الإسلام > الشركات والإجارات > أقسام الأجراء > إجارة الذمي للمسلم للخدمة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةإجارةُ الذِّميِّ لِلمُسلِمِ لِلخِدمةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَستَأجِرَ الذِّميَّ.
وَكذلك لا خِلافَ بَينَهم على أنَّ المُسلِمَ إنْ أجَّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ في عَملٍ مُعيَّنٍ في الذِّمةِ؛ كَخِياطةِ ثَوبٍ وقِصارَتِه جازَ مع الكَراهةِ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ عَليًّا أجَّرَ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَسقي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وأخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك فلَم يُنكِرْه، وكذلك الأنصاريُّ، ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ لا يَتضمَّنُ إذلالَ المُسلِمِ ولا استِخدامَه، أشبَهَ مُبايَعَتَه.
وَإنَّما اختَلفوا: هَلْ يَجوزُ لِلذِّميِّ أنْ يَستَأجِرَ المُسلِمَ لِلخِدمةِ أو لا؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُكرَهُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِلخِدمةِ لِلذِّميِّ فيما لَيسَ مُحرَّمًا على المُسلِمِ، وإلَّا حَرُمَ.
قالَ الحَنفيَّةُ: لَوِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ مُسلِمًا لِيَخدُمَه، ذُكِرَ في الأصلِ أنَّه يَجوزُ، وأكرَهُ لِلمُسلِمِ خِدمةَ الذِّميِّ، أمَّا الكَراهةُ؛ فلأنَّ الِاستِخدامَ استِذلالٌ، فكانَتْ إجارةُ المُسلِمِ نَفْسَه منه إذلالًا لِنَفْسِه، وليسَ لِلمُسلِمِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَه، خُصوصًا بخِدمةِ الكافِرِ.
وأمَّا الجَوازُ؛ فلأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فيَجوزُ، كالبَيعِ (١).
وفي «فَتاوَى الفَضْلِيِّ»: لا تَجوزُ إجارةُ المُسلِمِ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٨٩).
لِلخِدمةِ، وفيما سِوَى الخِدمةِ يَجوزُ، والأجيرُ في سَعةٍ مِنْ ذلك ما لَم يكُنْ في ذلك إذلالٌ (١).
وَجاءَ في «غَمزُ عُيونِ البَصائِرِ شَرحُ كِتابِ الأشباهِ والنَّظائِرِ» لِابنِ نُجَيمٍ لِلحَمَويِّ: قولُهُ: ويُكرَهُ للمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه مِنْ كافِرٍ لِعَصرِ العِنَبِ.
أقولُ: لَيسَ عَصرُ العِنَبِ قَيدًا، بَلِ المُرادُ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِخِدمَتِه؛ لِمَا في شَرحِ المَجمَعِ لِابنِ المَلِكِ: لَوِ استَأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا لِلخِدمةِ جازَ اتِّفاقًا، ولَكنَّه يُكرَهُ؛ لأنَّ فيه استِهانةً صُورةً، انتَهَى.
وَفِي «الذَّخيرةُ»: إذا دخلَ يَهوديٌّ الحَمَّامَ هَلْ أباحَ لِلخادِمِ المُسلِمِ أنْ يَخدُمَه، إنْ خَدَمَه طَمعًا في فُلُوسِه فلا بَأْسَ بهِ؛ فإنْ فعلَ ذلك تَعظيمًا له مِنْ غيرِ أنْ يَنويَ ما ذَكَرْناه، أو قامَ تَعظيمًا لِغِناه كُرِهَ ذلك (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه أو وَلَدَه أو عبدَه المُسلِمَ أو دَابَّتَه لِكافِرٍ، ومَحَلُّها إذا كانَ المُسلِمُ يَجوزُ له فِعلُ ذلك لِنَفْسِهِ؛ كالخِياطةِ والبِناءِ والحَرثِ وما أشبَهَ ذلك، وأمَّا ما لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ فِعلُه لِنَفْسِه، كَعَصرِ الخَمرِ ورَعْيِ الخَنازيرِ وما أشبَهَ ذلك؛ فإنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه، ويُؤَدَّبُ المُسلِمُ، إلَّا أنْ يُعذَرَ بجَهالةٍ.
