ضمان الحجام والطبيب والختان والبيطار

الإسلام > الشركات والإجارات > أقسام الأجراء > ضمان الحجام والطبيب والختان والبيطار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

ضمان الحجام والطبيب والختان والبيطار - الأقوال والأدلة

ضَمانُ الحَجَّامِ والطَّبيبِ والخَتَّانِ والبَيْطارِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الطَّبيبَ إنْ جَهِلَ قَواعِدَ الطِّبِّ، أو كانَ غيرَ حاذِقٍ فيها، فدَاوَى مَريضًا وأتلَفَه بمُداواتِه، أو أحدَثَ به عَيبًا، أو عَلِمَ قَواعِدَ التَّطبيبِ وقَصَّرَ في تَطبيبِه، فسَرَى التَّلَفُ أو التَّعَيُّبُ، أو عَلِمَ قَواعِدَ التَّطبيبِ ولَم يُقصِّرْ، ولَكنَّه طَبَّبَ المَريضَ بلا إذْنٍ مِنه. كَما لَو خَتَنَ صَغيرًا بغَيرِ إذْنِ وَلِيِّه، أو كَبيرًا قَهرًا عَنه، أو وهو نائِمٌ، أو أطعَم مَريضًا دَواءً قَهرًا عنه، فنَشَأ عن ذلك تَلَفٌ وعَيبٌ، أو طَبَّبَ بإذْنٍ غيرِ مُعتَبَرٍ؛ لِكَونِه مِنْ صَبيِّ، إذا كانَ الإذْنُ في قَطعِ يَدٍ مثلًا، أو بعَضُدٍ أو حِجامةٍ أو خِتانٍ، فأدَّى إلى تَلَفٍ أو عَيبٍ، فإنَّه في ذلك كلِّه يَضمَنُ ما تَرتَّبَ عليه (١).

قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ قَطعَ الخاتِنِ إذا أخطَأَ فقَطَعَ الذكرَ والحَشَفةَ أو بَعضَها، فعليه ما أخطَأَ به، يَعقِلُه عنه العاقِلةُ (٢).

وقالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ الطَّبيبَ إذا لَم يَتعدَّ -أي: ما تُعُورِفَ عليه مِنْ قانونِ الطِّبِّ- لَم يَضمَنْ (٣).

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ المُداويَ إذا تَعدَّى ما أُمِرَ به ضَمِنَ ما تَلِفَ بتَعَدِّيه ذلك (٤).

(١) «جواهر الأكليل» (٢/ ٢٩٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٢٧)، و «المغني» (٧/ ٤٦٨، ٤٦٩).
(٢) «الإجماع» (٦٩٧).
(٣) «الإجماع» (٦٩٦).
(٤) «الاستذكار» (٨/ ٦٣).

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الحَفيدُ رحمة الله عليه: «لَا خِلافَ أنَّه إذا لَم يكُنْ مِنْ أهلِ الطِّبِّ، أنَّه يَضمَنُ؛ لأنَّه مُتعَدٍّ» (١) اه.

وقالَ الحَنفيَّةُ أيضًا: إذا فَصَدَ الفَصَّادُ (٢) بإذْنِ المَفصودِ، أو بَزَغَ (٣) البَزَّاغُ، أي: البَيْطارُ، بإذْنِ ربِّ الدَّابَّةِ، ولَم يَتجاوَزْ المَوضِعَ المُعتادَ فلا ضَمانَ عليه فيما عَطِبَ مِنْ ذلك؛ لأنَّه لا يُمكِنُ الاحتِرازُ عن السِّرايةِ (٤)؛ لأنَّه يُبتَنَى على قُوَّةِ الطِّباعِ وضَعْفِها، ولا يَعرِفُ ذلك بنَفْسِه، فلا يُمكِنُ تَقييدُه بالسَّلامةِ؛ فسقطَ اعتِبارُه، وإنْ تَجاوَزَه ضَمِنَ؛ لأنَّه لَم يُؤذَنْ له في ذلك، وهذا إذا كانَ البَزغُ بإذْنِ صاحِبِ الدَّابَّةِ، أمَّا إذا كانَ بغَيرِ إذْنِه فهو ضامِنٌ، سَواءٌ تَجاوَزَ المَوضِعَ المُعتادَ أو لا.

