ولا يَتكرَّرُ كلَّ سَنةٍ؛ كَبِناءِ الحِيطانِ، وحَفرِ نَهَرٍ جَديدٍ، فعلى المالِكِ.
وأمَّا ما يَصحُّ اشتِراطُه على العامِلِ وما لا يَصحُّ فقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وكلُّ ما كانَ فيه مُستَزادٌ في التَّمرِ مِنْ إصلاحِ الماءِ وطَريقِه وتَصريفِ الجَريدِ وإبارِ النَّخلِ وقَطعِ الحَشيشِ المُضِرِّ بالنَّخلِ ونَحوِه، جازَ شَرطُه على العامِلِ، فأمَّا شَدُّ الحِظارِ فليسَ فيه مُستَزادٌ ولا صَلاحٌ في الثَّمرةِ، فلا يَجوزُ شَرطُه على العامِلِ.
(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٣٥٩، ٣٦٠)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٨٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣١٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٢٩، ٢٣٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٨، ٥٣٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٤٤، ٤٤٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٤٤٥)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣١٨).
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ العَملَ المَشروطَ في المُساقاةِ على أربَعةِ أضرُبٍ:
أحَدُها: ما يَعودُ نَفْعُه على الثَّمرةِ دونَ النَّخلِ.
والثَّاني: ما يَعودُ نَفْعُه على النَّخلِ دونَ الثَّمرةِ.
والثَّالث: ما يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ والثَّمرةِ.
والرَّابِعُ: ما لا يَعودُ نَفعُه على الثَّمرةِ، ولا على النَّخلِ.
فَأمَّا الضَّربُ الأولُ: وهو ما يَعودُ نَفعُه على الثَّمرةِ دونَ النَّخلِ فمِثلُ إبارِ النَّخلِ، وتَصريفِ الجَريدِ، وتَلقيحِ الثَّمرةِ، ولِقاطِها رُطَبًا، وجِدادِها تَمرًا؛ فهذا الضَّربُ يَجوزُ اشتِراطُه على العامِلِ، ويَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ كما يَلي:
أ- قِسمٌ يَجِبُ عليه فِعلُه مِنْ غيرِ شَرطٍ، وهو كلُّ ما لا تَحصُلُ الثَّمرةُ إلَّا بهِ؛ كالتَّلقيحِ والإبارِ.
ب- وقِسمٌ لا يَجِبُ عليه فِعلُه إلَّا بالشَّرطِ، وهو كلُّ ما فيه مُستَزادٌ لِلثَّمرةِ، وقَد تَصلُحُ بعَدَمِه، كَتَصريفِ الجَريدِ وتَدْليةِ الثَّمرةِ.
ج- قِسمٌ مُختَلفٌ فيه، وهو كلُّ ما تَكامَلَتِ الثَّمرةُ قَبلَهُ؛ كاللِّقاطِ، والجِدادِ، ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: أنَّه لا يَجِبُ على العامِلِ إلَّا بشَرطٍ؛ لِتَكامُلِ الثَّمرةِ بعَدَمِه.
والوَجهُ الآخَرُ: أنَّه واجِبٌ على العامِلِ بغَيرِ شَرطٍ؛ لأنَّ الثَّمرةَ لا تَستَغني عنه، وإنْ تَكامَلَتْ قَبلَه.
وأمَّا الضَّربُ الثَّاني: وهو ما يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ دونَ الثَّمرةِ، فمِثلُ سَدِّ الحَظائِرِ، وحَفرِ الآبارِ، وشَقِّ السَّواقي، وكَرْيِ الأنهارِ. فكلُّ هذا ممَّا يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ دونَ الثَّمرةِ، فلا يَجوزُ اشتِراطُ شَيءٍ مِنْ ذلك على العامِلِ، وكَذا ما شاكَلَه مِنْ عَملِ الدَّواليبِ، وإصلاحِ الزَّرانيقِ؛ فإنْ شرطَ ربُّ المالِ على العامِلِ شَيئًا ممَّا ذَكَرْنا، كانَ الشَّرطُ باطِلًا، وكانَتِ المُساقاةُ فاسِدةً، وقالَ بَعضُ أصحابِنا: يَبطُلُ الشَّرطُ، وتَصحُّ المُساقاةُ؛ حَملًا على الشُّروطِ الزَّائِدةِ في الرَّهنِ، تَبطُلُ ولا يَبطُلُ مَعَها الرَّهنُ في أحَدِ القوليْنِ، وهذا خَطَأٌ؛ لأنَّ عُقودَ المُعاوَضاتِ إذا تَضَمَّنَتْ شُروطًا فاسِدةً بَطَلَتْ؛ كالشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ، والإجارةِ، واللَّهُ أعلمُ.
وأمَّا الضَّربُ الثَّالث: وهو ما يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ والثَّمرةِ؛ كالسَّقيِ، والإثارةِ، وقَطعِ الحَشيشِ المُضِرِّ بالنَّخلِ … ، إلى ما جَرَى هذا المَجرَى ممَّا فيه صَلاحُ النَّخلِ ومُستَزادٌ في الثَّمرةِ؛ فهذا على ضَربيْنِ:
أحَدُهما: ما لا تَصلُحُ الثَّمرةُ إلَّا به، كالسَّقْيِ فيما لا يَشرَبُ بعُروقِه مِنْ النَّخلِ حتى يُسقَى سَيْحًا، فهو على العامِلِ كَنَخلِ البَصرةِ، فهو وغَيرُه مِنْ شُروطِ هذا الفَصلِ سَواءٌ، وهو الضَّربُ الثَّاني في هَذَيْنِ الضَّربيْنِ، وفيه لِأصحابِنا ثَلاثةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّه واجِبٌ على العامِلِ بالعَقدِ نَفْسِه، واشتِراطُه عليه تَأكيدٌ، لِمَا فيه مِنْ صَلاحِ النَّخلِ وزيادةِ الثَّمرةِ.
والوَجهُ الثَّاني: أنَّه واجِبٌ على ربِّ النَّخلِ، واشتِراطُه على العامِلِ مُبطِلٌ لِلعَقدِ؛ لأنَّه بصَلاحِ النَّخلِ أخَصُّ منه بصَلاحِ الثَّمرةِ.
والوَجهُ الثَّالث: أنَّه يَجوزُ اشتِراطُه على العامِلِ؛ لِمَا فيه مِنْ زِيادةِ الثَّمرةِ، ويَجوزُ اشتِراطُه على ربِّ النَّخلِ؛ لِمَا فيه مِنْ صَلاحِ النَّخلِ؛ فلَم يَتنافَ الشَّرطانِ فيهِ؛ فإنْ شرطَه على العامِلِ لَزِمَه، وإنْ شُرِطَ على ربِّ النَّخلِ لَزِمَه، وإنْ أُعقِلَ لَم يَلزَمْ أحَدًا مِنهما، أمَّا العامِلُ فلأنَّه لا يَلزَمُه إلَّا ما كانَ مِنْ مُوجِباتِ العَقدِ، أو مِنْ شُروطِه، وأمَّا ربُّ النَّخلِ فلأنَّه لا يُجبَرُ على تَثميرِ مالِه.
وأمَّا الضَّربُ الرَّابِعُ: وهو ما لا يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ ولا على الثَّمرةِ فهو كاشتِراطِه على العامِلِ أنْ يَبنيَ له قَصرًا، أو يَخدُمَه شَهرًا، أو يَسقيَ له زَرعًا، فهذه شُروطٌ تُنافِي العَقدَ، وتَمنَعُ مِنْ صِحَّتِه؛ لأنَّه لا تَعلّقَ لَها به، ولا تَختَصُّ بشَيءٍ في مَصلَحَتِه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَلزَمُ العامِلَ بإطلاقِ عَقْدِ المُساقاةِ ما فيه صَلاحُ الثَّمرةِ وزيادَتُها، مثلَ حَرثِ الأرضِ تَحتَ الشَّجرِ، والبَقَرِ التي تَحرُثُ، وآلةِ الحَرثِ، وسَقْيِ الشَّجرِ، واستِقاءِ الماءِ، وإصلاحِ طُرُقِ الماءِ وتَنقيَتها، وقَطعِ الحَشيشِ المُضِرِّ والشَّوكِ، وقَطعِ الشَّجرِ اليابِسِ، وزِبارِ الكَرْمِ، وقَطعِ ما يَحتاجُ إلى قَطعِه، وتَسويةِ الثَّمرةِ، وإصلاحِ الأجاجينِ، وهي الحُفَرُ التي يَجتَمِعُ فيها الماءُ على أُصولِ النَّخلِ، وإدارةِ الدُّولابِ، والحِفظِ لِلثَّمرِ في الشَّجرِ وبَعدَه، حتى يُقَسَّمَ، وإنْ كانَ ممَّا يُشَمَّسُ فعليه تَشميسُه.
