ويشترط لضمان الصانع لمصنوعه شروط

الإسلام > الشركات والإجارات > أقسام الأجراء > ويشترط لضمان الصانع لمصنوعه شروط

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ويشترط لضمان الصانع لمصنوعه شروط - الأقوال والأدلة

فقَطْ؛ لأنَّه أمينٌ في ذلك الآخَرِ، لا صانِعٌ، فمَن دفعَ لِطَحَّانٍ قَمحًا في قُفَّةٍ لِيَطحَنَه لَه، أو دفعَ لِناسِخٍ كِتابًا لِينسَخَ له منه آخَرَ، فادَّعَى ضَياعَ الكلِّ، ضَمِنَ القَمحَ دونَ القُفَّةِ، وضَمِنَ الكِتابَ المَنسوخِ دونَ المَنسوخِ مِنه، فأحْرَى في عَدَمِ الضَّمانِ ما لا يَحتاجُ له العَملُ؛ كَأحَدِ الخُفَّيْنِ يَحتاجُ إلى إصلاحٍ، فيَدفَعُ الفَردَتَيْنِ إلى الصَّانِعِ، فتَضيعُ التي لا صَنعةَ له فيها.

وَيَضمَنُ ما تَلِفَ ممَّا له فيه صَنعةٌ، وإنْ صَنَعَ ذلك في بَيتِه أو حانوتِه، وسَواءٌ عَمِلَه بأجْرٍ أو بغَيرِه، وسَواءٌ تَلِفَ بصَنعَتِه أو بغَيرِ صَنعَتِه، ما لَم يكُنْ في ذلك تَغريرٌ؛ كَنَقشِ الفُصوصِ وثَقبِ اللُّؤلُؤِ وتَقويمِ السُّيوفِ وإحراقِ الخُبزِ عندَ الفَرَّانِ، ووَضعِ الثَّوبِ في قِدْرِ الصَّباغِ؛ إلَّا أنْ يَتعدَّى فيها.

وعلى جَميعِ الصُّنَّاعِ البيِّنةُ أنَّهم رَدُّوا المَتاعَ الذي عَمِلوه بأجْرٍ أو بغَيرِه، أخَذُوه ببيِّنةٍ أو بغَيرِها؛ إذا أقَرُّوا به.

وَيُشترَطُ لِضَمانِ الصَّانِعِ لِمَصنوعِه شُروطٌ:

مِنها: أنْ يَنصِبَ نَفْسَه لِلصَّنعةِ لِعامَّةِ النَّاسِ يَحتَرِزُ به عن الأجيرِ الخاصِّ لِشَخصٍ أو لِجَماعةٍ مَخصوصِينَ؛ فإنَّه لا ضَمانَ عليه، والصَّانِعُ الخاصُّ الذي لَم يَنصِبْ نَفْسَه لِلصَّنعةِ لا ضَمانَ على هَؤُلاءِ؛ لأنَّ التَّضمِينَ إنَّما كانَ لِلمَصلَحةِ العامَّةِ.

وَمِنها: أنْ يَغيبَ على السِّلعةِ المَصنوعةِ، أمَّا إنْ لَم يَغِبْ عليها بأنْ عَمِلَها في بَيتِ رَبِّها، ولَو غائِبًا، أو بحَضرَتِه، ولَو في غيرِ بَيتِه، فلا ضَمانَ، فالمُرادُ بالغَيبةِ عليها ألَّا يَعمَلَها بحَضرةِ رَبِّها أو في بَيتِه.

وَمِنها: أنْ يَكونَ مَصنوعُه ممَّا يُغابُ عليه، أمَّا لَو دفعَ شَخصٌ غُلامَه لِمَنْ يُعلِّمُه وقَد نَصَبَ نَفْسَه لِذلك، وغابَ عليه، وادَّعَى هُروبَه، لَم يكُنْ عليه ضَمانٌ.

وَمِنها: ألَّا يَكونَ في الصَّنعةِ تَغريرٌ، وأمَّا إنْ كانَ فيها تَغريرٌ، كَثَقبِ اللُّؤلُؤِ ونَحوِه، فلا ضَمانَ عليه فيها.

وَمِنها: ألَّا تَكونَ له بيِّنةٌ بتَلَفِه، بلا تَفريطٍ (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ: يَضمَنُ الأجيرُ المُشترَكُ مُطلَقًا، ولا فَرقَ في التَّلَفِ بينَ أنْ يَقَعَ بآفةٍ، أو بفِعلِ الأجيرِ، أو إتلافِ أجنبيٍّ.

وهذا إذا كانَ الأجيرُ مُنفَرِدًا باليدِ، أمَّا إذا لَم يَكُنِ الأجيرُ مُنفَرِدًا باليَدِ، كما إذا قَعَدَ المُستَأجِرُ عِندَه حتى عَمِلَ، أو حَمَلَه إلى بَيتِه لِيَعمَلَ؛ فالمَذهَبُ -وبه قَطَعَ الجُمهورُ- لا ضَمانَ؛ لأنَّ المالَ غيرُ مُسلَّمٍ إليه حَقيقةً؛ وإنَّما استعانَ به المالِكُ، كالاستِعانةِ بالوَكيلِ (٢).

وقالَ الحَنابِلةُ: يَضمَنُ الأجيرُ المُشترَكُ ما تَلِفَ بفِعلِه، ولَو بخَطَئِهِ؛

(١) «المدونة الكبرى» (١١/ ٣٨٨)، و «الإشراف» (٣/ ٢٢٨، ٢٢٩) رقم (١٠٨١، ١٠٨٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٧٥، ٣٧٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٩٩، ٥٠٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٤١)، و «شرح ميارة» (٢/ ٣٢٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٢٥)، و «المهذب» (١/ ٤٠٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤١١)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٥٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٧٦)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٩٧).

كَتَخريقِ القَصَّارِ الثَّوبَ مِنْ دَقِّه، أو مَدِّه، أو عَصْرِه، أو بَسْطِه، وغَلَطِه -أي: الخيَّاطِ- في تَفصيلِه ودَفعِه إلى غيرِ رَبِّه، رُوِيَ عن عُمرَ وعَلِيٍّ رضي الله عنهما؛ لأنَّ عَملَه مَضمونٌ عليه؛ لِكَونِه لا يَستَحقُّ العِوَضَ إلَّا بالعَملِ؛ فإنَّ الثَّوبَ لَو تَلِفَ في حِرزِه بعدَ عَملِه لَم يكُنْ له أُجرةٌ فيما عَمِلَ فيه، بخِلافِ الخاصِّ وما تَوَلَّدَ منه يَجِبُ أنْ يَكونَ مَضمونًا، كالعُدوانِ بقَطعِ عُضوٍ، وكَزَلَقِ حَمَّالٍ، وسُقوطِ الحِملِ عن دَابَّتِه، أو رَأْسِه، أو تَلِفَ الحِملُ مِنْ عَثرةِ الحامِلِ مِنْ آدَميٍّ أو بَهيمةٍ، ويَضمَنُ ذلك، كَمَا تَقدَّمَ.

وَيَضمَنُ أيضًا ما تَلِفَ بقَودِه وسَوْقِه وانقِطاعِ حَبلِه الذي يَشُدُّ به حِمْلَه، وكَذا طَبَّاخٌ وخَبَّازٌ وحائِكٌ ومَلَّاحُ سَفينةٍ، ونَحوُهم مِنْ الأُجَراءِ المُشترَكينَ، فيَضمَنونَ ما تَلِفَ بفِعلِهم؛ لِمَا تَقدَّمَ، سَواءٌ حَضَرَ ربُّ المالِ أو غابَ، وسَواءٌ كانَ يَعمَلُ في بَيتِ المُستَأجِرِ أو في بَيتِه؛ لأنَّ ضَمانَه لِجِنايَته.

واختارَ القاضي في المُجرَّدِ وأصحابُه أنَّ الأجيرَ المُشترَكَ إنَّما يَضمَنُ إذا كانَ يَعمَلُ في مِلْكِ نَفْسِه، مثلَ الخَبَّازِ يَخبِزُ في تَنُّورِه ومِلْكِه، والقَصَّارِ والخيَّاطِ في دُكَّانَيْهِما، قالَ: ولَو دَعا الرجُلُ خَبَّازًا فخَبَزَ له في دارِه، أو خيَّاطًا أو قَصَّارًا لِيُقصِّرَ ويَخيطَ عِندَه، فلا ضَمانَ عليه فيما أتلَفَ ما لَم يُفرِّطْ؛ لأنَّه سَلَّمَ نَفْسَه إلى المُستَأجِرِ، فيَصيرُ كالأجيرِ الخاصِّ.

قالَ: ولَو كانَ صاحِبُ المَتاعِ مع المَلَّاحِ في السَّفينةِ، أو راكِبًا على الدَّابَّةِ فَوقَ حِمْلِه، فعَطِبَ الحِمْلُ، فلا ضَمانَ على المَلَّاحِ والمُكارِي؛ لأنَّ يَدَ صاحِبِ المَتاعِ لَم تَزُلْ، ولَو كانَ ربُّ المَتاعِ والجَمَّالُ راكِبيْنِ على

الحِمْلِ فتَلِفَ حِمْلُه لَم يَضمَنْه الجَمَّالُ؛ لأنَّ ربَّ المَتاعِ لَم يُسَلِّمْه إلَيه. اه.

والمَذهَبُ أنَّه لا فَرقَ بينَ كَونِه في مِلْكِ نَفْسِه أو مِلْكِ مُستَأجِرِه، وبَينَ كَونِ صاحِبِ العَملِ حاضِرًا عِندَه أو غائِبًا عنه، وَكَونِه مع المَلَّاحِ أو الجَمَّالِ أو لا.

وَكذلك ما تَلِفَ بجِنايةِ المَلَّاحِ بجَذفٍ، أو بجِنايةِ المُكارِي بشَدِّه المَتاعَ، وبنَحوِه، فهو مَضمونٌ عليه، سَواءٌ كانَ صاحِبُ المَتاعِ معه أو لَم يكُنْ، لأنَّ وُجوبَ الضَّمانِ عليه لِجِنايةِ يَدِه؛ فلا فَرقَ بينَ حُضورِ المالِكِ وغَيبَتِه؛ كالعُدوانِ، ولأنَّ جِنايةَ الجَمَّالِ والمَلَّاحِ إذا كانَ صاحِبُ المَتاعِ راكِبًا مَعَهما تَعُمُّ المَتاعَ وصاحِبَه، ولأنَّ تَفريطَهما يَعُمُّهُما، فلَم يَسقُطْ ذلك الضَّمانُ، كَما لَو رَمَى إنسانًا مُتترِّسًا فكَسَرَ تُرسَه وقَتَلَه، ولأنَّ الطَّبيبَ والخَتَّانَ إذا جَنَتْ يَداهُما ضَمِنَا مع حُضورِ المُطَبَّبِ والمَختونِ، وقَد ذكرَ القاضي أنَّه لَو كانَ ذلك يُحمَلُ على رَأْسِه، ورَبُّ المَتاعِ مَعَه، فعَثَرَ فسقطَ المَتاعُ فتَلِفَ، ضَمِنَ، وإنْ سُرِقَ لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه في العِثارِ تَلِفَ بجِنايَته، ولأنَّ السَّرِقةَ لَيسَتْ مِنْ جِنايَته، ولأنَّ ربَّ المالِ لَم يَحُلْ بَينَه وبَينَه، وهذا يَقتَضي أنَّ تَلَفَهُ بجِنايَته مَضمونٌ عليه، سَواءٌ حَضَرَ ربُّ المالِ أو غابَ، بَلْ وُجوبُ الضَّمانِ في مَحَلِّ النِّزاعِ أوْلَى؛ لأنَّ الفِعلَ في ذلك إلى المَوضِعِ مَقصودٌ لِفاعِلِه، ولأنَّ السَّقطةَ مِنْ الحَمَّالِ غيرُ مَقصودةٍ لَه، فإذا وجبَ الضَّمانُ ههُنا فثَم أَوْلَى.

وَلَو كانَ القَصَّارُ ونَحوُه مُتبرِّعًا بعَملِه لَم يَضمَنْ جِنايةَ يَدِه، نُصَّ عليه؛ لأنَّه أمينٌ مَحضٌ، فإنِ اختَلفا في أنَّه أجيرٌ أو مُتبرِّعٌ فقولُه أنَّه مُتبرِّعٌ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 485 - 488

ارجع إلى أقسام الأجراء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله