أنواع من الأجير المشترك

الإسلام > الشركات والإجارات > أقسام الأجراء > أنواع من الأجير المشترك

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 38 دقيقة قراءة

أنواع من الأجير المشترك - الأقوال والأدلة

أنواعٌ مِنْ الأجيرِ المُشترَكِ:

الحَجَّامُ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الحِجامةَ جائِزةٌ، قالَ ابنُ تَيميَّةَ: التَّداوي بالحِجامةِ جائِزٌ؛ بالسُّنةِ المُتواتِرةِ، وباتِّفاقِ العُلماءِ (١).

إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على الحِجامةِ، هَلْ يَجوزُ أخْذُها أو يُكرَه؛ لأنَّه دَنيءٌ؛ أو يَحرُمُ؛ لأنَّه خَبيثٌ؟

فذهبَ القاضي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يُباحُ أجْرُ الحَجَّامِ، وذُكِرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في مَواضِعَ، وقالَ: أُعطيَ شَيئًا مِنْ غيرِ عَقدٍ، ولا شَرطٍ، فلَه أخْذُه، ويَصرِفُه في عَلَفِ دَوابِّه وطُعمةِ عَبيدِه ومُؤنةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ له أكْلُه؛ لِحَديثِ رافِعِ بنِ خَديجٍ رضي الله عنه عن رَسولِ اللَّهِ قالَ: «ثَمنُ الكَلْبِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» (٢)، والخَبيثُ عِبارةٌ عن الحَرامِ (٣).

وعن أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «إنَّ مِنْ السُّحتِ كَسْبَ الحَجَّامِ» (٤).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٩٤).
(٢) رواه مسلم (١٥٦٨).
(٣) «شرح الزركشي» (٢/ ١٨٩، ١٩٠)، و «المبدع» (٥/ ٩٢)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٤٣)، و «فتح الباري» (٤/ ٤٥٩).
(٤) رواه الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٢٩).

وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «قد حرَّمَ رَسولُ اللَّهِ كَسْبَ الحَجَّامِ» (١).

وعن عَوْنِ بنِ أبي جُحيْفَةَ أنَّه قال: «قَدِ اشترَى أبي حَجَّامًا، فكَسَرَ محَاجِمَهُ، فقُلْتُ له: يا أبَتِ، لِمَ كَسَرْتَهَا؟ فقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عن ثَمنِ الدَّمِ» (٢).

وذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الحِجامةِ مع الكَراهةِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لِمَا ثبَتَ في الصَّحيحَيْنِ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبِيَّ «احتَجَمَ وَأَعطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ» (٣)، وفي لَفظِ مُسلِمٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «حَجَمَ النَّبِيَّ عَبدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ فَأَعطَاهُ النَّبِيُّ أجْرَهُ، وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عنه مِنْ ضَريبَتِه، ولَوْ كانَ سُحْتًا لَم يُعْطِهِ النَّبِيُّ » (٤)، وقالوا: هذا الحَديثُ ناسخٌ لِمَنعِه وتَحريمِه ونَهْيِه عن كَسبِ الحَجَّامِ (٥).

وعن حُمَيْدٍ الطَّويلِ أنَّه قالَ: سُئِلَ أنَسٌ عن كَسْبِ الحَجَّامِ، فقالَ: «احتَجَمَ رَسولُ اللَّهِ ، حَجَمَهُ أبو طَيبَةَ الحَجَّامُ، فأَمَرَ له

(١) رواه الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٢٩).
(٢) رواه الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٢٩).
(٣) رواه البخاري (٥٣٦٧)، ومسلم (١٢٠٢).
(٤) رواه مسلم (١٢٠٢).
(٥) «الاستذكار» (٦/ ٤٣١).

رَسولُ اللَّهِ بصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وكَلَّمَ مَوَالِيَهُ لِيُخفِّفُوا عنه مِنْ غَلَّتِه شَيئًا، فَفَعَلوا ذلك» (١).

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: هذا يَدلُّ على أنَّ كَسبَ الحَجَّامِ طَيِّبٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ لَا يَجعَلُ ثَمنًا ولا جُعلًا ولا عِوضًا لِشَيءٍ مِنْ الباطِلِ، وحَديثُ أنَسٍ هذا ناسِخٌ لِمَا حرَّمَه النَّبِيُّ مِنْ ثَمنِ الدَّمِ، وناسِخٌ لِمَا كَرِهَه مِنْ إجارةِ الحَجَّامِ (٢).

وعن مُحمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ عن مُحَيِّصَةَ بنِ مَسعودٍ الأَنْصَاريِّ: «أنَّه قد كانَ له غُلامٌ حَجَّامٌ، يُقالُ له: نافِعٌ، وأبو طَيبَةَ، فَانطَلَقَ إلى رَسولِ اللَّهِ ، فسَأَلَهُ عن خَرَاجِهِ، فقالَ: لا تَقْرَبَنَّهُ. فرَدَّ ذلك على رَسولِ اللَّهِ ، فقالَ: اعْلِفْ بهِ النَّاضِحَ، اجعَلُوهُ في كِرشِهِ».

وعنِ ابنِ شِهابٍ عن حَرَامِ بنِ سَعدِ بنِ مُحيِّصَةَ عن المُحَيِّصَةِ، -رَجُلٌ مِنْ بَنِي حارِثَةَ- أنَّه: «قد كانَ له حَجَّامٌ، واسْمُ الرجُلِ المُحَيِّصَةُ، سأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عن ذلك، فنَهَاهُ أنْ يَأْكُلَ كَسْبَهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، فلَم يَزَلْ يُراجِعُهُ حتى قالَ له رَسولُ اللَّهِ : اعْلِفْ كَسْبَهُ ناضِحَكَ، وأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ» (٣)؛ فَفي هذه الآثارِ إباحةُ كَسْبِ الحَجَّامِ.

قالَ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: فدَلَّ ما ذَكَرْنا على أنَّ ما كانَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ

(١) رَواه الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٣١).
(٢) «التمهيد» (٢/ ٢٢٤)، و «الاستذكار» (٨/ ١٥١)، و «تفسير القرطبي» (٦/ ١٨٤).
(٣) رَواه الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٣١).

في ذلك مِنْ الإباحةِ في هَذا؛ إنَّما كانَ بَعدَما نَهاه عنه نَهيًا عامًّا مُطلَقًا، على ما في الآثارِ الأُوَلِ، وفي إباحةِ النَّبيِّ أنْ يُطعِمَه الرَّقيقَ أوِ النَّاضِحَ دَليلٌ على أنَّه لَيسَ بحَرامٍ، ألَا تَرى أنَّ المالَ الحَرامَ الذي لا يَحِلُّ أكْلُه لا يَحِلُّ له أنْ يُطعِمَه رَقيقَه، ولا ناضِحَه؛ لأنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ في الرَّقيقِ: «أطعِموهم ممَّا تَأكُلونَ»، فلَمَّا ثبَتَ إباحةُ النَّبيِّ لِمُحَيِّصَةَ أنْ يَعلِفَ ذلك ناضِحَه، ويُطعِمَ رَقيقَه مِنْ كَسْبِ حِجامِه، دَلَّ ذلك على نَسخِ ما تَقدَّمَ مِنْ نَهْيِه عن ذلك، وثبَتَ حِلُّ ذلك له ولِغَيرِه، وهذا قولُ أبي حَنيفَةَ، وأبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ رَحمةُ اللَّهِ عليهم، وهذا هو النَّظَرُ عِندَنا أيضًا؛ لأنَّا قد رَأيْنا الرجُلَ يَستَأجِرُ الرجُلَ يَفصِدُ له عَرقًا، أو يَبزُغُ له حِمارًا، فيَكونُ ذلك جائِزًا، والِاستِئجارُ على ذلك جائِزٌ؛ فالحِجامةُ أيضًا كذلك، وقَد رُوِي في ذلك أيضًا عَمن بعدَ رَسولِ اللَّهِ عن موسَى بنِ عَلِيِّ بنِ رَباحٍ اللَّخميِّ عن أبيه قالَ: كُنْتُ عندَ عَبدِ اللَّهِ بنِ العَبَّاسِ رضي الله عنهما، فأتَتْهُ امرَأةٌ، فقالَتْ لَهُ: إنَّ لي غُلامًا حَجَّامًا، وإنَّ أهلَ العِراقِ يَزعُمونَ أنِّي آكُلُ ثَمنَ الدَّمِ. فقالَ لَها عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ كَذَبوا، إنَّما تَأكُلِينَ خَراجَ غُلامِكِ.