وَمَنْ أمَرَ خَتَّانًا لِيَختِنَ صَبيًّا، ففعلَ الخَتَّانُ ذلك، فقَطَعَ حَشَفَتَه، وماتَ الصَّبيُّ مِنْ ذلك، فعلى عاقِلةِ الخَتَّانِ نِصفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ المَوتَ حَصَلَ بفِعلَيْنِ:

أحَدُهما: مَأذونٌ فيه، وهو قَطعُ القُلفةِ.

والآخَرُ: غيرُ مَأذونٍ فيه، وهو قَطعُ الحَشَفةِ، فيَجِبُ نِصفُ الضَّمانِ.

أمَّا إذا بَرِئَ فجُعِلَ قَطعُ الجِلدةِ -وَهو مَأذونٌ فيهِ- كَأنْ لَم يكُنْ، وقَطَعُ

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٤١٨).
(٢) الفَصد: شق وريد أو قطع عرق.
(٣) بَزَغ الحاجِمُ والبَيْطارُ، من بَزَغ الشَّيء إذا شقَّه: أي شَرطا، والمِبْزَغ: المِشْرَط.
(٤) يُقال: سَرى الجُرح إلى النَّفس، أي: أثَّر فيها الجُرح حتى هلَكت.

الحَشَفةِ غيرُ مَأذونٍ فيه، وجبَ ضَمانُ الحَشَفةِ كامِلًا، وهو الدِّيةُ؛ لأنَّ الحَشَفةَ عُضوٌ مَقصورٌ، لا ثانيَ له في النَّفْسِ؛ فيُقدَّرُ بَدَلٌ ببَدَلِ النَّفْسِ، كَما في قَطعِ اللِّسانِ.

قالَ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: هذا مِنْ أعجَبِ المَسائِلِ؛ حَيثُ وجبَ الأكثَرُ بالبُرءِ، والأقَلُّ بالهَلاكِ (١).

وقالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنَفيُّ رحمة الله عليه: « … قَطَعَ الحَجَّامُ لَحمًا مِنْ عَينِه، وكانَ غيرَ حاذِقٍ، فعَميَتْ، فعليه نِصفُ الدِّيةِ». اه (٢).

فَقولُهُ: «وَكانَ غيرَ حاذِقٍ»، المُرادُ أنَّه جاهِلٌ بتلك المُهِمَّةِ التي قامَ بفِعلِها، ثم بيَّنَ حُكمَه، وأنَّه يَجِبُ عليه ضَمانُ نِصفِ الدِّيةِ؛ لأنَّ العَينَ مِنْ الأعضاءِ المُثَنَّاةِ في جِسمِ الإنسانِ، تُضَمَنُ الدِّيةُ كامِلةً بتَلَفِ كِلتَا العَينَيْنِ، ونَصِفُها بتَلَفِ الواحِدةِ مِنهما، كَما هو الحالُ في مَسألَتِنا.

وقالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه: وفي القُنْيةِ: سُئِلَ مُحمَّدٌ نَجمُ الدِّينِ: عَنْ صَبيَّةٍ سقطَتْ مِنْ السَّطحِ، فانتَفَخَ رَأْسُها، فقالَ كَثيرٌ مِنْ الجَرَّاحينَ: إنْ شَقَقتُم رَأْسَها تَموتُ، وقالَ واحِدٌ مِنهم: إنْ لَم تَشُقُّوه اليَومَ تَموتُ، وأنا أشُقُّه وأُبرِئُها، ثم ماتَتْ بعدَ يَومٍ أو يَومَيْنِ، هَلْ يَضمَنُ؟

فَتَأمَّلَ مَلِيئًّا ثم قالَ: لا يَضمَنُ إنْ كانَ الشَّقُّ بإذْنٍ، وكانَ مُعتادًا، ولَم

(١) «الهداية» (٣/ ٣٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٤٣)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٣٧)، و «ابن عابدين» (٦/ ٩٦)، و «فتح القدير» (٧/ ٢٠٦)، و «مجمع الضمانات» (١٤٦)، و «اللباب» (١/ ٤٨١)، و «الهندية» (٤/ ٤٩٩).
(٢) «الأشباه والنظائر» (٢٩٠)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٦٧).

يكُنْ فاحِشًا خارِجَ الرَّسمِ (١). فقيلَ له: إنَّما أذِنوا بِناءً على أنَّه عِلاجُ مِثلِها.

فقالَ: ذلك لا يُوقَفُ عليه، فاعتُبِرَ نَفْسُ الإذْنِ. فقيلَ له: فلو كانَ قالَ هذا الجَرَّاحُ: إنْ ماتَتْ مِنْ هذا الجُرحِ فأنا ضامِنٌ، هل يَضمَنُ؟ قالَ: لا. اه. قالَ ابنُ عابدينَ: فلَم يُعتبَرْ شَرطُ الضَّمانِ؛ لأنَّ شَرطَه على الأمينِ باطِلٌ على ما عليه الفَتْوَى (٢).

وعِندَ الحَنفيَّةِ: لوِ استَأجَرَ حَجَّامًا؛ لِيَقلَعَ له سِنًّا، فقَلَعَ، فقالَ صاحِبُ السِّنِّ: ما أمَرتُ بقَلعِ هذه، كانَ القولُ قَولَه، ويَضمَنُ القالِعُ أرْشَ السِّنِّ، ولو قَلَعَ ما أمَرَه به فانقَلعَتْ سِنٌّ أُخرى مُتصلةٌ بهذه السِّنِّ لا يَضمَنُ (٣).

وَفي «مُختصَرُ الطَّحاويِّ»: مَنِ استُؤجِرَ على عَبدٍ يَحجُمُه، أو على دَابَّةٍ يَبزُغُها، ففعلَ ذلك فعَطَّبَها بفِعلِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ أصْلَ العَملِ كانَ مَأذونًا فيه، فما تَوَلَّدَ منه لا يَكونُ مَضمونًا عليه، إلَّا إذا تَعدَّى، فحينئذٍ يَضمَنُ.

وَكذلك إذا كانَ في يَدِه آكِلَةٌ، فاستَأجَرَ رَجُلًا لِيَقطَعَ يَدَه فماتَ، فلا ضَمانَ عليه (٤).

وقالَ المالِكيَّةُ: الطَّبيبُ إذا فعَلَ طِبَّه على جَهلٍ منه بعِلمِ الطِّبِّ فأدَّى

(١) أي بعيدًا عن الأصُولِ المَرسومةِ في المِهنةِ، ممَّا يَختلِفُ باختِلافِ التَّقدُّمِ الطِّبيِّ والمَعرفةِ الفَنيِّةِ.
(٢) «الدر المختار» (٦/ ٥٦٧، ٥٦٨)، و «مجمع الضمانات» (١٤٧).
(٣) «مجمع الضمانات» (١٤٦).
(٤) «مختصر الطحاوي» (١٢٩).

ذلك إلى الهَلاكِ، فإنَّه يَضمَنُ، وكذلك إذا عَلِمَ وقَصَّرَ في المُعالَجةِ، كَأنْ أرادَ قَلعَ سِنٍّ فقَلَعَ غَيرَها خَطَأً، أو تَجاوَزَ بغَيرِ اختيارِه الحَدَّ المَعلومَ في الطِّبِّ عندَ أهلِ المَعرِفةِ، كَأنْ زَلَّتْ أو تَرامَتْ يَد خاتِنٍ، أو سَقَى عَليلًا دَواءً غيرَ مُناسِبٍ لِلدَّاءِ، مُعتقِدًا أنَّه يُناسِبُه، وقَد أخطَأَ في اعتِقادِهِ؛ فإنَّه يَضمَنُ، والضَّمانُ على عاقِلَتِه، إلَّا فيما دونَ الثُّلُثِ، ففي مالِه.

وَإنَّما لَم يُقتَصَّ مِنْ الطَّبيبِ الجاهِلِ لأنَّ الفَرضَ أنَّه لَم يَقصِدْ ضَرَرًا؛ وإنَّما قَصَدَ نَفْعَ العَليلِ، أو رَجا ذلك، وأمَّا لَو قَصَدَ ضَرَرَهُ؛ فإنَّه يُقتَصُّ مِنه، والأصْلُ عَدَمُ العَداءِ إنِ ادُّعِيَ عليه ذلك.

أمَّا إذا لَم يُقصِّرْ وهو عالِمٌ بالطِّبِّ بأنْ فعلَ ما يُناسِبُ المَرَضَ في الطِّبِّ، ولَكنَّه نَشَأَ عنه عَيبٌ أو تَلَفٌ فلا ضَمانَ عليه، بَلْ هَدَرٌ.

وَكذلك يَضمَنُ الطَّبيبُ إذا داوَى بلا إذْنٍ مُعتَبَرٍ، بأنْ كانَ بلا إذْنٍ أصْلًا، كَما لَو خَتَنَ صَغيرًا قَهرًا عنه، أو كَبيرًا وهو نائِمٌ، أو أطعَم مَريضًا دَواءً قَهرًا عنه فنَشَأَ عن ذلك تَلَفٌ، أو بإذْنٍ غيرِ مُعتَبَرٍ شَرعًا، كَأنْ داوَى صَبيًّا، أو مَجنونًا بإذنِهِما؛ فإنَّه يَضمَنُ مُوجِبَ فِعلِه؛ لأنَّ إذنَهُما غيرُ مُعتَبَرٍ شَرعًا، وكذلك لَو فَصَدَ عَبدًا، أو حَجَمَه، أو خَتَنَه مُعتَمِدًا على إذْنِه، فنَشَأَ عن ذلك عَيبٌ أو تَلَفٌ؛ فإنَّه يَضمَنُ؛ لأنَّ إذْنَه غيرُ مُعتَبَرٍ شَرعًا (١).

وقالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: إذا خَتَنَ الخاتِنُ صَبيًّا، أو سَقَى الطَّبيبُ مَريضًا

(١) «جواهر الأكليل» (٢/ ٢٩٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١١٠، ١١١)، و «منح الجليل» (٩/ ٣٦١)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٣٣٩)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٢٧)، و «المغني» (٧/ ٤٦٨، ٤٦٩).

دَواءً، أو قَطَعَ له شَيئًا، أو كَواه فماتَ مِنْ ذلك فلا ضَمانَ على واحِدٍ مِنهما، لا في مالِه، ولا على عاقِلَتِه؛ لأنَّه ممَّا فيه تَغريرٌ، فكَأنَّ صاحِبَه هو الذي عَرضَه لِمَا أصابَه، وهذا إذا كانَ الخاتِنُ أو الطَّبيبُ مِنْ أهلِ المَعرِفةِ، ولَم يُخطِئْ في فِعلِه. فإذا كانَ أخَطَأَ في فِعلِه -والحالُ أنَّه مِنْ أهلِ المَعرِفةِ- فالدِّيةُ على عاقِلَتِه. فإنْ لَم يكُنْ مِنْ أهلِ المَعرِفةِ عُوقِبَ.

وَفي كَونِ الدِّيةِ على عاقِلَتِه، أو في مالِه، قولانِ:

الأولُ: لِابنِ القاسِمِ.

والآخَرُ: لِمالِكٍ، وهو الرَّاجِحُ؛ لأنَّ فِعلَه عَمدٌ، والعاقِلةُ لا تَحمِلُ العَمدَ (١).

وقالَ النَّفْراويُّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: « … إنْ عالَجَ بالطِّبِّ المَريضَ، وماتَ مِنْ مَرَضِه، فلا شَيءَ عليه، بخِلافِ الجاهِلِ، أو المُقَصِّرِ، فإنَّه يَضمَنُ ما نَشَأَ عن فِعلِه … » (٢)، فاعتَبَرَ رحمة الله عليه الجَهلَ بالفِعلِ مُوجِبًا لِضَمانِ ما نَشَأَ عن ذلك الفِعلِ مِنْ ضَرَرٍ.

وجاءَ في «المُدوَّنةُ»: في البَيْطارِ يَطرَحُ الدَّابَّةَ فتَعطَبُ، لَا شَيءَ عليه إذا فعلَ بها ما يَفعَلُ البَيْطارُ، وطَرَحَها كما يَطرَحُ البَيْطارُ الدَّوابَّ؛ فإنْ فعلَ غيرَ ذلك ضَمِنَ عندَ الإمامِ مالِكٍ (٣).

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٣٧٥، ٣٧٦).
(٢) «الفواكه الدواني» (٢/ ٣٣٩).
(٣) «المدونة الكبرى» (١١/ ٤٩٧).

وأمَّا الشافِعيَّةُ فقالَ الشَّيخُ شِهابُ الدِّينِ القَليوبيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «شَرطُ الطَّبيبِ أنْ يَكونَ ماهِرًا، بمَعنَى أنْ يَكونَ خَطَؤُه نادِرًا، وإنْ لَم يكُنْ ماهِرًا في العِلمِ فيما يَظهَرُ فتَكفي التَّجرِبةُ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك، لَم يَصحَّ العَقدُ، ويَضمَنُ ويَرجِعُ عليه بما أخَذَه مِنْ أُجرةٍ وغَيرِها … » (١).

وَقالوا: ومَن حَجَمَ غيرَه أو فَصَدَه بإذْنٍ مُعتَبَرٍ؛ كَقَولِ حُرٍّ مُكَلَّفٍ لِحاجِمٍ: احجُمْنِي أو افْصِدْني، ففعلَ، وأفضَى لِلتَّلَفِ، لَم يَضمَنْ ما تَوَلَّدَ مِنه، وإلَّا لَم يَفعَلْه أحَدٌ، هذا إنْ لَم يُخطِئْ؛ فإنْ أخطَأَ ضَمِنَ وتحَمَّلَتْه العاقِلةُ، كَما نَصَّ عليه الشافِعيُّ في الخاتِنِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وأجمَعوا على أنَّ الطَّبيبَ إذا لَم يَتعدَّ لَم يَضمَنْ.

وَإذا تَعدَّى الخاتِنُ بالجُرحِ المُهلِكِ، كَأنْ خَتَنَه في سَنٍّ لا يَحتَمِلُه؛ لِضَعفٍ ونَحوِه، أو لِشِدَّةِ حَرٍّ وبَردٍ، فماتَ، لَزِمَه القَصَاصُ، إنْ عَلِمَ أنَّه لا يَحتَمِلُه لِتَعَدِّيه بالجُرحِ المُهلِكِ؛ لأنَّه غيرُ جائِزٍ في هذه الحالةِ قَطعًا، فإنْ ظَنَّ كَونَه مُحتَمِلًا، كَأنْ قالَ له أهلُ الخِبرةِ: يَحتَمِلُه، فماتَ، فلا قِصاصَ، لِانتِفاءِ التَّعدِّي، ويَجِبُ دِيةُ شِبهِ العَمدِ، إلَّا الوالِدَ، وإنْ عَلَا، إذا خَتَنَه في سِنٍّ لا يَحتَمِلُه، فلا قِصاصَ عليه لِلبِضعيَّةِ، ويَجِبُ عليه دِيَةٌ مُغلَّظةٌ في مالِهِ؛ لأنَّه عَمدٌ مَحضٌ.

والسَّيِّدُ في خِتانِ رَقيقِه لا ضَمانَ عليه، والمُسلِمُ في خِتانِ كافِرٍ لا قِصاصَ عليه.

(١) «حاشية قليوبي» (٣/ ٧٩).

فَإنِ احتَمَلَه وخَتَنَه وَلِيٌّ فماتَ، فلا ضَمانَ عليه في الأصَحِّ؛ لأنَّه لا بدَّ مِنه، والتَّقديمُ أسهَلُ مِنْ التَّأخيرِ؛ لِمَا فيه مِنْ المَصلَحةِ.

ورَأْيٌ آخَرُ: يَضمَنُ؛ لأنَّه غيرُ واجِبٍ في الحالِ، فلَم يُبَحْ، إلَّا بشَرطِ سَلامةِ العاقِبةِ.

وَوَلِيُّ الأبِ والجَدِّ والحاكِمِ والقيِّمِ والوَصيِّ كذلك، ومَن لَيسَ بوَليٍّ يَضمَنُ قَطعًا لِتَعَدِّيهِ بالمُهلِكِ، فيُقتَصُّ مِنه، إلَّا إذا قَصَدَ بذلك إقامةَ الشِّعارِ، فلا يَتَّجِهُ القِصاصُ، لأنَّ ذلك يَتضمَّنُ شُبهةً في التَّعدِّي.

والبالِغُ المَحجورُ عليه بسَفَهٍ مُلحَقٌ بالصَّغيرِ (١).

إذا أجْرَى الطَّبيبُ تَخديرًا لِلمَريضِ دونَ أنْ يَختَبِرَ حَساسِيَتَه لِلبِنْجِ، فماتَ المَريضُ، ضَمِنَ الطَّبيبُ (٢).

ولو أجرَى الطَّبيبُ الجِراحةَ في عَينِ المَريضِ، والمَريضُ عِندَه ارتِفاعٌ في ضَغطِ الدَّمِ، ففَقَدَ المَريضُ عَينَه أو ماتَ، ضَمِنَ؛ لأنَّه يَجِبُ على الطَّبيبِ ألَّا يُقدِمَ على الجِراحةِ إلَّا إذا كانَ ضَغطُ الدَّمِ مُعتَدِلًا (٣).

وَسُئِلَ الإمامُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ رحمة الله عليه عن رَجُلٍ مَريضٍ أرسَلَ إلى حَكيمٍ، فجاءَ إلَيه، وأمَرَه بشَربةٍ، فشَرِبَها، فتَعِبَ لَها تَعَبًا شَديدًا، بحَيثُ قارَبَ المَوتَ، ثم مَنَّ اللَّهُ عليه ببَعضِ شَيءٍ مِنْ العافيةِ، ثم اشتَدَّ المَرَضُ،

(١) «مغني المحتاج» (٥/ ٥٣٢، ٥٣٤)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ١٨٢) ط. المكتب الإسلامي، و «السراج الوهاج» (١/ ٥٣٨).
(٢) «تكملة المجموع» للمطيعي (١٥/ ٣٥٠ - ٣٥٥).
(٣) المصدر السابق.

فقالَ لِوَرثَتِه: ما أنا لَكُمْ بصاحِبٍ، وسَبَبُ ذلك الشَّربةُ التي أسقانيها فُلانٌ. ثم ماتَ، فما حُكمُ الإسلامِ في ذلك؟

فَأجابَ: لَا قِصاصَ وَلَا دِيةَ على الطَّبيبِ المَذكورِ بمُجرَّدِ أمْرِه لِلمَريضِ المَذكورِ بشُربِ الدَّواءِ المَذكورِ، واللَّهُ أعلمُ (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فجاءَ في «المُغني» لِابنِ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: (وَلا ضَمانَ على حَجَّامٍ ولا خَتَّانٍ ولا مُتطَبِّبٍ إذا عُرِفَ مِنهم حَذقُ الصَّنعةِ، ولَم تَجنِ أيديهم).

وَجُملَتُه أنَّ هَؤُلاءِ إذا فَعَلوا ما أُمِروا به لَم يَضمَنوا، بشَرطَيْنِ:

أحَدُهما: أنْ يَكونوا ذَوي حَذْقٍ في صِناعَتِهم، ولَهم بها بَصارةٌ ومَعرِفةٌ؛ لأنَّه إذا لَم يكُنْ كذلك لَم يَحِلَّ له مُباشَرةُ القَطعِ، وإذا قَطَعَ مع هذا كانَ فاعِلًا مُحرَّمًا، فيَضمَنُ سَرايَتَه؛ كالقَطعِ ابتِداءً.