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٣٧٠، ٣٧١)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٧٧، ٧٧٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٧٢، ٣٧٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٠٧، ٣٠٩)، و «الديباج» (٢/ ٤٥١، ٤٥٢).
وعلى ربِّ المالِ ما فيه حِفظُ الأصلِ؛ كَسَدِّ الحِيطانِ وإنشاءِ الأنهارِ وعَملِ الدُّولابِ وحَفرِ بِئرِه وشِراءِ ما يُلقَّحُ به.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وعَبَّرَ بَعضُ أهلِ العِلمِ عن هذا بعِبارةٍ أُخرَى، فقالَ: «كلُّ ما يَتكرَّرُ كلَّ عامٍ فهو على العامِلِ، وما لا يَتكرَّرُ فهو على ربِّ المالِ»، وهذا صَحيحٌ في العَملِ، فأمَّا شِراءُ ما يُلقَّحُ به فهو على ربِّ المالِ، وإنْ تكَرَّرَ؛ لأنَّ هذا لَيسَ مِنْ العَملِ.
فَأمَّا البَقَرةُ التي تُديرُ الدُّولابَ، فقالَ أصحابُنا: هي على ربِّ المالِ؛ لأنَّها لَيسَتْ مِنْ العَملِ، فأشبَهَتْ ما يُلقَّحُ به، والأَوْلَى أنَّها على العامِلِ؛ لأنَّها تُرادُ لِلعَملِ؛ فأشبَهَتْ بَقَرَ الحَرثِ، ولأنَّ استِقاءَ الماءِ على العامِلِ إذا لَم يَحتَجْ إلى بَهيمةٍ، فكانَ عليه، وإنِ احتاجَ إلى بَهيمةٍ كَغَيرِه مِنْ الأعمالِ.
فَأمَّا تَسميدُ الأرضِ بالزِّبلِ إنِ احتاجَتْ إلَيهِ، فشِراءُ ذلك على ربِّ المالِ؛ لأنَّه لَيسَ مِنْ العَملِ، فجَرَى مَجرَى ما يُلقَّحُ به، وتَفريقُ ذلك في الأرضِ على العامِلِ؛ كالتَّلقيحِ.
وإنْ أطلَقا العَقدَ ولَم يُبيِّنا ما على كلِّ واحِدٍ مِنهما فعلى كلِّ واحِدٍ مِنهما ما ذَكَرْنا أنَّه عليه، وإنْ شرطَا ذلك كانَ تَأكيدًا.
وإنْ شرطَا على أحَدِهِما شَيئًا ممَّا يَلزَمُ الآخَرَ، فقالَ القاضي وأبو الخطَّابِ: لا يَجوزُ ذلك، فعلى هذا تَفسُدُ المُساقاةُ؛ لأنَّه شَرطٌ يُخالِفُ مُقَتَضَى العَقدِ، فأفسَدَهُ، كالمُضارَبةِ، إذا شُرِطَ العَملُ فيها على ربِّ المالِ.
وقد رُويَ عن أحمدَ ما يَدلُّ على صِحَّةِ ذلك؛ فإنَّه ذكرَ أنَّ الجِذاذَ عليهما؛ فإنْ شرطَه على العامِلِ جازَ، وهذا مُقتَضَى كَلامِ الخِرَقيِّ في
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
ارجع إلى أركان المساقاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.