وَعَنْ رَبيعةَ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمَنِ: الرَّأيُ أنَّ الحَجَّامِينَ قد كانَ لَهُمْ سُوقٌ على عَهدِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ.

وَعَنْ يَحيَى بنِ سَعيدٍ الأنصاريِّ: «إنَّ المُسلِمينَ لَم يَزالوا مُقِرِّينَ بأجْرِ الحِجامةِ، ولا يُنكِرونَها» (١).

(١) رَواه الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٣١، ١٣٢)، ويُنْظر: «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٢).

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: حَديثُ رَافِعِ بنِ خَديجٍ رضي الله عنه عن رَسولِ اللَّهِ قالَ: «ثَمنُ الكَلْبِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» (١)، قالَ: هذا الحَديثُ لا يَخلو أنْ يَكونَ مَنسوخًا منه كَسْبُ الحَجَّامِ بحَديثِ أنَسٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، والإجماعِ على ذلك، أو يَكونَ على جِهةِ التَّنَزُّهِ، كَما ذَكَرْنا، وليسَ في عَطفِ ثَمنِ الكَلبِ ومَهْرِ البَغِيِّ عليه ما يَتعلَّقُ به في تَحريمِ كَسْبِ الحَجَّامِ؛ لأنَّه قد يُعطَفُ الشَّيءُ على الشَّيءِ وحُكمُه مُختَلِفٌ (٢).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولا بَأْسَ بكَسْبِ الحَجَّامِ؛ فإنْ قيلَ: فما مَعنَى نَهْيِ النَّبيِّ السَّائِلَ عن كَسْبِه وإرخاصِه في أنْ يُطعِمَه رَقيقَه وناضِحَهُ؟ قيلَ: لا مَعنَى له إلَّا واحِدٌ، وهو أنَّ لِلمَكاسِبِ حَسَنًا ودَنيئًا، فكانَ كَسْبُ الحَجَّامِ دَنيئًا، فأحَبَّ له تَنزيهَ نَفْسِه عن الدَّناءةِ؛ لِكَثرةِ المَكاسِبِ التي هي أجمَلُ مِنه؛ فلَمَّا زادَه فيه أمَرَه أنْ يَعلِفَه ناضِحَه، ويُطعِمَه رَقيقَه؛ تَنزيهًا لَه، لا تَحريمًا عليه، وقَد حَجَمَ أبو طَيبَةَ رَسولَ اللَّهِ ، فأمَرَ له بصاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وأمَرَ أهلَه أنْ يُخفِّفوا عنه مِنْ خَراجِه، ولَو كانَ حَرامًا لَم يُعطِه رَسولُ اللَّهِ ؛ لأنَّه لا يُعطي إلَّا ما يَحِلُّ إعطاؤُه، ولِآخِذِه مِلْكُه.

وقد رُوِيَ أنَّ رَجُلًا ذا قَرابةٍ لِعُثمانَ قَدِمَ عليه، فسَألَه عن مَعاشِه، فذكرَ

(١) رواه مسلم (١٥٦٨).
(٢) «التمهيد» (٢/ ٢٢٦، ٢٢٧)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٤٠٩، ٤١٠)، و «البيان والتحصيل» (١٧/ ٢٧٨).

له غَلَّةَ حَجَّامٍ أو حَجَّاميْنِ؛ فقالَ: إنَّ كَسَبَكُم لَوَسِخٌ، أو قالَ: لَدَنِسٌ، أو لَدَنيءٌ، أو كَلِمةً تُشبِهُها.

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ الحاجةَ إلى المَكاسِبِ داعيةٌ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ تَعالى عليه الخَلقَ مِنْ الحاجةِ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ والكِسوةِ لِنَفْسِه، ومَن يَلزَمُه الإنفاقُ عليه مِنْ مُناسِبٍ ومُصاحِبٍ، وأُصولُ المَكاسِبِ المَألوفةُ ثَلاثةٌ: زِراعةٌ وتِجارةٌ وصِناعةٌ، فيَنبَغي لِلمُكتَسِبِ بها أنْ يَختارَ لِنَفْسِه أطيَبَها لِقَولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ورُوِيَ عن النَّبِيِّ أنَّه قالَ: «مَنْ لَم يُبالِ مِنْ أينَ مَطعَمُه، ولا مِنْ أينَ مَشرَبُه، لَم يُبالِ اللهِ مِنْ أيِّ أبوابِ النارِ أدخَلَه».