والآخَرُ: ألَّا تَجنيَ أيديهم فيَتَجاوَزوا ما يَنبَغي أنْ يُقطَعَ، فإذا وُجِدَ هَذانِ الشَّرطانِ لَم يَضمَنوا؛ لأنَّهم قَطَعوا قَطعًا مَأْذونًا فيه؛ فلَم يَضمَنوا سَرايَتَه؛ كَقَطعِ الإمامِ يَدَ السَّارِقِ، أو فعلَ فِعلًا مُباحًا مَأذونًا في فِعلِه أشبَهَ ما ذَكَرْنا، فأمَّا إنْ كانَ حاذِقًا وجَنَتْ يَده، مثلَ أنْ تَجاوَزَ قَطعَ الخِتانِ إلى الحَشَفةِ أو إلى بَعضِها، أو قَطعَ في غيرِ مَحَلِّ القَطعِ، أو يَقطَعُ السِّلعةَ مِنْ إنسانٍ فيَتَجاوَزُها، أو يَقطَعُ بآلةٍ كَآلةٍ يَكثُرُ ألَمُها، أو في وَقتٍ لا يَصلُحُ القَطعُ فيه، وفي أشباهِ هذا ضَمِنَ فيه كلِّه؛ لأنَّه إتلافٌ لا يَختَلِفُ ضَمانُه بالعَمدِ والخَطَأِ،

(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٤/ ٢١٨).

فأشبَهَ إتلافَ المالِ، ولأنَّ هذا فِعلٌ مُحرَّمٌ؛ فيَضمَنُ سَرايَتَه، كالقَطعِ ابتِداءً، وكذلك الحُكمُ في النِّزاعِ، وكذلك القاطِعُ في القِصاصِ، وقاطِعُ يَدِ السَّارِقِ، وهذا مَذهَبُ الشافِعيِّ وأصحابِ الرَّأْيِ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣١٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٢٤، ١٢٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٨٨)، و «المبدع» (٥/ ١١٠)، و «الإنصاف» (٦/ ٤٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٢٨، ٢٢٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب تضمين المستأجر والاجير

قال المصنف رحمه الله تعالى:

* (باب تضمين المستأجر والاجير)

* إذا تلفت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير فعله لم يلزمه الضمان، لانه عين قبضها ليستوفى منها ما ملكه، فلم يضمنها بالقبض كالمرأة في يد الزوج، والنخلة التى اشترى ثمرتها، وإن تلفت بفعله نظرت فان كان بغير عدوان كضرب الدابة وكبحها باللجام للاستصلاح لم يضمن لانه هلك من فعل مستحق فلم يضمنه كما لو هلك تحت الحمل، وان تلفت بعدوان كالضرب من غير حاجة لزمه الضمان،

لانه جناية على مال الغير لزمه ضمانه.

(فصل)

وان اكترى ظهرا إلى مكان فجاوز به المكان فهلك نظرت، فان لم يكن معه صحابه لَزِمَهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ جاوز به المكان إلى أن تلف لانه ضمنه باليد من حين جاوز فصار كالغاصب، وان كان صاحبه معه نظرت، فان هلك بعد نزوله وتسليمه إلى صاحبه لم يضمن، لانه ضمنه باليد فبرئ بالرد كالمغصوب إذا رده إلى مالكه، وان تلف في حال السير والركوب ضمن، لانه هلك في حال العدوان، وفى قدر الضمان قولان.

(أحدهما)

نصف قيمته، لانه تلف من مضمون وغير مضمون، فكان الضمان بينهما نصفين، كما لو مات من جراحته وجراحة مالكه.

(والثانى)

أنه تقسط القيمة على المسافتين، فما قابل مسافة الاجارة سقط، وما قابل الزيادة يجب، لانه يمكن تقسيطه على قدرهما فقط بناء على القولين في الجلاد إذا ضرب رجلا في القذف احدى وثمانين فمات، وان تعادل اثنان ظهرا استأجراه وارتدف معهما ثالث من غير اذن فتلف الظهر ففيه ثلاثه أوجه.

(أحدها) أنه يجب على المرتدف نصف القيمة، لانه هلك من مضمون وغير مضمون.

(والثانى)

يجب عليه الثلث، لان الرجال لا يوزنون فقسط الضمان على عددهم.

(والثالث) أنه يقسط على أوزانهم، فيجب على المرتدف ما يخصه بالوزن لانه يمكنه تقسيطه بالوزن فقسط عليه.

(فصل)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 518 - 527

ارجع إلى أقسام الأجراء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل