حبس العين المستأجرة لاستيفاء الأجر

الإسلام > الشركات والإجارات > أقسام الأجراء > حبس العين المستأجرة لاستيفاء الأجر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

حبس العين المستأجرة لاستيفاء الأجر - الأقوال والأدلة

قالَ الحَنفيَّةُ: قالَ في «الخُلاصة»: رَجُلٌ دفعَ غَزلًا إلى رَجُلٍ لِيَنسِجَه كِرْباسًا فدفعَه هو إلى آخَرَ لِيَنسِجَه فسُرِقَ مِنْ يَدِه، إنْ كانَ الثَّاني أجيرًا لِلأوَّلِ لا يَضمَنُ واحِدٌ مِنهما، وإنْ كانَ الثَّاني أجنَبيًّا ضَمِنَ الأولُ دونَ الآخَرِ عندَ أبي حَنيفَةَ، وعِندَهُما في الأولِ: ضامِنٌ مُطلَقًا، وفي الأجنَبيِّ إنْ شاءَ ضَمِنَ الأولُ، وإنْ شاءَ ضَمِنَ الآخَرُ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا استأجَرَ الأجيرُ المُشترَكُ أجيرًا خاصًّا؛ كالخيَّاطِ في دُكَّانٍ يَستَأجِرُ أجيرًا مدَّةً يَستَعمِلُه فيها فتَقبَّلَ صاحِبُ الدُّكَّانِ خِياطةَ ثَوبٍ ودفعَه إلى أجيرِه فخَرَقَه أو أفسَدَه لَم يَضمَنْه؛ لأنَّه أجيرٌ خاصٌّ ويَضمَنُه صاحِبُ الدُّكَّانِ؛ لأنَّه أجيرٌ مُشترَكٌ (٢).

حَبسُ العَينِ المُستَأجَرةِ لاستِيفاءِ الأجْرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الحَدَّادينَ والقَصَّارينَ والخيَّاطينَ، وغَيرِهم مِنْ أهلِ الصِّناعاتِ، إذا مَنَعوا وحَبَسوا ما في أيديهم لِاستيفاءِ الأجْرِ، هَلْ لَهم فِعلُ ذلك أو لا؟ وما الحُكمُ إذا ضاعَتِ العَينُ أو تَلفِتْ بعدَ ذلك، هَلْ يَضمَنونَها أو لا؟ على تَفصيلٍ بَينَهم.

قالَ الحَنفيَّةُ: كلُّ صانِعٍ لِعَملِه أثَرٌ -بِحَيثُ يُرَى ويُعايَنُ- في العَينِ؛ فلَه أنْ يَحبِسَ العَينَ بعدَ الفَراغِ مِنْ عَملِه حتى يَستَوفيَ الأُجرةَ المَشروطةَ؛ كالصَّباغِ، والقَصَّارِ وكَذا الخيَّاطِ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه وَصفٌ قائِمٌ في الثَّوبِ،

(١) «البحر الرائق» (٧/ ٣٠٣).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٠٧)، و «الكافي» (٢/ ٣٣١)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١١٩، ١٢٠)، و «الإنصاف» (٦/ ٧٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٧١).

فلَه حَقُّ الحَبسِ لِاستِيفاءِ البَدَلِ كَما في البَيعِ، وهذا إذا كانَ عَملُه في بَيتِه، وكانَ الأجرُ حالًّا، وأمَّا إذا كانَ الأجْرُ مُؤجَّلًا، أو كانَ العَملُ في بَيتِ المُستَأجِرِ، فليسَ له حَقُّ الحَبسِ.

فَلَو حَبَسَ فضاعَ فلا ضَمانَ عليه عندَ أبي حَنيفَةَ؛ لأنَّه غيرُ مُتعَدٍّ في الحَبسِ، فبَقيَ أمانةً، كَما كانَ عِندَه، ولا أُجرةَ لَه؛ لِهَلاكِ المَعقودِ عليه قبلَ التَّسليمِ.

وَعِنْدَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ يَضمَنُ؛ لأنَّ الشَّيءَ في يَدِه مَضمونٌ قبلَ الحَبسِ؛ فإذا حَبَسَه فأَوْلَى أنْ يَضمَنَ، لَكنَّه عِندَهُما بالخيارِ، إنْ شاءَ ضَمَّنَه قِيمَتَه غيرَ مَعمولٍ ولا أُجرةَ لَه، وإنْ شاءَ مَعمولًا ولَه الأُجرةُ.