واختَلفَ النَّاسُ في أطيَبِها، فقالَ قَومٌ: الزِّراعاتُ، وهو عِنْدِي أشبَهُ؛ لأنَّ الإنسانَ فيها مُتوَكِّلٌ على اللهِ ، في عَطائِه، مُستسَلِمٌ لِقَضائِه.

وقالَ آخَرونَ: التِّجارةُ أطيَبُها، وهو أشبَهُ بمَذهبِ الشَّافِعيِّ؛ لِتَصريحِ اللهِ تَعالى بإحلالِه في كِتابِه، بقَولِه : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، واقتِداءً بالصَّحابةِ رضي الله عنهم في اكتِسابِهم بها.

وقالَ آخَرونَ: الصِّناعةُ؛ لِاكتِسابِ الإنسانِ فيها بكَدِّ يَدَيْه. وقَد رُوِيَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «إنَّ مِنْ الذُّنوبِ ما لا يُكفِّرُه صَومٌ ولا صَلاةُ، ولَكِنْ يُكفِّرُه عَرقُ الجَبينِ في طَلَبِ الحِرفةِ».

فَأمَّا الزِّراعةُ فلا مَدخَلَ لَها في تَحريمٍ ولَا كَراهيةٍ، وهذا أوَّلُ شَيءٍ على أنَّها أطيَبُ المَكاسِبِ.

وأمَّا التِّجارةُ، فتَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ كما يَلي:

حَلالٌ: وهو: البُيوعُ الصَّحيحةُ.

وَحَرامٌ: وهو: البُيوعُ الفاسِدةُ.

وَمَكروهٌ: وهو: الغِشُّ والتَّدليسُ.

وأمَّا الصِّناعةُ فتَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ كما يَلي:

حَلالٌ: وهو ما أُبيحَ مِنْ الأعمالِ التي لا دَنَسَ فيها؛ كالكِتابةِ والتِّجارةِ والبِناءِ.

حَرامٌ: وهو ما حُظِرَ مِنْ الأعمالِ؛ كالتَّصاويرِ والمَلاهي.

مَكروهٌ: وهو ما باشَرَ فيه النَّجاسةَ؛ كالحَجَّامِ والجَزَّارِ، وكَنَّاسِ الحُشوشِ، والأقذارِ، والنَّصُّ فيه وارِدٌ في الحَجَّامِ، وهو أصْلُ نَظائِرِه، والنَّصُّ فيه ما رَواه مَعمَرٌ عن الزُّهريِّ عن حَرامِ بن مُحَيِّصَةَ عن أبيه «أنَّه سَألَ النَّبيَّ عن أجْرِ الحَجَّامِ فنَهاه عَنه، فشَكَا مِنْ حاجَتِهم، فقالَ: اعلِفْه ناضِحَكَ، وأطعِمْهُ رَقيقَكَ». فذَهَبَ بَعضُ أصحابِ الحَديثِ إلى أنَّه حَرامٌ على الأحرارِ، حَلَالٌ لِلعَبيدِ؛ لأنَّ النَّبيَّ نَهَى عن السَّادةِ دونَ العَبيدِ، واعتَمَدوا فيه على رِوايةِ رافِعِ بنِ خَديجٍ أنَّه قالَ: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغيِّ خَبيثٌ، وثَمنُ الكَلْبِ خَبيثٌ»، فلَمَّا وَصَفَه بالخُبثِ، وقَرَنَه بالحَرامِ كانَ حَرامًا.

والدَّليلُ على فَسادِ ما ذَهَبوا إليه: ما رَواه عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ «أنَّ النَّبيَّ احتَجَمَ وأمَرَني أنْ أُعطيَ الحَجَّامَ أجْرَه». ورَوَى أنَسُ بنُ

مالِكٍ أنَّ أبا طَيبَةَ حَجَمَ رَسولَ اللَّهِ فأمَرَ له بصاعٍ مِنْ تَمرٍ، وأمَرَ مَوالِيَه أنْ يُخفِّفوا عنه مِنْ خَراجِه، قالَ جابِرٌ: وكانَ خَراجُه ثَلاثةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ في كلِّ يَومٍ، فخفّفوا عنه في كلِّ يَومٍ صاعًا.

وَوَجْهُ الدَّليلِ مِنه: أنَّه لَو حَرُمَ كَسْبُه على أخْذِه حَرُمَ دَفْعُه على مُعطيه، فلَمَّا استَجازَ النَّبيُّ أنْ يَأمُرَ بدَفعِه إلَيه، دَلَّ على جَوازِ أخْذِه، فإنْ قيلَ: إنَّما حَجَمَه أبو طَيبَةَ مُتطوِّعًا تَقرُّبًا إلى اللَّهِ بخِدمةِ رَسولِ اللهِ ، ولِذلك شَرِبَ دَمَه، فقالَ له : «قَدْ حرَّمَ اللَّهُ جِسمَكَ على النارِ»، وكانَ ما أعطاهُ النَّبيُّ مُواساةً، ولَم يكُنْ أجْرَهُ، فعَنه جَوابانِ:

أحَدُهما: إنَّما أعطاه مُقابَلةً على عَملِه، صارَ عِوَضًا يَنصَرِفُ عن حُكمِ المُواساةِ.

والآخَرُ: أنَّ أبا طَيبَةَ كانَ مَملوكًا لا يَصحُّ تَطوُّعه بعَملِه، ولا يَستَحلُّ رَسولُ اللَّهِ تَطوُّعَه؛ ولأنَّه لَم يَزَلِ النَّاسُ على هذا في عَصرِ رَسولِ اللَّهِ وخُلَفائِه رضي الله عنهم إلى وَقتِنا هذا في سائِرِ الأمصارِ، يَتكسَّبونَ بهَذا، فلا يُنكِرُه مُستَحسِنٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فدَلَّ على انعِقادِ الإجماعِ به، وارتِفاعِ الخِلافِ فيه، ولأنَّ الحاجةَ إليه دَاعيةٌ، والضَّرورةَ إليه ماسَّةٌ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ الإنسانُ على حِجامةِ نَفْسِه إذا احتاجَ، وما كانَ بهذه المَنزِلةِ لَم يَمنَعْ منه الشَّرعُ؛ لِمَا فيه مِنْ إدخالِ الضَّررِ على الخَلقِ، وقَد قالَ رَسولُ اللَّهِ : «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»؛ ولأنَّ كلَّ كَسْبٍ حَلَّ لِلعَبيدِ حَلَّ لِلأحرارِ، كَسائِرِ الأكسابِ.

فَأمَّا الجَوابُ عن قَولِه : «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ»، فهو أنَّ اسمَ الخُبثِ يَتناوَلُ الحَرامَ تارَةً، والدَّنيءَ أُخرَى، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ يعني الدَّنيءَ، وكقَولِه مِنْ بَعدُ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ فيُحمَلُ على الدَّنيءِ دونَ الحَرامِ؛ بدَليلِ ما قُلْناه، وليس هو إلى الحَرامِ بمُوجِبٍ لِاشتِراكِهما في حُكمِ التَّحريمِ؛ لأنَّه لَمَّا ضُمَّ إلى ما يَحرُمُ على الأحرارِ والعَبيدِ -وهذا لا يَحرُمُ على العَبيدِ- جازَ ألَّا يَحرُمَ على الأحرارِ.

فإذا ثبَتَ أنَّه ليس بحَرامٍ، فهو مَكروهٌ، واختَلفَ أصحابُنا في عِلةِ كَراهَتِه على وجهيْنِ:

أحَدُهما: لِمُباشَرةِ النَّجاسةِ؛ لِقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. فعلى هذا يُكرَهُ كَسْبُ كلِّ مُباشِرٍ لِلنَّجاسةِ مِنْ كَنَّاسٍ، وخَرَّازِ وقَصَّابٍ. واختَلفَ قائِلُ هَذا، هَلْ يَكونُ كَسْبُ الفَصَّادِ مِنْ جُملَتِهم؟ على وجهيْنِ:

أحَدُهما: يَكونُ مِنْ جُملَتِهم؛ لأنَّه يُباشِرُ نَجاسةَ الدَّمِ.

والوَجهُ الآخَرُ: وهو قولُ أبي عَلِيِّ بنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه لا يُكرَهُ كَسبُهُ؛ لِاقتِرانِه بعِلمِ الطِّبِّ؛ فإنَّه قَلَّما يُباشِرُ نَجاسةَ الدَّمِ.

فَأمَّا الخِتانُ، فمَكروهُ الكَسْبِ، كالحَجَّامِ، بَلْ يَزيدُ عليه في مُباشَرةِ العَوراتِ، وتَكونُ الكَراهةُ مَقصورةً على مُباشَرةِ الأنجاسِ، ومُنتَفيةً عَمن لا يُباشِرُها مِنْ سَمَّاكٍ، ودَبَّاغٍ.

والوَجهُ الآخَرُ: أنَّ كَراهةَ التكَسُّبِ به لِدَناءَتِه، وهو الظَّاهِرُ مِنْ مَذهبِ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّه جعلَ مِنْ المَكاسِبِ دَنيئًا وحَسَنًا، وقَد رُوِيَ أنَّ ذا قَرابةٍ

لِعُثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه قَدِمَ عليه، فسَألَه عن كَسْبِه، فقالَ: «غَلَّةُ حَجَّامٍ أو حَجَّامَيْنِ. فقالَ: إنَّ كَسَبَكُم لَدَنيءٌ، أو قالَ: لَوَسِخٌ»، فعلى هذا يُكرَهُ مع ذلك كَسْبُ السَّمَّاكِ، والدَّبَّاغِ، والحَلَّاقِ والقيِّمِ.

واختُلِفَ على هذا في كَسْبِ الحَجَّامِينَ على وجهيْنِ:

أحَدُهما: مَكروهٌ، دَنيءٌ؛ لأنَّه يُشاهِدُ العَوراتِ ويَتكَسَّبُ بِغَيرِ مُقدَّرٍ.

والوَجْهُ الآخَرُ: لا يُكرَهُ كَسْبُه؛ لأنَّه لا يُباشِرُ عَملًا، ويُمكِنُه غَضُّ طَرْفِه عن العَوراتِ، وليسَ يَتكسَّبُ بمُباشَرَتِها؛ فإنْ أرسَلَ طَرْفَه صارَ كَغَيرِه مِنْ النَّاسِ. وكذلك نَظائِرُ ما ذَكَرْناه، وجَميعُ هذا مَكروهٌ لِلأحرارِ.

فَأمَّا العَبيدُ ففيهم وَجهانِ:

أحَدُهما: يُكرَهُ لَهُم؛ كالأحرارِ، وهو قولُ الأكثَرينَ.

والوَجهُ الآخَرُ: لا يُكرَهُ لَهُم؛ لأنَّهم أدْنَى مِنْ الأحرارِ، فلْيَتَأهَّبوا أدنَى الِاكتِسابِ، فإنْ أخَذَ سادَاتُهم كَسبَهم كُرِهَ لَهم أنْ يَأكُلوه، ولَم يُكرَهْ لَهم أنْ يُطعِموه رَقيقَهم، وبَهائِمَهم؛ لأنَّ النَّبيَّ قالَ لِمُحَيِّصةَ حينَ سَألَه عَنهُ: «اعلِفُه ناضِحَكَ وأطعِمْه رَقيقَكَ»، واللَّهُ أعلمُ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولأنَّها مَنفَعةٌ مُباحةٌ لا يَختَصُّ فاعِلُها أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ، فجازَ الِاستِئجارُ عليها؛ كالبِناءِ والخِياطةِ، ولأنَّ بالنَّاسِ حاجةً إلَيها، ولا نَجِدُ كلَّ أحَدٍ مُتبرِّعًا بها، فجازَ الِاستِئجارُ عليها، كالرَّضاعِ، وقولُ النَّبيِّ في كَسْبِ الحَجَّامِ: أطعِمْهُ رَقيقَكَ، دَليلٌ على

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٥٢، ١٥٦).

إباحةِ كَسْبِه؛ إذْ غيرُ جائِزٍ أنْ يُطعِمَ رَقيقَه ما يَحرُمُ أكلُهُ؛ فإنَّ الرَّقيقَ آدَميُّونَ، يَحرُمُ عليهم ما حرَّمَه اللَّهُ تَعالى، كَما يَحرُمُ على الأحرارِ، وتَخصيصُ ذلك بما أُعطيَه مِنْ غيرِ استِئجارٍ، تحَكُّمٌ لا دَليلَ عليه، وتَسميَتُه كَسْبًا خَبيثًا لا يَلزَمُ منه التَّحريمُ؛ فقَد سَمَّى النَّبيُّ الثُّومَ والبَصَلَ خَبيثَيْنِ، مع إباحَتِهما، وإنَّما كَرِهَ النَّبيُّ ذلك لِلحُرِّ؛ تَنزيهًا لِدَناءةِ هذه الصِّناعةِ، وليسَ عن أحمدَ نَصٌّ في تَحريمِ كَسْبِ الحَجَّامِ، ولا الِاستِئجارِ عليها؛ وإنَّما قالَ: نَحنُ نُعطيه كَما أعطَى ، ونَقولُ له كَما قالَ النَّبيُّ لَمَّا سُئِلَ عن أكلِه نَهاه، وقالَ: اعلِفْه النَّاضِحَ والرَّقيقَ، وهذا مَعنَى كَلامِه في جَميعِ الرِّواياتِ، وليسَ هذا صَريحًا في تَحريمِه، بَلْ فيه دَليلٌ على إباحَتِه، كَما في قَولِ النَّبيِّ وفِعلِه، على ما بيَّنَّا، وإعطاؤُه لِلحَجَّامِ دَليلٌ على إباحَتِه؛ إذْ لا يُعطيه ما يَحرُمُ عليه، وهو يُعَلِّمُ النَّاسَ ويَنهاهُم عن المُحرَّماتِ؛ فكَيفَ يُعطيهم إيَّاها ويُمكِّنُهم مِنها، وأمْرُه بإطعامِ الرَّقيقِ مِنها دَليلٌ على الإباحةِ؛ فيَتعيَّنُ حَمْلُ نَهيِه عن أكلِها على الكَراهةِ، دونَ التَّحريمِ، وكذلك قولُ الإمامِ أحمدَ؛ فإنَّه لَم يَخرُجْ عن قَولِ النَّبيِّ وفِعلِهِ؛ وإنَّما قَصَدَ اتِّباعَه، وكذلك سائِرُ مَنْ كَرِهَه مِنْ الأئِمَّةِ يَتعيَّنُ حَمْلُ كَلامِهم على هَذا، ولا يَكونُ في المَسألةِ قائِلٌ بالتَّحريمِ.

وَإذا ثبَتَ هَذا؛ فإنَّه يُكرَهُ لِلحُرِّ أكْلُ كَسْبِ الحَجَّامِ، ويُكرَهُ تَعلّمُ صِناعةِ الحِجامةِ وإجارةُ نَفْسِه لَها؛ لِمَا فيها مِنْ الأخبارِ، ولأنَّ فيها دَناءةً فكُرِهَ الدُّخولُ فيها، كالكَسحِ، وعَلَى هذا يُحمَلُ قولُ الأئِمَّةِ الذين ذَكَرْنا عَنهم

كَراهَتَها؛ جَمْعًا بينَ الأخبارِ الوارِدةِ فيها، وتَوفيقًا بينَ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها، واللَّهُ أعلمُ (١).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأمَّا إعطاءُ النَّبيِّ الحَجَّامَ أجْرَه فلا يُعارِضُ قَولَهُ: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ»؛ فإنَّه لَم يَقُلْ: إنَّ إعطاءَه خَبيثٌ، بَلْ إعطاؤُه إمَّا واجِبٌ، وإمَّا مُستحَبٌّ، وإمَّا جائِزٌ، ولَكِنْ هو خَبيثٌ بالنِّسبةِ إلى الآخِذِ، وخُبثُه بالنِّسبةِ إلى أكْلِه، فهو خَبيثُ الكَسْبِ، ولَم يَلزَمْ مِنْ ذلك تَحريمُه، فقَد سَمَّى النَّبيُّ الثُّومَ والبَصَلَ خَبيثَيْنِ، مع إباحةِ أكلِهِما، ولا يَلزَمُ مِنْ إعطاءِ النَّبيِّ الحَجَّامَ أجْرَه حِلُّ أكْلِه، فَضلًا عَلى كَوْنِ أكْلِه طَيِّبًا؛ فإنَّه قالَ: «إنِّي لَأُعطي الرجُلَ العَطيَّةَ يَخرُجُ بها يَتأبَّطُها نارًا»، والنَّبيُّ قد كانَ يُعطي المُؤَلَّفةَ قُلوبُهم مِنْ مالِ الزَّكاةِ والفَيءِ، مع غِناهُم وعَدَمِ حاجَتِهم إلَيه؛ لِيَبذُلوا مِنْ الإسلامِ والطَّاعةِ ما يَجِبُ عليهم بَذْلُه بدُونِ العَطاءِ، ولا يَحِلُّ لَهم تَوَقُّفُ بَذْلِه على الأخْذِ، بَلْ يَجِبُ عليهمُ المُبادَرةُ إلى بَذْلِه بلا عِوَضٍ، وهذا أصْلٌ مَعروفٌ مِنْ أُصولِ الشَّرعِ أنَّ العَقدَ -أو البَذْلَ- قد يَكونُ جائِزًا أو مُستحَبًّا أو واجِبًا مِنْ أحَدِ الطَّرفَيْنِ، مَكروهًا أو مُحرَّمًا مِنْ الطَّرفِ الآخَرِ، فيَجِبُ على الباذِلِ أنْ يَبذُلَ، ويَحرُمُ على الآخِذِ أنْ يَأخُذَه.

وَبِالجُملةِ فخُبثُ أجْرِ الحَجَّامِ مِنْ جِنسِ خُبثِ أكْلِ الثُّومِ والبَصَلِ، لَكنَّ هذا خَبيثُ الرَّائِحةِ، وهذا خَبيثٌ لِكَسْبِهِ (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٤١٣، ٤١٤)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٢)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٩٢).
(٢) «زاد المعاد» (٥/ ٧٩٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في بيان جواز أنواع الشركة

أَوْ شَهْرَ كَذَا أَوْ سَنَةَ كَذَا فَهُوَ جَائِزٌ، أَوْ قَالَ: مَا اشْتَرَيْتَ لِي مِنْ شَيْءٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ أَوْ مَا اشْتَرَيْتَ لِي مِنْ الْبَزِّ وَالْخَزِّ، فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ هَذَا اللَّفْظِ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ، وَيَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فَإِنْ نَوَيَا بِهِ الشَّرِكَةَ كَانَ شَرِكَةً فِي عُمُومِ التِّجَارَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرِكَةِ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَحْصِيلُ الرِّبْحِ وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَكْرَارِ التِّجَارَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا بَيَانُ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الشَّرِكَةِ وَإِنْ نَوَيَا بِهِ الْوَكَالَةِ كَانَ وَكَالَةً وَيَقِفُ صِحَّتُهَا عَلَى شَرَائِطِهَا مِنْ الْخَاصَّةِ أَوْ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ عَلَى الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَمَلَّكُ الْعَيْنِ لَا تَحْصِيلُ الرِّبْحِ مِنْهَا فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّخْصِيصِ بِبَيَانِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي الْوَكَالَةِ الْعَامَّةِ بِبَيَانِ أَحَدِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي وَصَفْنَا لِأَنَّهُ لَمَّا عَمَّمَهَا بِتَفْوِيضِ الرَّأْيِ فِيهَا إلَى الْوَكِيلِ فَقَدْ شَبَّهَهَا بِالشَّرِكَةِ فَكَانَ فِي احْتِمَالِ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ كَالشَّرِكَةِ لَكِنَّهَا وَكَالَةٌ وَالْخُصُوصُ أَصْلٌ فِي الْوَكَالَةِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ ضَرْبِ تَخْصِيصٍ فَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، جَازَتْ وَإِلَّا بَطَلَتْ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 506 - 517

ارجع إلى أقسام الأجراء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر