الإسلام > الشركات والإجارات > فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة > سادسا: الفسخ بالعذر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةحِصَّةِ الآخَرِ، كَما في الزَّكاةِ، ولَهُما بعدَ أوانِ الجِذاذِ القِسمةُ، إنْ قُلْنا: إفرازٌ، ولِكُلٍّ بَيعُ حِصَّتِه لِلآخَرِ، ولِلثَّالث، واختِلافُهما في قَدْرِ المَشروطِ مِنْ الثَّمرِ، وفي الرَّدِّ وفي الهَلاكِ وفي قَدْرِ الشَّجرِ المُساقَى عليه. كَما في القِراضِ، فيَتَحالَفانِ في الأولِ، ويُصَدَّقُ العامِلُ في غَيرِهِ (١).
سادِسًا: الفَسخُ بالعُذرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ يَجوزُ فَسخُ المُساقاةِ بالعُذرِ أو لا يَجوزُ؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في الجُملةِ إلى أنَّه يَجوزُ فَسخُ المُساقاةِ بالعُذرِ.
وَمَنَعَ مِنْ ذلك الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ.
العُذرُ الأولُ: إذا كانَ العامِلُ سارِقًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العامِلِ إذا كانَ سارِقًا ومَعروفًا بالسَّرِقةِ هَلْ هذا يُجيزُ فَسخَ المُساقاةِ أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ هذا عُذرٌ، قالوا: تُفسَخُ المُساقاةُ ببَعضِ الأعذارِ، كَما تُفسَخُ الإجارةُ، وذلك إذا كانَ العامِلُ سارِقًا أو مَعروفًا بالسَّرِقةِ وخيفَ مِنْ سَرِقَتِه لِلحاصِلاتِ ومُنقَطِعةِ الأغصانِ وسَرِقَتِها؛ فلِصاحِبِ الشَّجرِ فَسخُ المُساقاةِ؛ دَفعًا لِلضَّررِ عن المالِكِ؛ لأنَّه يَلحَقُه بالسَّرِقةِ ضَرَرٌ (٢).
(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٧٦)، و «حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ١٦٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٨٤)، و «الهداية» (٤/ ٦١)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٦٣)، و «اللباب» (٢/ ١٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٩)، و «درر الحكام» (٣/ ٥١٥، ٥١٦).
وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ ساقَى شَخصًا حائِطَه، أو أكراه دارَه، ثم وَجَدَه سارِقًا يُخشَى منه في الأولِ على الثَّمرةِ أوِ الزَّرعِ، وفي الثَّاني على الأبوابِ مثلًا؛ فإنَّ العُقدةَ في المُساقاةِ وفي الكِراءِ لا تَنفَسِخُ لِأجلِ ذلك، وعَلَى ربِّ الحائِطِ أو ربِّ المَنزِلِ أنْ يَتحَفَّظَ مِنه؛ فإنْ لَم يَقدِرْ على التحَفُّظِ منه فإنَّه يُكرِي عليه الحاكِمُ المَنزِلَ ويُساقِي عليه الحائِطَ.
ثم إنْ كانَ الجُزءُ المُتفَقُ على العامِلِ الثَّاني أقَلَّ مِنْ الأولِ أو أكثَرَ؛ فالزِّيادةُ لَه، والنَّقصُ عليه.
وَإنَّما لَم تُفسَخِ المُساقاةُ إذا كانَ العامِلُ لِصًّا أو ظالِمًا ولَم يُمنَعْ، ولَكِنْ يُتحَفَّظُ مِنه؛ لأنَّ عَقدَ المُساقاةِ قد لَزِمَ، وكَونُ العامِلِ سارِقًا فِسْقٌ، لَم يُوجِبْ فَسخَ العَقدِ، كَما لَو فَسَقَ بغَيرِ السَّرِقةِ، ولأنَّ ذلك لا يُوجِبُ تَعذُّرَ السَّقْيِ، ولا مَنْعَ القيامِ على الثَّمرةِ، وإنَّما يَقتَضي ضَرَرًا ولا يَمنَعُ استِيفاءَ المَنافِعِ فلا يُفسَخُ لِأجْلِه السَّقيُ، أصْلُه إذا كانَ ظالِمًا وانتَصَفَ مِنْ مُعامَلَتِه، ولأنَّ مَنْ أكْرَى رَجُلًا دارًا فوَجَدَه يُنَقِّبُ ويَسرِقُ لَم يَجُزْ له فَسْخُ الكِراءِ، وقيلَ لَه: تحَفَّظْ مِنه، فكذلك المُساقاةُ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا ادَّعَى المالِكُ على العامِلِ السَّرِقةَ والخِيانةَ في الثَّمرِ أو السَّعَفِ، لا يُقبَلُ، حتى يُبيِّنَ قَدْرَ ما خانَ فيه، ويُحَرِّرَ الدَّعوَى، فإذا حرَّرَها وأنكَرَ العامِلُ؛ فالقولُ قولُ العامِلِ مع يَمينِه.
(١) «الإشراف» (٣/ ١٨٧) رقم (١٠٣٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٣٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٤٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٥٤)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٣٧٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٣٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المزارعة
فصل في المعاني التي هي عذر في فسخ المزارعة
وُجُوبَهُ بِالْعَقْدِ وَلَمْ يَصِحَّ وَ (مِنْهَا) : أَنَّ الْخَارِجَ يَكُونُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ سَوَاءٌ كَانَ رَبَّ الْأَرْضِ أَوْ الْمُزَارِعَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ صَاحِبِ الْبَذْرِ الْخَارِجَ لِكَوْنِهِ نَمَاءَ مِلْكِهِ لَا بِالشَّرْطِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ بِالْمِلْكِ عَنْ الشَّرْطِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ الْخَارِجِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ الْعَقْدُ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ اسْتَحَقَّهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ.
(وَمِنْهَا) : أَنَّ الْبَذْرَ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ كَانَ لِلْعَامِلِ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ كَانَ هُوَ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِلِ فَإِذَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَجَبَ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ كَانَ عَلَيْهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ يَكُونُ هُوَ مُسْتَأْجِرًا لِلْأَرْضِ، فَإِذَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ.
ارجع إلى فيما ينفسخ وينتهي به عقد المساقاة للاطلاع على جميع المسائل.