وَمَنْ لَيسَ لِعَملِه أثَرٌ في العَينِ فليسَ له أنْ يَحبِسَ العَينَ لِأجلِ الأُجرةِ بالإجماعِ؛ كالحَمَّالِ على ظَهرِه، أو دَابَّةٍ -سَيَّارةٍ-، والمَلَّاحِ صاحِبِ السَّفينةِ؛ لأنَّ ما لا أثَرَ له في العَينِ فالبَدَلُ إنَّما يُقابِلُ العَملَ نَفْسَه؛ إلَّا أنَّ العَملَ كلَّه كَشَيءٍ واحِدٍ، إذْ لا يُنتَفَعُ ببَعضِه دونَ بَعضٍ، فكلَّما فَرَغَ حَصَلَ في يَدِ المُستَأجِرِ، فلا يَملِكُ حَبْسَه عنه بعدَ طَلَبِهِ؛ كاليَدِ المُودَعةِ، ولِهَذا لا يَجوزُ حَبسُ الوَديعةِ بالدَّيْنِ، ولَو حَبَسَه فهَلَكَ قبلَ التَّسليمِ لا تَسقُطُ الأُجرةُ؛ لِمَا ذَكَرْنا أنَّه كَما وقَعَ في العَملِ حَصَلَ مُسلَّمًا إلى المُستَأجِرِ، لِحُصولِه في يَدِه؛ فتَقرَّرَتْ عليه الأُجرةُ، فلا تَحتَمِلُ السُّقوطَ بالهَلاكِ، ويَضمَنُ؛ لأنَّه حَبَسَه بغَيرِ حَقٍّ فصارَ غاصِبًا بالحَبسِ، ونَصَّ مُحمَّدٌ على الغَصبِ، فقالَ: فإنَّ حَبَسَ الحَمَّالُ المَتاعَ في يَدِه فهو غاصِبٌ.

وَهَذا بخِلافِ الآبِقِ، حَيثُ يَكونُ لِلرَّادِّ حَبْسُه لِاستِيفاءِ الجُعلِ، ولا أثَرَ لِعَملِهِ؛ لأنَّه كانَ على مَشَارِفِ الهَلاكِ، وقَد أحياهُ، فكَأنَّه باعَه مِنه، فلَه حَقُّ الحَبسِ؛ فإنْ حَبَسَ الحَمَّالُ المَتاعَ فهو غاصِبٌ؛ لأنَّه لا أثَرَ لِعَملِه، والعَينُ أمانةٌ في يَدِه، فإذا حَبَسَها بدَيْنِه صارَ غاصِبًا؛ كالوَديعةِ؛ فإنَّها لا تُحبَسُ لِأجْلِ الدَّيْنِ.

ثم إذا حَبَسَ العَينَ ضَمِنَها ضَمانَ الغَصبِ -كَما تَقدَّمَ- وصاحِبُها بالخِيارِ إنْ شاءَ ضَمَّنَه قِيمَتَها -أي: قِيمَتَها شَرعًا- مَحمولةً، ولَه الأجْرُ، وإنْ شاءَ غيرَ مَحمولةٍ، بلا أجْرٍ، قالَ أبو يُوسفَ: في الحَمَّالِ إذا بَلَغَ المَنزِلَ فطَلَب الأُجرةَ قبلَ أنْ يَضَعَ الشَّيءَ مِنْ رَقَبَتِه لَم يكُنْ له ذلك حتى يَضَعَهُ؛ لأنَّ الإنزالَ مِنْ تَمامِ العَملِ.

