الإسلام > الشركات والإجارات > فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة > إدخال بياض الشجر أو الزرع في عقد المساقاة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةإدْخالُ بَياضِ الشَّجرِ أو الزَّرعِ في عَقدِ المُساقاةِ:
قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ إدخالُ بَياضِ شَجرٍ، أو بَياضِ زَرعٍ في عَقدِ المُساقاةِ.
والبَياضُ: الأرضُ الخالِيةُ مِنْ الشَّجرِ أو الزَّرعِ؛ سُمِّيَ بَياضًا لأنَّ أرضَه مُشرِقةٌ بالنَّهارِ بضَوءِ الشَّمسِ، وبِاللَّيلِ بضَوءِ الكَواكِبِ، فإذا استَترَتْ بالزَّرعِ أوِ الشَّجرِ سُمِّيتْ سَوادًا: يَعني أنَّ بَياضَ الشَّجرِ أو بَياضَ الزَّرعِ الذي تَجوزُ فيه المُساقاةُ يَجوزُ إدخالُه في مُساقاةِ ما ذُكِرَ، بشُروطٍ ثَلاثةٍ:
أوَّلُها: إنْ وافَقَ الجُزءُ في البَياضِ الجُزءَ في الشَّجرِ أو الزَّرعِ، فإنِ اختَلفا لَم يَجُزْ، وفَسَدَتْ.
وَثانيها: بَذَرَه العامِلُ مِنْ عِندِه، فإنْ دَخَلًا على أنَّ بَذْرَه على رَبِّه لَم يَجُزْ، وفَسَدَتْ.
وَثالِثُها: قَلَّ البَياضُ، بأنْ كانَ البَياضُ قَليلًا بالنِّسبةِ لِلشَّجرِ أو الزَّرعِ؛ كَثُلُثٍ، فما دُونَه، أي: بأنْ تَكونَ قِيمَتُه -أي: أُجرَتُه- بالنِّسبةِ لِقيمةِ الثَّمرةِ الثُّلُثَ فأقَلَّ، بعدَ إسقاطِ كُلفَةِ الثَّمرةِ، كَما لَو كانَ كِراؤُه مُفرَدًا مِئةً، وقِيمةُ الثَّمرةِ بعدَ إسقاطِ ما يُنْفِقُ عليها مِئَتَيْنِ، فيُعلَمُ أنَّ كِراءَه ثُلُثٌ، فإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَم يَجُزْ، وفَسَدَتْ.
وَأُلغيَ البَياضُ المَذكورُ لِلعاملِ إنْ سَكَتَا عندَ عَقدِ المُساقاةِ عنه، بأنْ لَم يَدخُلْ في المُساقاةِ بشُروطِه المُتقدِّمةِ، ولَم يُجعَلْ لربِّه، فيَكونُ لِلعاملِ وَحدَهُ (١).
(١) «حاشية الصاوي مع الشرح الصغير» (٨/ ٤٤٩، ٤٥٠).
وَجاءَ في «المُدوَّنةُ»: (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ ربُّ الحائِطِ: خُذِ النَّخلَ مُساقاةً على أنْ تَزرَعَ البَياضَ بَينَنا، على أنَّ البَذرَ مِنْ عِنْدِكَ أيُّها العامِلُ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: نَعَمْ، هذا جائِزٌ، قالَ: قالَ مالِكٌ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُلْغَى البَياضُ، فيَكونَ لِلعاملِ، (قُلتُ): ولِمَ أَجازَهُ مالِكٌ؟، قالَ: لِلسُّنةِ التي جاءَتْ في خَيبَرَ أنَّ النَّبيَّ عليه الصلاة والسلام عامَلَ السَّوادَ والبَياضَ على النِّصفِ، قالَ: وقالَ مالِكٌ في خَيبَرَ وقُلتُ لَه: أكانَ فيها بَياضٌ حينَ ساقاها رَسولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ: نَعَمْ، وكانَ يَسيرًا، فلِذلك أجازَه مالِكٌ إذا اشترَطَ على العامِلِ أنْ يَزرَعَ البَياضَ والبَذْرَ مِنْ عِنْدِ العامِلِ، والعَملُ على أنْ يَكونَ ما يَخرُجُ مِنْ البَياضِ بَينَهما، قالَ مالِكٌ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُلغَى، (قُلتُ): أرَأيتَ إنِ اشترَطا أنَّ البَذْرَ الذي يَبذُرُه العامِلُ في البَياضِ مِنْ عِندِهِما، نِصْفُه مِنْ عِنْدِ ربِّ النَّخلِ، ونِصْفُه مِنْ عِنْدِ العامِلِ، والعَملُ كلُّه مِنْ العامِلِ أيَجوزُ أو لا في قَولِ مالِكٍ؟، قالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ ذلك، (قُلتُ): ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ شَيءٌ مِنْ البَذْرِ مِنْ عِنْدِ ربِّ النَّخلِ في قَولِ مالِكٍ، قالَ: نَعَمْ، لا يَجوزُ، (قُلتُ): لِمَ كَرِهَه مالِكٌ؟، قالَ: لأنَّها زِيادةٌ ازدادَها العامِلُ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنِ اشترَطَ العامِلُ في النَّخلِ على ربِّ الحائِطِ حَرْثَ البَياضِ، وما سِوَى ذلك مِنْ البَذْرِ والعَملِ، فمِن عِنْدِ العامِلِ في النَّخلِ؟، قالَ: قالَ لَنا مالِكٌ: إذا كانَ العَملُ والمُؤنةُ كلُّها على الدَّاخِلِ فلا بَأْسَ بذلك، قالَ: ففي هذا ما يَدلُّكَ على مَسألَتِكَ أنَّه لا يَصلُحُ أنْ يَشتَرِطَ العامِلُ على ربِّ النَّخلِ حَرثَ البَياضِ، وإنْ جعلَا الزَّرعَ بَينَهما، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ أخَذَ النَّخلَ مُعامَلةً على أنَّ البَياضَ لِلعاملِ؟، قالَ: قالَ مالِكٌ: هذا أُحِلُّه،
(قُلتُ): أرَأيتَ إنْ ساقَى الرجُلُ زَرعًا وفي وَسَطِ الزَّرعِ أرضٌ بَيضاءُ لربِّ الزَّرعِ، قَليلةٌ، وهي تَبَعٌ لِلزَّرعِ، فاشترَطَ العامِلُ تلك الأرضَ لِنَفْسِه يَزرَعُها؟، قالَ: لَم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، ولا أرَى به بَأْسًا، مثلَ النَّخلِ والبَياضِ إذا كانَتِ الأرضُ في الأرضِ التي فيها الزَّرعُ تَبَعًا لِلزَّرعِ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ دَفَعْتُ إلى رَجُلٍ نَخلًا مُساقاةً خَمسَ سِنينَ، وفي النَّخلِ بَياضٌ، وهو تَبَعٌ لِلنَّخلِ على أنْ يَكونَ البَياضُ أوَّلَ سَنَةٍ لِلعاملِ يَزرَعُه لِنَفْسِه، ثم يَرجِعَ البَياضُ إلى ربِّ النَّخلِ يَعمَلُه ربُّ النَّخلِ لِنَفْسِه، وتَكونَ المُساقاةُ في الأرضِ الأربَعَ سِنينَ الباقيةَ في النَّخلِ وَحدَها؟، قالَ: لا يَجوزُ هذا عِندي؛ لأنَّه خَطَرٌ، (قُلتُ): وكذلك لَو أنَّ رَجُلًا أخَذَ حائِطَيْنِ مُعامَلةً مِنْ رَجُلٍ على أنْ يَعمَلَ أوَّلَ سَنةٍ الحائِطَيْنِ جَميعًا، ثم يَرُدَّ أحَدَ الحائِطَيْنِ إلى رَبِّه في السَّنةِ الثَّانيةِ ويَعمَلَ الحائِطَ الآخَرَ في السَّنةِ الثَّانيةِ وَحدَه، قالَ: لا يَجوزُ هذا أيضًا، وهو شِبهُ مَسألَتِكَ الأُولَى في النَّخلِ والبَياضِ؛ لأنَّ المَسألَتَينِ جَميعًا خَطَرٌ، ولا يَجوزُ ذلك، (قُلتُ): وهذا قولُ مالِكٍ، قالَ: لَم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ هَذا، ولَكنَّ هذا رَأْيِي (١).