فَإنْ عُثِرَ عليها قبلَ العَملِ فُسِخَتْ، وإنْ فاتَتْ بالعَملِ؛ فإنَّ الأُجرةَ تُؤخَذُ مِنْ الكافِرِ ويُتَصَدَّقُ بها على الفُقَراءِ، أدَبًا لِلمُسلِمِ، إلَّا أنْ يُعذَرَ لِأجْلِ جَهلٍ ونَحوِهِ؛ فإنَّها لا تُؤخَذُ مِنه.
(١) «المحيط البرهاني» (٨/ ٤٠).
(٢) «غمز عيون البصائر» (٣/ ٤٠١).
وَجاءَ في «المُدوَّنةُ الكُبرَى»: في الرجُلِ يُؤاجِرُ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ:
قُلتُ: أرَأيتَ لَو أنَّ نَصرانيًّا آجَرَ مُسلِمًا لِيَخدُمَه، أتَجوزُ هذه الإجارةُ في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عن المُسلِمِ يَأخُذُ مِنْ النَّصرانيِّ مالًا قِراضًا، فَكَرِهَ ذلك لَه، وغَيرُه مِنْ أهلِ العِلمِ قد كَرِهَ ذلك، ولا أرَى مالِكًا كَرِهَ ذلك إلَّا مِنْ وَجهِ الإجارةِ، وقَد بَلَغَني أنَّ مالِكًا كَرِهَ أنْ يُؤاجِرَ المُسلِمُ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ آجَرَه هذا المُسلِمُ نَفْسَه على أنْ يَحرُسَ له زَيتُونَه أو يَحرُثَ له أو يَبنيَ له بُنيانًا؟ قالَ: أكرَهُ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه في خِدمةِ هذا النَّصرانيِّ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَصحُّ مع الكَراهةِ أنْ يَستَأجِرَ الذِّميُّ مُسلِمًا، ولو إجارةَ عَينٍ، ويَستَنيبُ المُسلِمُ كافِرًا يَقومُ عنه بخِدمةِ الكافِرِ، وُجوبًا في إجارةِ الذِّمةِ، ويُؤمَرُ وُجوبًا بإزالةِ مِلْكِه عنه في إجارةِ العَينِ، ولِلحاكِمِ مَنْعُه منها، ولا يَجوزُ لِمُسلِمٍ خِدمةُ كافِرٍ، ولو بغَيرِ إجارةٍ (٢).
وقالَ الشِّيرازِيُّ في «المُهَذَّبُ»: فَصلٌ: واختَلفوا في الكافِرِ إذا استأجَرَ مُسلِمًا إجارةً مُعيَّنةً؛ فمِنهم مَنْ قالَ: فيه قولانِ؛ لأنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبسَ المُسلِمِ؛ فصارَ كبَيعِ العَبدِ المُسلِمِ منه، ومنهم مَنْ قالَ: يَصحُّ قَولًا واحِدًا؛
(١) «المدونة الكبرى» (١١/ ٤٣٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٢٤)، و «البيان والتحصيل» (٥/ ١٥٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٦١)، و «الذخيرة» (٥/ ٣٩٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٧)، و «منح الجليل» (٧/ ٤٩٨).
(٢) «حاشية قليوبي» (٣/ ١٦٣).
لأنَّ علِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ كانَ يَستَقي الماءَ لِامرأةٍ يَهوديَّةٍ: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ (١).
وقالَ العِمرانيُّ رحمة الله عليه: وإنِ استَأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا، نُظِرَتْ: فإنِ استَأجَرَه لِعَملٍ في ذِمَّتِه صَحَّ؛ لأنَّه لا صَغارَ عليه في ذلك.
وَإنِ استَأجَرَه لِعَملٍ مُقدَّرٍ، في زَمانٍ مَعلومٍ ففيه طَريقانِ:
الأولُ: مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: فيه قولانِ، بِناءً على القوليْنِ في جَوازِ شِراءِ الكافِرِ لِلمُسلِمِ؛ لأنَّ في ذلك استيلاءً عليه وصَغارًا، كالمِلْكِ.
والآخَرُ: مِنهم مَنْ قالَ: يَصحُّ، قَولًا واحِدًا؛ لِمَا ذَكَرْناه مِنْ حَديثِ عَلِيٍّ، ولأنَّ ذلك عَملٌ في مُقابَلةِ عِوَضٍ، فأشبَهَ العَملَ في ذِمَّتِه، ويُخالِفُ المِلْكَ؛ لأنَّه يَقتَضي تَسَلُّطًا واستِدامةَ مُلْكِه عليه (٢).
وسُئِلَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ عمَّا إذا استأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا إجارةَ عَينٍ هل يَحرُمُ على المُسلِمِ إتمامُ الإجارةِ بنَفْسِه؟
فأجابَ بقَولِه: لا يَحرُمُ على المُسلِمِ إتمامُ الإجارةِ بنَفْسِه، بل يُكرَهُ له، نَعَمْ إنْ كانَتِ الإجارةُ فيما يُمتَهَنُ به؛ كالأعمالِ الدَّنيئةِ غيرِ اللَّائِقةِ به، اشتَدَّتِ الكَراهةُ، بل قيلَ بالحُرمةِ حينئذٍ (٣).
وَذَهَبَ الحَنابِلةُ -في المَذهبِ- والشافِعيَّةُ -في قَولٍ- كَما تَقدَّمَ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِخِدمةِ الكافِرِ.
(١) «المهذب» (١/ ٣٩٥).
(٢) «البيان» (٧/ ٢٩٤، ٢٩٥).
(٣) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ١٤٧).
قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وتَلخيصُ مَذهبِه (أي: الإمامِ أحمدَ رحمة الله عليه): أنَّ إجارةَ المُسلِمِ نَفْسَه لِلذِّميِّ ثَلاثةُ أنواعٍ:
أحَدُها: إجارةٌ على عَملٍ في الذِّمةِ، فهذه جائِزةٌ.
الثَّاني: إجارةٌ لِلخِدمةِ، فهذه فيها رِوايَتانِ مَنصوصَتانِ، أصَحُّهما المَنْعُ مِنها.
الثَّالث: إجارةُ عَينِه منه لِغَيرِ الخِدمةِ، فهذه جائِزةٌ، وقَد آجَرَ عَلِيٌّ رضي الله عنه نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَستقِي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ، وأكَلَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ ذلك التَّمرِ.
هَذا كلُّه إذا كانَ الإيجارُ لِعَملٍ لا يَتضمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائِرِه، فإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ يَتضمَّنُ ذلك لَم يَجُزْ، كَما نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وقَد سَألَه رَجُلٌ بَنَّاءٌ: أبْنِي ناووسًا لِلمَجوسِ؟ فقالَ: لا تَبْنِ لَهُمْ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا تَجوزُ إجارةُ المُسلِمِ لِلذِّميِّ لِخِدمَتِه، نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ الأثرَمِ، فقالَ: إنْ أجَّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ في خِدمَتِه لَم يَجُزْ، وإنْ كانَ في عَملِ شَيءٍ جازَ، وهذا أحَدُ قَولَيِ الشَّافِعيِّ، وقالَ في الآخَرِ: تَجوزُ؛ لأنَّه تَجوزُ له إجارةُ نَفْسِه في غيرِ الخِدمةِ، فجازَ فيها؛ كَإجارَتِه مِنْ المُسلِمِ.
(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٠٨، ٢٠٩).
وَلَنا: أنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبسَ المُسلِمِ عندَ الكافِرِ وإذلالَه له واستِخدامَه، أشبَهَ البَيعَ، يُحَقِّقُه أنَّ عَقدَ الإجارةِ لِلخِدمةِ يَتعيَّنُ فيه حَبْسُه مدَّةَ الإجارةِ واستِخدامُه، وأنَّ البَيعَ لا يَتعيَّنُ فيه ذلك؛ فإذا مُنِعَ منه فلَأنْ يُمنَعَ مِنْ الإجارةِ أَوْلَى.
فَأمَّا إنْ أجَّرَ نَفْسَه منه في عَملٍ مُعيَّنٍ في الذِّمةِ؛ كَخِياطةِ ثَوبٍ وقِصارَتِه جازَ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه أجَّرَ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَسقِي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ، وأخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك، فلَم يُنكِرْه، وكذلك الأنصاريُّ، ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ لا يَتضمَّنُ إذلالَ المُسلِمِ، ولا استِخدامَه، أشبَهَ مُبايَعَتَه، وإنْ أجَّرَ نَفْسَه منه لِعَملٍ غيرِ الخِدمةِ مدَّةً مَعلومةً جازَ أيضًا، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ لِقَولِه في رِوايةِ الأثرَمِ: وإنْ كانَ في عَملِ شَيءٍ جازَ.
وَنقلَ عنه أحمَدُ بنُ سَعيدٍ: لا بَأْسَ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ؛ وهذا مُطلَقٌ في نَوعَيِ الإجارةِ، وذكرَ بَعضُ أصحابِنا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ مَنْعُ ذلك، وأشارَ إلى ما رَواه الأثرَمُ واحتَجَّ بأنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبْسَ المُسلِمِ، أشبَهَ البَيعَ، والصَّحيحُ ما ذَكَرْنا، وكَلامُ أحمدَ؛ إنَّما يَدلُّ على خِلافِ ما قالَهُ: فإنَّه خَصَّ المَنْعَ بالإجارةِ لِلخِدمةِ، وأجازَ إجارَتَه لِلعَملِ، وهذا إجارةٌ لِلعَملِ، ويُفارِقُ البَيعَ؛ فإنَّ فيه إثباتَ المِلْكِ على المُسلِمِ، ويُفارِقُ إجارَتَه لِلخِدمةِ؛ لِتَضَمُّنِها الإذلالَ (١).
(١) «المغني» (٥/ ٣٢٢، ٣٢٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٣٨، ٣٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٥٨، ٦٥٩)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦١٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في أنواع شرائط ركن الإجارة
لِلْكَلَأِ وَسَائِرُ الْأَعْيَانِ الْمُبَاحَةِ إنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لِمَا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي أَنْوَاع شَرَائِط رُكْنِ الْإِجَارَة
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ النَّفَاذِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ الصِّحَّةِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ اللُّزُومِ أَمَّا شَرْطُ الِانْعِقَادِ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى مَكَانِ الْعَقْدِ.
أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ فَالْعَقْلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ عَاقِلًا حَتَّى لَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ وَلَا مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ عِنْدَنَا، حَتَّى إنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ لَوْ أَجَرَ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ.
وَلَوْ أَجَّرَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ نَفْسَهُ وَعَمِلَ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ وَيَكُونُ الْأَجْرُ لَهُ، أَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ فَلِأَنَّ عَدَمَ النَّفَاذِ كَانَ نَظَرًا لَهُ وَالنَّظَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ سَلِيمًا فِي النَّفَاذِ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَا يُهْدَرُ سَعْيُهُ فَيَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَانَ الْوَلِيُّ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ الْغَيْرِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الدابة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (فَصْلٌ) وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ، وَجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَك
ــ
منح الجليل
فَصْل كِرَاء الدَّابَّة
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالرِّبَاعِ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) أَيْ إيجَارُ عَاقِلٍ وَمُمْكِنُ النَّقْلِ غَيْرِ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ فِي تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى عَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ وَالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَاللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ. ابْنُ شَاسٍ أَقْسَامُ الْإِجَارَةُ ثَلَاثَةٌ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي اسْتِئْجَارِ الْآدَمِيِّ، الْقِسْمُ الثَّانِي فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرَاضِي، الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَهِيَ تُسْتَأْجَرُ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لِلرُّكُوبِ ولِلْحَمْلِ وَلِلِاسْتِقَاءِ وَلِلْحَرْثِ.
ارجع إلى أقسام الأجراء للاطلاع على جميع المسائل.