وَوَجْهُهُ ما ذَكَرْنا أنَّ العَينَ كانَتْ أمانةً في يَدِه، فإذا حَبَسَها بدَيْنِه فقَد صارَ غاصِبًا، كَما لَو حَبَسَ المُودَعُ الوَديعةَ بالدَّيْنِ، هذا الذي ذَكَرْنا أنَّ العَملَ لا يَصيرُ مُسلَّمًا إلى المُستَأجِرِ إلَّا بعدَ الفَراغِ منه حتى لا يَملِكَ الأجيرُ المُطالَبةَ بالأُجرةِ قبلَ الفَراغِ، إذا كانَ المَعمولُ فيه في يَدِ الأجيرِ؛ فإنْ كانَ في يَدِ المُستَأجِرِ فقَدْرُ ما أوقَعَه مِنْ العَملِ فيه يَصيرُ مُسلَّمًا إلى المُستَأجِرِ قبلَ الفَراغِ مِنه، حتى يَملِكَ المُطالَبةَ بقَدْرِه مِنْ المدَّةِ بأنِ استَأجَرَ رَجُلًا لِيَبنيَ له بِناءً في مِلْكِه، أو فيما في يَدِه، بأنِ استَأجَرَه لِيَبنيَ له بِناءً في دارِه، أو يَعمَلَ له ساباطًا أو جَناحًا أو يَحفِرَ له بِئرًا أو قَناةً أو نَهَرًا أو ما أشبَهَ ذلك في مِلكِه، أو فيما في يَدِه فعَمِلَ بَعضَه، فلَه أنْ يُطالِبَه بقَدْرِه مِنْ الأُجرةِ، لَكنَّه يُجبَرُ على الباقي حتى لَوِ انهَدَمَ البِناءُ أو انهارَتِ البِئرُ أو وقعَ فيها الماءُ والتُّرابُ، وسَوَّاها مع الأرضِ، أو سقطَ السَّاباطُ فلَه أجْرُ ما عَمِلَه بحِصَّتِه؛ لأنَّه إذا كانَ

في مِلكِ المُستَأجِرِ أو في يَدِه فكلَّما عَمِلَ شَيئًا حَصَلَ في يَدِه قبلَ هَلاكِه، وصارَ مُسلَّمًا إلَيه، فلا يَسقُطُ بَدَلُه بالهَلاكِ.

وَلَو كانَ غيرَ ذلك في غيرِ مِلْكِه ويَدِه، لَيسَ له أنْ يَطلُبَ شَيئًا مِنْ الأُجرةِ قبلَ الفَراغِ مِنْ عَملِه وتَسليمِه إلَيه، حتى لَو هَلَكَ قبلَ التَّسليمِ لا يَجِبُ شَيءٌ مِنْ الأُجرةِ، لأنَّه إذا لَم يكُنْ في مِلكِه ولا في يَدِه تَوَقَّفَ وُجوبُ الأُجرةِ فيه على الفَراغِ والتَّمامِ (١).

وأمَّا المالِكيَّةُ فجاءَ في «المُدوَّنةُ»: قُلتُ: أرَأيتَ الحَدَّادينَ والقَصَّارينَ والخيَّاطينَ وأهلَ الصِّناعاتِ والحَمَّالينَ والبَغَّالينَ وأصحابَ السُّفُنِ؟ ألِهَؤلاءِ أنْ يَمنَعوا ما عَمِلوا بأجْرٍ وما حَمَلوا بكِراءٍ، يَمنَعوا ما في أيديهم مِنْ ذلك حتى يَستَوفوا كِراءَهم وأجْرَ عَملِهم؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: نَعَمْ، لَهُمْ أنْ يَمنَعوا ما في أيديهم مِنْ ذلك حتى يَستَوْفوا كِراءَهم وأجْرَ عَملِهم.

قُلتُ: أرَأيتَ إنْ حَبَسَ هذه الأشياءَ التي سَألَتُكَ عَنها هَؤُلاءِ العُمالُ وهَؤُلاءِ الحَمَّالونَ وهَؤُلاءِ البَغَّالونَ وأصحابُ السُّفُنِ فضاعَ ذلك مِنهم بَعدَما حَبَسوه؟

قالَ: أمَّا ما ضاعَ عندَ أهلِ الأعمالِ، مثلَ الصَّباغينَ والخيَّاطينَ ومَنْ ذَكَرتَ مِنهم فلا أجْرَ لَهم، وعليهمُ الضَّمانُ، لَازِمًا لَهم، لأنَّ أصْلَ ما أخَذوا

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «اللباب» (١/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «الاختيار» (٣/ ٦٦)، و «الدر المختار» (٦/ ١٧، ١٨)، و «الهندية» (٤/ ٤١٤).

عليه هذه الأمتِعةَ على الضَّمانِ، إلَّا أنْ تَقومَ لَهُمْ بيِّنةٌ على الضَّياعِ، فيُبرَؤُوا مِنْ الضَّمانِ، ولا أجْرَ لَهُم؛ لأنَّهم لَم يُسَلِّموا ما عَمِلوا إلى أربابِ المَتاعِ.

