الإسلام > الشركات والإجارات > فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة
مسائلُ فقهيةٌ في فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةفصل فيما يَنفَسِخُ ويَنتَهي به عَقدُ المُساقاةِ
تَنقَضي وتَنفَسِخُ المُساقاةُ بِعِدَّةِ أشياءَ، مِنها: المَوتُ ومُضيُّ المدَّةِ والِاستِحقاقُ وتَصرُّفُ المالِكِ والفَسخُ والإقالةُ، على خِلافٍ في كلِّ هذا بينَ المَذاهبِ، وبَيانُه فيما يَلي:
أوَّلاً: المَوتُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ المُساقاةِ: هَلْ يَنقَضي ويَنفَسِخُ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ في الجُملةِ إلى أنَّ المُساقاةَ تَنقَضي، وتَنتَهي بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ.
وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّها لا تَنقَضي بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ على تَفصيلٍ في ذلك عندَ كلِّ مَذهَبٍ، وبَيانُه فيما يَلي:
قالَ الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ المُساقاةُ بالمَوتِ، أمَّا مَوتُ صاحِبِ النَّخلِ فلأنَّ النَّخلَ انتَقلَ إلى غَيرِه، وأمَّا مَوتُ العامِلِ فلِتَعذُّرِ العَملِ مِنْ جِهَتِه.
وَلَه ثَلاثُ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولَى: أنْ يَموتَ صاحِبُ النَّخلِ والثَّمرةُ بُسْرٌ أخضَرُ، فلِلعاملِ
أنْ يَقومَ عليه، كَما كانَ يَقومُ قبلَ ذلك إلى أنْ يُدرِكَ، ولَو كَرِهَ ذلك وَرثَتُه؛ لأنَّ في ذلك دَفعَ الضَّررِ عن العامِلِ مِنْ غيرِ إضرارٍ بالوَرثةِ؛ فإنْ رَضيَ العامِلُ بالضَّررِ بأنْ قالَ: أنا آخُذُ نَصيبي بُسْرًا أخضَرَ، فالوَرثةُ بالخِيارِ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ:
١ - إنْ شاؤُوا صَرَموه وقَسَّموه.
٢ - وإنْ شاؤُوا أعطَوْه قيمةَ نَصيبِه.
٣ - وإنْ شاؤُوا أنفَقوا على البُسْرِ حتى يَبْلُغَ، ورَجَعوا بما أنفَقوا في حِصَّةِ العامِلِ.
الحالة الثَّانيةُ: أنْ يَموتَ العامِلُ والثَّمرةُ بُسْرٌ أخضَرُ، فلِوَرثَتِه أنْ يَقوموا عليه، وإنْ كَرِهَ صاحِبُ النَّخلِ؛ لأنَّ فيه النَّظَرَ مِنْ الجانبيْنِ، وإنْ أرادوا أنْ يَصرِموه بُسْرًا، كانَ صاحِبُ النَّخلِ بينَ الخياراتِ الثَّلاثةِ التي ذَكَرْناها.
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَموتا جَميعًا، فالخيارُ لِوَرثةِ العامِلِ؛ لِقيامِهم مَقامَه، فإنْ أبَى وَرثةُ العامِلِ أنْ يَقوموا عليه، كانَ الخيارُ لِوَرثةِ صاحِبِ النَّخلِ على ما بيَّنَّا (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَنفَسِخُ عَقدُ المُساقاةِ بالمَوتِ، كالفَلَسِ، فكما لا يَنفَسِخُ بالفَلَسِ لا يَنفَسِخُ بالمَوتِ؛ لأنَّ المُساقاةَ؛ كالكِراءِ، لا تَنفَسِخُ بمَوتِ المُتكارِيَيْنِ (٢).
(١) «الهداية» (٤/ ٦٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦١، ٢٦٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٠)، و «اللباب» (٢/ ١٤)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ١٥٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٩).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٢٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٣٤).
وأمَّا الشافِعيَّةُ ففَرَّقوا بينَ مَوتِ مالِكِ الشَّجرِ ومَوتِ العامِلِ، فقالوا: ولَو ماتَ مالِكُ الشَّجرِ في أثناءِ المدَّةِ لَم تَنفَسِخِ المُساقاةُ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلا تَبطُلُ بالمَوتِ؛ كالبَيعِ والإجارةِ، بَلْ يَستَمِرُّ العامِلُ ويَأخُذُ نَصيبَه إنْ حُصِّلَتِ الثَّمرةُ، فيُقاسِمُ العامِلُ وَرثةَ ربِّ النَّخيلِ كَما كانَ يُقاسِمُ ربَّ النَّخيلِ.
وإنْ ماتَ العامِلُ فإنْ كانَتِ المُساقاةُ على عَيْنِه انفَسخَتْ بمَوتِه؛ كالأجيرِ المُعيَّنِ.
وإنْ كانَتْ على الذِّمةِ فوَجهانِ: أحَدُهما تَنفَسِخُ؛ لأنَّه لا يُرضي بيَدِ غَيرِه.
والثَّاني: وهو الصَّحيحُ، وعليه التَّفريعُ، لا تَنفَسِخُ؛ كالإجارةِ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلا تَبطُلُ بالمَوتِ؛ كالبَيعِ والإجارةِ، بَلْ يُنظَرُ:
أ- إنْ خَلَّفَ العامِلُ تَرِكةً تَمَّمَ وارِثُه العَملَ، بأنْ يَستَأجِرَ مَنْ يَعمَلُ، وإلَّا فإنْ أتَمَّ العَملَ بنَفْسِه أو استَأجَرَ مِنْ مالِه مَنْ يُتِمُّ، فعلى المالِكِ تَمكينُه إنْ كانَ أمينًا مُهتَديًا إلى أعمالِ المُساقاةِ، ويُسَلِّمُ له المَشروطَ، وإنْ أبَى لَم يُجبَرْ عليه، على الصَّحيحِ.
وَقيلَ: يُجبَرُ؛ لأنَّه خَليفَتُه، وهو شاذٌّ؛ لأنَّ مَنافِعَه لِنَفْسِه، وإنَّما يُجبَرُ على أداءِ ما على المُورِّثِ مِنْ تَرِكَتِه، لَكِنْ لَو خَلَّفَ تَرِكةً وامتَنَعَ الوارِثُ مِنْ الِاستِئجارِ مِنها استَأجَرَ الحاكِمُ.
ب- وإنْ لَم يُخلِّفْ تَرِكةً لَم يُستَقرَضْ على المَيِّتِ؛ لأنَّ ذِمَّتَه خَرِبَتْ، بخِلافِ الحَيِّ إذا هَرَبَ (١).
(١) «البيان» (٧/ ٢٧٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٨١، ٧٨٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٧٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١١)، و «الديباج» (٢/ ٤٥٣).
وأمَّا الحَنابِلةُ فعلى المَذهبِ عِندَهم أنَّ المُساقاةَ عَقدٌ جائِزٌ، وليسَ بلازِمٍ؛ فإنَّها تَنفَسِخُ بمَوتِ كلِّ واحِدٍ مِنهما، وجُنونِه، والحَجْرِ عليه؛ لِسَفَهٍ، فإذا ماتَ العامِلُ أو ربُّ المالِ انفَسخَتِ المُساقاةُ، فكانَ الحُكمُ فيها كَما لَو فَسخَها أحَدُهما على ما أسلَفْناه.
وعلى القَولِ بلُزومِها لَم يَنفَسِخِ العَقدُ بمَوتِ أحَدِهِما، ويَقومُ الوارِثُ مَقامَ المَيِّتِ مِنهما؛ لأنَّه عَقدٌ لَازِمٌ، فأشبَهَ الإجارةَ.
وعلى المَذهبِ الأولِ إنْ كانَ المَيِّتُ العامِلَ، فأبَى وارِثُه القيامَ مَقامَه، لَم يُجبَرْ؛ لأنَّ الوارِثَ لا يَلزَمُه مِنْ الحُقوقِ التي على مُورِّثِه إلَّا ما أمْكَنَ دَفْعُه مِنْ تَرِكَتِه، والعَملُ لَيسَ ممَّا يُمكِنُ ذلك فيه، فعلى هذا يَستَأجِرُ الحاكِمُ مِنْ التَّرِكةِ مَنْ يَعمَلُ العَملَ؛ فإنْ لَم تكُنْ له تَرِكةٌ، أو تَعذَّرَ الِاستِئجارُ مِنها، فلربِّ المالِ الفَسخُ؛ لأنَّه تَعذَّرَ استيفاءُ المَعقودِ عليه؛ فيثبُتُ الفَسخُ، كَما لَو تَعذَّرَ ثَمنُ المَبيعِ قبلَ قَبضِه.
ثم إنْ كانَتِ الثَّمرةُ قد ظَهرَتْ بِيعَ مِنْ نَصيبِ العامِلِ ما يَحتاجُ إليه لِأجرِ ما بَقيَ مِنْ العَملِ، واستُؤجِرَ مَنْ يَعمَلُ ذلك، وإنِ احتِيجَ إلى بَيعِ الجَميعِ بِيعَ، ثم لا يَخلُو:
إمَّا أنْ تَكونَ الثَّمرةُ قد بَدا صَلاحُها، أو لَم يَبْدُ؛ فإنْ كانَتْ قد بَدا صَلاحُها خُيِّرَ المالِكُ بينَ البَيعِ والشِّراءِ؛ فإنِ اشترَى نَصيبَ العامِلِ جازَ، وإنِ اختارَ بَيعَ نَصيبِه أيضًا باعَه، وباعَ الحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ، وإنْ أبَى البَيعَ والشِّراءَ باعَ الحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ وَحدَه، وما بَقيَ على العامِلِ مِنْ العَملِ يَكتَري عليه مَنْ يَعمَلُه، وما بَقيَ فلِوَرثَتِه.
ارجع إلى الشركات والإجارات للاطلاع على جميع الأبواب.