ومِنَ الأدلةِ على جَوازِ إدخالِ البَياضِ في عَقدِ المُساقاةِ: ما رَواه البُخاريُّ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَلَ خَيبَرَ بِشَطرِ ما يَخرُجُ منها مِنْ ثَمرٍ أو زَرعٍ، فكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ مِئةَ وَسقٍ، ثَمانينَ وَسقَ تَمرٍ، وَعِشرينَ وَسقَ شَعِيرٍ، فقَسَّمَ عُمرُ خَيبَرَ، فخَيَّرَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُقطِعَ لهُنَّ مِنْ المَاءِ وَالأَرْضِ، أو يُمضِيَ لهُنَّ، فَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ
(١) «المدونة الكبرى» (١٢/ ٢٠، ٢١).
الأَرْضَ، وَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الوَسْقَ، وكَانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ مِمَّنِ اخْتارَتَا الأرْضَ والمَاءَ» (١).
فقولُه: «فكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ ﷺ مِئةَ وَسقٍ، ثَمانينَ وَسقَ تَمرٍ، وَعِشرينَ وَسقَ شَعِيرٍ»؛ دَليلٌ على أنَّ بَياضَ خَيبَرَ كانَ تابِعًا لِسَوادِها، ألَا تَرى أنَّ الشَّعيرَ خُمُسٌ، والتَّمرَ أربعةُ أخماسٍ؛ ولذلك صَحَّ أنْ يَدخُلَ في المُساقاةِ بالشَّرطِ، ولكنْ بشَرطِ اتِّفاقِ الجُزءِ كما تَقدَّمَ (٢).
وأَمَّا الشَّافعيَّةُ فقالَ «صَاحِبُ البَيانِ»: وأمَّا إِذَا كَانَ له نَخِيلٌ، أَوْ كَرْمٌ، وَبَيْنَ النَّخلِ وَالكَرمِ أَرْضٌ بَيضَاءُ، لَا يُمكِنُ سَقيُ النَّخلِ وَالكَرْمِ إِلَّا بِسَقْيِ الأَرضِ البَيضَاءِ التي بَينَهُ … نُظِرَتْ:
فَإنْ كانَتِ الأرضُ البَيضاءُ قَليلةً، والنَّخيلُ أكثَرَ مِنها … جازَ أنْ يُساقيَه على النَّخيلِ، ويُزارِعَه على الأرضِ التي بَينَها؛ لِمَا رَوَى ابنُ عُمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عامَلَ أهلَ خَيبَرَ على شَطرِ ما يَخرُجُ مِنها مِنْ ثَمرٍ وزَرعٍ» (٣)، وَلأنَّ الحاجةَ تَدْعو إلى جَوازِ هذه المُزارَعةِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ سَقْيُ النَّخيلِ إلَّا بسَقْيِ الأرضِ التي بَينَها.
فَلَو قُلْنا: لا يَجوزُ المُزارَعةُ عليها … لَلَزِمَ على العامِلِ عَملٌ لا يَستَحقُّ به عِوَضًا.
(١) رواه البخاري (٢٢٠٣)، ومسلم (١٥٥١).
(٢) «المفهم لما أشكل من تخليص صحيح مسلم» (٤/ ٤١٨)، و «الموطأ» (٢/ ٧٠٨)، و «الاستذكار» (٧/ ٥٧)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٤٦٨).
(٣) رواه البخاري (٢٢٠٣)، ومسلم (١٥٥١).
إذا ثبَتَ هَذا: فإنْ قالَ: ساقَيتُكَ على النَّخيلِ أو الكَرْمِ، وزارَعتُكَ على الأرضِ التي بَينَها بالنِّصفِ … جازَ.
وإنْ قالَ: عامَلتُكَ على النَّخيلِ والأرضِ بالنِّصفِ … جازَ؛ لأنَّ لَفظَ المُعامَلةِ يَشمَلُهُما.
وإنْ قالَ: ساقَيتُكَ على النَّخيلِ والأرضِ بالنِّصفِ … لَم يَصحَّ في الأرضِ؛ لأنَّ المُساقاةَ لا تَتناوَلُ البَياضَ، وهَل تَبطُلُ المُساقاةُ في النَّخيلِ؟ فيه قولانِ، بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ.
وإنْ قالَ: ساقَيتُكَ على النَّخيلِ بثُلُثِ ثَمرَتِها، وزارَعتُكَ على الأرضِ التي بَينَها بنِصفِ ما يَخرُجُ مِنها … هَلْ يَصحُّ؟ فيه وَجهانِ، حَكاهُما الشَّيخُ أبو إسحاقَ:
أحَدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ المُزارَعةَ إنَّما جازَتْ ههُنا تَبَعًا لِلنَّخلِ، فإذا فاضَلَ بَينَهما في العِوَضِ … لَم يَتبَعْ أحَدُهما الآخَرَ.
والآخَرُ: يَصحُّ، وهو الصَّحيحُ، ولَم يَذكُرِ الشَّيخُ أبو حامِدٍ في «التَّعليقُ»، وابنُ الصَّباغِ، غَيرَه، كَما لَو ساقاه على بُستانٍ فيه أنواعٌ مِنْ الثَّمرةِ، وجعلَ له مِنْ كلِّ نَوعٍ نَصيبًا، وفاضَلَ بينَ الأنصِباءِ.
وإنْ عَقدَ المُزارَعةَ، ثم عَقدَ المُساقاةَ … لَم تَصحَّ المُزارَعةُ؛ لأنَّها إنَّما أُجيزَتْ تَبَعًا لِلمُساقاةِ، فلا تَتقدَّمُ على المُساقاةِ.
وإنْ عَقدَ المُساقاةَ على النَّخلِ، ثم عَقدَ المُزارَعةَ على الأرضِ … ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا تَصحُّ المُزارَعةُ؛ لأنَّها إنَّما أُجيزَتْ تَبَعًا لِلمُساقاةِ على النَّخيلِ، فإذا أفرَدَها بالعَقدِ … لَم تَصحَّ، كَما لَو باعَ الثَّمرةَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، مِنْ غيرِ شَرطِ القَطعِ مُنفَرِدةً عن الشَّجرِ.
والآخَرُ: تَصحُّ؛ لأنَّا إنَّما جَوَّزْنا المُزارَعةَ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ سَقيُ النَّخيلِ إلَّا بسَقْيِ ما بَينَها مِنْ الأرضِ، وهذا المَعنَى مَوجودٌ، وإنْ عُقِدَتِ المُزارَعةُ بعدَ المُساقاةِ.
وإنْ كانَ بَياضُ الأرضِ الذي بينَ النَّخيلِ أكثَرَ مِنْ النَّخيلِ … فهَلْ تَصحُّ المُزارَعةُ عليه تَبَعًا لِلنَّخيلِ؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: تَصحُّ؛ لِمَا ذَكَرْناه مِنْ المَعنَى، وهو: أنَّه لا يُمكِنُه سَقْيُ النَّخيلِ إلَّا بسَقْيِ ما بَينَها مِنْ الأرضِ.
والآخَرُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّ المُزارَعةَ إنَّما صَحَّتْ تَبَعًا لِلنَّخيلِ، والكَثيرُ لا يَتبَعُ القَليلَ، وإنَّما القَليلُ يَتبَعُ الكَثيرَ.
إذا ثبَتَ هَذا: فكلُّ مَوضِعٍ صَحَّحنا فيه المُزارَعةَ، فإنَّ البَذرَ يَكونُ مِنْ ربِّ الأرضِ، ويَكونُ مِنْ العامِلِ العَملُ، كالنَّخلِ في المُساقاةِ (١).
وَسَيأتي بَيانُ ذلك مُفصَّلًا عندَ الشَّافِعيةِ في المُزارَعةِ.
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا كانَ في الأرضِ شَجرٌ وبَينَه بَياضُ أرضٍ، فساقاه على الشَّجرِ وزارَعَه الأرضَ التي بينَ الشَّجرِ، جازَ، سَواءٌ قَلَّ بَياضُ الأرضِ أو
(١) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٧/ ٢٨٠، ٢٨٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٦٤)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٩٧)، و «الديباج» (٢/ ٤٤٤).
كَثُرَ، نَصَّ عليه أحمَدُ، وقالَ: قد دفعَ النَّبيُّ ﷺ خَيبَرَ على هَذا، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وبِهَذا قالَ كلُّ مَنْ أَجازَ المُزارَعةَ في الأرضِ المُفرَدةِ.
فَإذا قالَ: ساقَيتُكَ على الشَّجرِ، وزارَعتُكَ على الأرضِ بالنِّصفِ، جازَ،
وإنْ قالَ: عامَلتُكَ على الأرضِ والشَّجرِ على النِّصفِ، جازَ؛ لأنَّ المُعامَلةَ تَشمَلُهُما.
وإنْ قالَ: زارَعتُكَ على الأرضِ بالنِّصفِ، وساقَيتُكَ على الشَّجرِ بالرُّبُعِ جازَ، كَما يَجوزُ أنْ يُساقِيَه على أنواعٍ مِنْ الشَّجرِ، ويَجعَلَ له في كلِّ نَوعٍ قَدْرًا.
وإنْ قالَ: ساقَيتُكَ على الأرضِ والشَّجرِ بالنِّصفِ جازَ؛ لأنَّ المُزارَعةَ مُساقاةٌ مِنْ حَيثُ إنَّها تَحتاجُ إلى السَّقْيِ فيها لِحاجةِ الشَّجرِ إلَيه.
وقالَ أصحابُ الشَّافِعيِّ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ المُساقاةَ لا تَتناوَلُ الأرضَ، وتَصحُّ في النَّخلِ وَحدَه، وقيلَ: يُبنَى على تَفريقِ الصَّفقةِ.
وَلَنا: أنَّه عَبَّرَ عن عَقدٍ بلَفظِ عَقدٍ يُشارِكُه في المَعنَى المَشهورِ به في الِاشتِقاقِ، فصَحَّ، كَما لَو عَبَّرَ بلَفظِ البَيعِ في المُسلَّمِ، ولأنَّ المَقصودَ المَعنَى، وقَد عُلِمَ بقَرائِنِ أحوالِه، وهَكَذا إنْ قالَ في الأرضِ البَيضاءِ: ساقَيتُكَ على هذه الأرضِ بنِصفِ ما يُزرَعُ فيها.
فَأمَّا إنْ قالَ: ساقَيتُكَ على الشَّجرِ بالنِّصفِ، ولَم يَذكُرِ الأرضَ، لَم تَدخُلْ في العَقدِ، وليسَ لِلعاملِ أنْ يَزرَعَ، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ مالِكٌ وأبو يُوسفَ: لِلدَّاخِلِ زَرعُ البَياضِ، فإنْ تَشارَطَا أنَّ ذلك بَينَهما فهو جائِزٌ،
وإنِ اشترَطَ صاحِبُ الأرضِ أنَّه يَزرَعُ البَياضَ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الدَّاخِلَ يَسقي لربِّ الأرضِ؛ فتلك زِيادةٌ ازدادَها عليه.
وَلَنا: أنَّ هذا لَم يَتناوَلْه العَقدُ؛ فلَم يَدخُلْ فيه، كَما لَو كانَتْ أرضًا مُفرَدةً.
وإنْ زارَعَهُ أرضًا فيها شَجراتٌ يَسيرةٌ لَم يَجُزْ أنْ يَشتَرِطَ العامِلُ ثَمرَتَها، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ، وابنُ المُنذِرِ، وأجازَه مالِكٌ، إذا كانَ الشَّجرُ بقَدْرِ الثُّلُثِ، أو أقَلَّ؛ لأنَّه يَسيرٌ، فيَدخُلُ تَبَعًا.
وَلَنَا: أنَّه اشتِراطُ الثَّمرةِ كلِّها؛ فلَم يَجُزْ، كَما لَو كانَ الشَّجرُ أكثَرَ مِنْ الثُّلُثِ.
فَصلٌ: وإنْ آجَرَه بَياضَ أرضٍ وساقاه على الشَّجرِ الذي فيها، جازَ؛ لأنَّهما عَقدانِ، يَجوزُ إفرادُ كلِّ واحِدٍ مِنهما؛ فجازَ الجَمعُ بَينَهما؛ كالبَيعِ والإجارةِ، ويُحتَمَلُ ألَّا يَجوزَ؛ بِناءً على الوَجْهِ الذي لا يَجوزُ فيه الجَمعُ بَينَهما في الأصلِ، والأولُ أَوْلَى، إلَّا أنْ يَفعَلَا ذلك حِيلةً على شِراءِ الثَّمرةِ قبلَ وُجودِها، أو قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها؛ فلا يَجوزُ، سَواءٌ جَمَعَا بينَ العَقدَيْنِ، أو عَقدَا أحَدُهما بعدَ الآخَرِ؛ لِمَا ذَكَرْنا في إبطالِ الحِيَلِ (١).
(١) «المغني» (٥/ ٢٤٣، ٢٤٤)، و «المبدع» (٥/ ٥٧).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
ارجع إلى فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة للاطلاع على جميع المسائل.