وأمَّا الأمتِعةُ التي حَمَلوها مِنْ البَزِّ، وجَميعِ الأشياءِ، ما خَلا ما يُؤكَلُ ويُشرَبُ، فلا ضَمانَ عليهم فيه إنْ ضاعَ، إلَّا أنْ يَغيبوا به ويَحوزوه عن أصحابِه؛ فيَكونَ بمَنزِلةِ الرَّهنِ، ويَكونوا ضامِنينَ لِمَا في أيديهم، وأمَّا ما لَم يَغيبوا عليه ويَحوزُوه فلا ضَمانَ عليهم فيه، ويَكونُ لَهمُ الأجرُ كامِلًا إنْ كانَ الأكرياءُ قد بَلَّغوه غايَتَه فضاعَ في الوجهيْنِ جَميعًا.

وأمَّا الطَّعامُ إنْ ضاعَ؛ فالأكرياءُ له ضامِنونَ، إلَّا أنْ يَكونَ لَهم بيِّنةٌ على التَّلَفِ مِنْ غيرِ فِعلِهم، أو يَكونَ أربابُ الطَّعامِ مع الطَّعامِ، فلا ضَمانَ عليهم، ويَكونَ لَهُمْ أُجرةٌ كامِلةٌ إنْ كانوا قد بَلَّغوه غايَتَه، وإنْ لَم يَكونوا بَلَّغوه غايَتَه فادَّعَى الأكرياءُ أنَّه ضاعَ بغَيرِ بيِّنةٍ لَم يُصَدَّقوا، وقيلَ لَهُمْ: عَلَيكم أنْ تَأتوا بطَعامٍ مِثلِه، إنْ لَم يكُنْ أربابُ الطَّعامِ مَعَهم، وإنْ كانَتْ لَهم بيِّنةٌ قيلَ لِأربابِ الطَّعامِ: هَلُمُّوا طَعامًا مِثلَه، يَحمِلْه لَكمُ الجَمَّالُ إلى مُنتَهَى الغايةِ، وعَلَيكم الكِراءُ كامِلًا، وهذا كلُّه قولُ مالِكٍ إلَّا ما كانَ مِنْ السُّفُنِ على البَلاغِ؛ فإنَّ مالِكًا قالَ: إذا غَرِقَتِ السَّفينةُ فليسَ لَها كِراءٌ، وجُعِلَ كِراءُ السُّفُنِ على البَلاغِ.

قالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: وما استُحمِلَ في السُّوقِ ممَّا يَحمِلُ الرجُلُ على عُنُقِه، والبِغالُ التي تَحمِلُ، فتَعثَّرَتِ الدَّابَّةُ أو تَعثَّرَ الرجُلُ فيَسقُطُ فيَنكَسِرُ ما عليه، أو يَحمِلُه إلى بَلَدٍ مِنْ البُلدانِ فيَعثُرُ البَعيرُ أو يَأتي مِنْ سَبَبِ الدَّابَّةِ أمْرٌ

يَكونُ ذَهابُ ما عليها مِنْ سَبَبِها، فسَبيلُه سَبيلُ السُّفُنِ، لا كِراءَ لَهُم؛ لأنَّهم كانوا إنَّما حَمَلوه على البَلاغِ؛ فلا كِراءَ لَهم، وكذلك قالَ مالِكٌ، وسَبيلُهم في الضَّمانِ فيما حَمَلوا سَبيلُ ما حَمَلَ الحَمَّالونَ والبَغَّالونَ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قُلتُ: وهذا قولُ مالِكٍ، قالَ نَعَمْ (١).

وأمَّا الشافِعيَّةُ فعِندَهم قولانِ في هَذا، قالَ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: إذا استَأجَرَ صانِعًا على عَملٍ مِنْ خِياطةٍ أو صِباغةٍ فعَمِلَ؛ فهَل له أنْ يَحبِسَ العَينَ على الأُجرةِ؟ فيه وَجهانِ:

أحَدُهما: لا يَجوزُ؛ لأنَّه لَم يَرهَنِ العَينَ عِندَه، فلَم يَجُزْ له احتِباسُها، كَما لَوِ استَأجَرَه لِيَحمِلَ له مَتاعًا فحَمَلَه، ثم أرادَ أنْ يَحبِسَ المَتاعَ على الأُجرةِ.

والآخَرُ: يَجوزُ؛ لأنَّ عَملَه ملكَه، فجازَ له حَبْسُه على العِوَضِ؛ كالمَبيعِ في يَدِ البائِعِ (٢).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وليسَ لِمُؤجِّرِ الأرضِ أنْ يَحتَبِسَ الأرضَ على المُستَأجِرِ على دَفْعِ الأُجرةِ، ولا لِلحَمَّالِ أنْ يَحبِسَ ما استُؤجِرَ على حَملِه مِنْ المَتاعِ لِيأخُذَ الأُجرةَ؛ لأنَّه في يَدِه أمانةٌ وليسَ برَهنٍ، فأمَّا الصَّانِعُ المُستَأجَرُ على عَملٍ مِنْ خِياطةٍ أو صِياغةٍ أو صَبْغٍ، هَلْ له احتِباسُ ما بِيَدِه مِنْ العَملِ على أُجرَتِه؟ فيه وَجهانِ:

(١) «المدونة الكبرى» (١١/ ٤٩٥، ٤٩٧).
(٢) «المهذب» (١/ ٤١٠).

أحَدُهما: لَيسَ له ذاكَ؛ قِياسًا على ما ذَكَرْنا.

والآخَرُ: له ذاكَ؛ لأنَّ عَملَه مِلْكٌ لَهُ؛ كالبائِعِ، واللَّهُ أعلمُ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا حَبَسَ الصَّانِعُ الثَّوبَ على أُجرَتِه بعدَ عَملِه -أي: قَصَّرَه أو خاطَهُ أو صَبَغَه، وفعلَ نَحوَها- فتَلِفَ، ضَمِنَه؛ لأنَّه لَم يَرهَنْه عِندَه، ولا أذِنَ له في إمساكِه، فلَزِمَه الضَّمانُ، كالغاصِبِ.

وإنْ أفلَسَ مُستَأجِرٌ -أي: لَوِ اشترَى ثَوبًا مثلًا ودفعَه لِصانِعٍ عَمِلَه-ثم جاءَ بائِعُه يَطلُبُه بعدَ فَسخِه البَيعَ؛ لِوُجودِ مَتاعِه عندَ مَنْ أفلَسَ، فلِلصَّانِعِ حَبْسُه على أُجرَتِه؛ لأنَّ العَملَ الذي هو عِوَضُها مَوجودٌ في عَينِ الثَّوبِ، فملكَ حَبْسَه، مع ظُهورِ عُسرةِ المُستَأجِرِ، كَمَنْ أجَّرَ دَابَّتَه أو نَحوَها لِإنسانٍ بأُجرةٍ حالَّةٍ، ثم ظَهرَتْ عُسرةُ المُستَأجِرِ، فإنَّ لِلمُؤجِّرِ حَبْسَها عِندَه، وفَسْخَ الإجارةِ، ثم إنْ كانَتْ أُجرَتُه أكثَرَ ممَّا زادَتْ به قِيمَتُه أخَذَ الزِّيادةَ، وحاصَصَ الغُرَماءَ بما بَقيَ له مِنْ الأُجرةِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: اختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ يَمْلِكُ البائِعُ حَبسَ السِّلعةِ على ثَمنِها؟ وهَل يَملِكُ المُستَأجِرُ حَبْسَ العَينِ بعدَ العَملِ على الأُجرةِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:

أحَدُها: يَملِكُه في المَوضِعَيْنِ، وهو قولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ، وهو المُختارُ.

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٧٢).
(٢) «المغني» (٥/ ٣١٠)، و «المبدع» (٥/ ١١١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٤، ٤٥)، و «الإنصاف» (٦/ ٧٧).

والثَّاني: لا يَملِكُه في المَوضِعَيْنِ، وهو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ أحمدَ عندَ أصحابِه.

والثَّالث: يَملِكُ حَبْسَ العَينِ المُستَأجَرةِ على عَملِها، ولا يَملِكُ حَبسَ المَبيعِ على ثَمنِه.

والفَرقُ بَينَهما أنَّ العَملَ يَجري مَجرَى الأعيانِ، ولِهَذا يُقابَلُ بالعِوَضِ، فصارَ كَأنَّه شَريكٌ لِمالِكِ العَينِ بعَملِه، فأثَرُ عَملِه قائِمٌ بالعَينِ فلا يَجِبُ عليه تَسليمُه قبلَ أنْ يَأخُذَ عِوَضَه، بخِلافِ المَبيعِ؛ فإنَّه قد دخلَ في مِلْكِ المُشتَرِي وصارَ الثَّمنُ في ذِمَّتِه، ولَم يَبْقَ لِلبائِعِ تَعلّقٌ بالعَينِ، ومَن سَوَّى بَينَهما قالَ: الأُجرةُ قد صارَتْ في الذِّمةِ، ولَم يَشتَرِطْ رَهنَ العَينِ عليها، فلا يَملِكُ حَبْسَها.

وعلى هذا فالحِيلةُ في الحَبسِ في المَوضِعَيْنِ حتى يَصِلَ إلى حَقِّه أنْ يَشتَرِطَ عليه رَهنَ العَينِ المُستَأجَرةِ على أُجرَتِها، فيَقولَ: رَهَنتُكَ هذا الثَّوبَ على أُجرَتِه، وهي كَذا وكَذا، وهَكَذا في المَبيعِ يَشتَرِطُ على المُشتَرِي رَهنَه على ثَمنِه حتى يُسَلِّمَه إلَيه، ولا مَحذورَ في ذلك أصْلًا، ولا مَعنًى، ولا مَأخَذَ قَويًّا يَمنَعُ صِحَّةَ هذا الشَّرطِ والرَّهنِ، وقَدِ اتَّفَقوا على أنَّه لَو شرطَ عليه رَهنَ عَينٍ أُخرَى على الثَّمنِ جازَ؛ فما الذي يَمنَعُ جَوازَ رَهنِ المَبيعِ على ثَمنِه ولا فَرقَ بينَ أنْ يَقبِضَه، وألَّا يَقبِضَه، على أصَحِّ القوليْنِ، وقَد نَصَّ الإمامُ أحمَدُ على جَوازِ اشتِراطِ رَهنِ المَبيعِ على ثَمنِه، وهو الصَّوابُ، ومُقتَضَى قَواعِدِ الشَّرعِ وأُصولِه.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب تضمين المستأجر والاجير

قال المصنف رحمه الله تعالى:

* (باب تضمين المستأجر والاجير)

* إذا تلفت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير فعله لم يلزمه الضمان، لانه عين قبضها ليستوفى منها ما ملكه، فلم يضمنها بالقبض كالمرأة في يد الزوج، والنخلة التى اشترى ثمرتها، وإن تلفت بفعله نظرت فان كان بغير عدوان كضرب الدابة وكبحها باللجام للاستصلاح لم يضمن لانه هلك من فعل مستحق فلم يضمنه كما لو هلك تحت الحمل، وان تلفت بعدوان كالضرب من غير حاجة لزمه الضمان،

لانه جناية على مال الغير لزمه ضمانه.

(فصل)

وان اكترى ظهرا إلى مكان فجاوز به المكان فهلك نظرت، فان لم يكن معه صحابه لَزِمَهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ جاوز به المكان إلى أن تلف لانه ضمنه باليد من حين جاوز فصار كالغاصب، وان كان صاحبه معه نظرت، فان هلك بعد نزوله وتسليمه إلى صاحبه لم يضمن، لانه ضمنه باليد فبرئ بالرد كالمغصوب إذا رده إلى مالكه، وان تلف في حال السير والركوب ضمن، لانه هلك في حال العدوان، وفى قدر الضمان قولان.

(أحدهما)

نصف قيمته، لانه تلف من مضمون وغير مضمون، فكان الضمان بينهما نصفين، كما لو مات من جراحته وجراحة مالكه.

(والثانى)

أنه تقسط القيمة على المسافتين، فما قابل مسافة الاجارة سقط، وما قابل الزيادة يجب، لانه يمكن تقسيطه على قدرهما فقط بناء على القولين في الجلاد إذا ضرب رجلا في القذف احدى وثمانين فمات، وان تعادل اثنان ظهرا استأجراه وارتدف معهما ثالث من غير اذن فتلف الظهر ففيه ثلاثه أوجه.

(أحدها) أنه يجب على المرتدف نصف القيمة، لانه هلك من مضمون وغير مضمون.

(والثانى)

يجب عليه الثلث، لان الرجال لا يوزنون فقسط الضمان على عددهم.

(والثالث) أنه يقسط على أوزانهم، فيجب على المرتدف ما يخصه بالوزن لانه يمكنه تقسيطه بالوزن فقسط عليه.

(فصل)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 496 - 503

ارجع إلى أقسام الأجراء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد