الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > أخذ الأجرة على الأذان والإقامة
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 15 دقيقة قراءةوعندَ الحَنابلَةِ يَستَوي الأمرانِ، فإن شاؤُوا أذَّنوا وأقاموا؛ لِما رُويَ عن أنَس بنِ مالِكٍ رضي الله عنه: «أَنَّه دخلَ مَسجدًا قَدْ صَلوا فيه، فَأَمرَ رَجلًا فَأَذَّنَ وَأَقامَ، فَصلَّى بِهم في جَمَاعَةٍ» (١)، وإن شاؤُوا صَلوا مِنْ غيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، فإنَّ عُروةَ قالَ: إذا انتَهيتَ إلى مَسجدٍ قد صلَّى فيه ناسٌ أذَّنوا وأَقاموا، فإنَّ أذانَهم وإقامَتهم تُجزِئُ عمَّن جاءَ بعدَهم، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا أذَّنَ فالمُستحَبُّ أن يُخفِيَ ذلكَ، ولا يَجهَرَ به لِيَغُرَّ النَّاسَ بالأذانِ في غيرِ مَحَلِه.
أمَّا الحَنفيَّةُ فقد فَصَّلوا في ذلك فقالوا: إن كانَ المَسجدُ له أَهلٌ مَعلومونَ وصلَّى فيه غيرُ أَهلِه بأذانٍ وإقامَةٍ لا يُكرَهُ لِأهلِه أن يُعيدوا الأذانَ والإقامةَ إذا صَلوا، وإن صلَّى فيه أهلُه بأذانٍ وإقامَةٍ أو بَعضُ أهلِه يُكرَهُ لغيرِ أهلِه وللِباقينَ مِنْ أهلِه أن يُعيدوا الأذانَ والإقامةَ إذا صَلوا، وإن كانَ المَسجدُ ليس له أهلٌ مَعلومونَ بِأن كانَ على الطَّريقِ لا يُكرهُ تَكرارُ الأذانِ والإقامَةِ فيه (٢).
أخذُ الأُجرةِ على الأذانِ والإقامَةِ:
اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ أَخذِ الأُجرةِ على الأذانِ والإقامَةِ، هَلْ يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ عليهما أو لا؟ على قولَينِ:
فذَهب مُتقدِّمو الحَنفيَّةِ -أبو حَنيفَةَ وأبو يوسُفَ ومحمَّدٌ- والشَّافعيَّةُ في قَولٍ والحَنابلَةُ في المَذهبِ (والظَّاهريَّةُ) إلى أنَّه لا يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ
(١) قال الألباني في «تمام المنَّة» (١/ ١٥٥): قد علَّقه البخاري ووَصَله البَيهَقيُّ بسَندٍ صحيح عنه.
(٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٤٨١)، و «مواهب الجليل» (١/ ٤٦٨)، و «المجموع» (٤/ ١٤٠)، و «المغني» (١/ ٥٢٩).
على الأذانِ؛ لحَديثِ عُثمانَ بنِ أَبِي العاصِ رضي الله عنه: قُلتُ: يا رسُولَ اللَّهِ اجعَلني إمَامَ قَومِي، فقالَ: «أنتَ إمَامُهم، واقتَدِ بأَضعَفِهم، واتَّخِذ مُؤذّنًا لا يأخُذُ على أَذَانِه أجرًا» (١)، فلَو كانَ أخذُ الأَجرِ على الأذانِ جائِزًا لَمَا مَنعَه أن يَتَّخِذَ مَنْ يأخُذُ عليه أجرًا، ولأنَّه قُربَةٌ لِفاعِلِه لا يَصحُّ إلا مِنْ مُسلِمٍ، فلم يَستأجِرهُ عليه، كالإمامَةِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: والأَصلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أن يُستأجَرَ الكافِرُ عليه جازَ أن يُستأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا، فكلُّ طاعَةٍ يَختَصُّ بها المُسلمُ فالاستِئجارُ عليها باطِلٌ.
وذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ وأحمدُ في رِوايةٍ ومُتأخِرو الحَنفيَّةِ -وعليه الفَتوَى- إلى أنَّه يَجوزُ أخذُ الأجرةِ على الأذانِ؛ لأنَّه عمَلٌ مَعلومٌ يَجوزُ أخذُ الرِّزقِ عليه؛ فجازَ أخذُ الأجرةِ عليهِ، كسائرِ الأعمالِ، ولأنَّ كلَّ ما جازَ أن يُتبَرَّعَ به عن الآخَرينَ جازَ أخذُ الأجرةِ عليه كبِناءِ المَساجِدِ، ولأنَّ الإمامَ الأعلى يَأخُذُ رِزقَهُ مِنْ بَيتِ المالِ ونِيابَتُه أفضَلُ مِنْ نِيابَةِ المُؤذِّنينَ.
وسَواءٌ كانَتِ الأُجرةُ مِنْ بَيتِ المالِ كما فعلَ عمرُ، أو مِنْ آحادِ النَّاسِ على المَشهورِ عندَ المالِكيَّةِ، ومنعَها ابنُ حَبيبٍ مِنْ آحادِ النَّاسِ على الأذانِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٦٣١)، والتِّرمذي (٢٠٩)، والنسائي (٦٧٢)، وابن ماجه (٧١٤)، وأحمد (٤/ ٢١).
قالَ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: وقدِ استَدلَّ عُلماؤُنا على جَوازِ أخذِ الأُجرةِ بحَديثِ أبي مَحذورةَ، وفيه نَظرٌ، أخرَجهُ النَّسائيُّ وابنُ ماجَه وغيرُهما، قالَ: خرَجتُ في نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبعضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤذِّنُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلاةِ عندَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعنَا صَوتَ المُؤذِّنِ وَنَحنُ عنه مُتنَكِّبُونَ فَصَرَخنَا نَحكِيهِ نَهزَأُ بِه، فَسمِع رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَأَرسَل إِلَينَا قَومًا فَأَقعَدُونَا بينَ يَديهِ، فقالَ: «أَيُّكُم الذي سَمِعتُ صَوتَه قد ارتَفَعَ»، فَأَشَارَ إليَّ القَومُ كلُّهم وَصَدَقُوا؛ فَأَرسَل كلَّهُم وَحَبَسَنِي، وقالَ لي: «قُم فَأَذِّن»، فَقُمتُ ولا شَيءَ أَكرَهُ إليَّ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ولا ممَّا يَأمُرُنِي بِه، فَقُمتُ بينَ يَدي رَسولِ اللَّهِ ﷺ، أَلقَى عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ التَّأذِينَ هو بِنَفسِهِ، فقال: «قُلِ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، أشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ»، ثم قالَ لي: «ارفَع مِنْ صَوتِكَ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفلَاحِ، حَيَّ على الفلَاحِ، اللهُ أَكبَرُ، الله أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إلا اللهُ».
ثم دَعانِي حين قَضيتُ التَّأذِينَ فَأَعطَانِي صُرَّةً فيها شَيءٌ من فِضَّةٍ، ثم وضعَ يَدهُ على نَاصِيَةِ أبي مَحذُورةَ ثم أمَرَّهَا على وَجهِهِ ثم على ثَديَيهِ ثم على كَبِدِه، ثم بلغَت يَدُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ سُرَّةَ أبي مَحذُورةَ، ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «بارَكَ اللهُ لكَ وَبارَكَ عَلَيكَ»، فقُلتُ: يا
رَسولَ اللَّهِ أَمَرتَنِي بِالتَّأذِينِ بِمَكَّةَ، قال: «نَعم، قد أَمَرتُكَ»، فَذَهب كلُّ شَيءٍ كان لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ من كَراهيةٍ، وَعادَ ذلك كُلُّه مَحبَّةً لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ، فقدِمتُ على عَتَّابِ بن أَسِيدٍ عامِلِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأَذَّنتُ معَه بِالصَّلاةِ عن أَمرِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ» (١) لَفظُ ابنِ ماجَه (٢).
ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ على جَوازِ أخذِ الرِّزقِ عليهِ؛ لأنَّ بالمُسلِمينَ حاجَةً إليهِ، وقد لا يُوجَدُ مُتطوِّعٌ به، وإذا لم يُدفعِ الرِّزقُ فيه يُعطَّلُ، ويَرزُقُهُ الإمامُ مِنْ الفَيءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ لِلمَصالِحِ، فهو كأرزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ وإن وُجِدَ مُتطوِّعٌ به لم يُرزَق غيرُه؛ لعَدمِ الحاجَةِ إليه (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٧٠٨)، والنسائي (٦٣٢)، وأحمد (١٥٤١٧).
(٢) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٣١، ٢٣٢).
(٣) «تبيين الحقائق» (٥/ ١٢٤، ١٢٥)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٠٠)، وشرح مشكل الآثار (١٥/ ٢٦٣، ٢٦٥)، و «مُختصَر الوقاية» (٢/ ١١٩)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٥، ٥٦)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ٤٢٠، ٤٢١)، و «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٣٦) رقم (١٥٥)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٣٦)، و (٢/ ٢٩٦)، و «منح الجليل» (٢/ ٢١٤)، و «بداية المجتهد» (١/ ٧٩)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ٥٩، ٦٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨)، و «المجموع» (٣/ ١٣٣، ١٣٤)، و «البيان» (٢/ ٨٩)، و «مُغني المحتاج» (٣/ ٣٩٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٣٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» للبَيهَقي (٤/ ١٦٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٢)، و «المغني» (١/ ٢٤٩)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٢١٧، ٢١٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب الأذان
باب الأذان
الأذانُ إعْلَامٌ بوقتِ الصلاةِ. والأصْلُ في الأذانِ الإِعْلَامُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} أىْ: إعْلَامٌ، و: {آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} . أي أَعْلَمْتُكُمْ، فَاسْتَوَيْنَا في العِلْمِ. وقالَ الحارثُ بنُ حِلِّزَةَ:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أسْمَاءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُملُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
أي: أعْلَمَتْنا.
والأذانُ الشَّرْعِىُّ هو اللَّفْظُ المعلُومُ المَشْرُوعُ في أوقاتِ الصلواتِ للإِعْلَامِ بوقْتِها. وفيه فَضْلٌ كثِيرٌ وأجْرٌ عظيمٌ، بدليلِ ما رَوَى أبو هريرة، أن رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" . وقال أبو سعيدٍ الخُدْرِىِّ: "إذا كنتَ في غَنمِكَ، أو بادِيَتِكَ، فأذَّنْتَ بالصلَاةِ، فارْفَعْ صوتَكَ بالنِّدَاءِ؛ فإنَّه لا يَسْمَعُ صَوْتَ المؤذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شيءٌ إلَّا شَهِدَ له يومَ القيامَةِ" . قال أبو سعيد: سَمِعْتُهُ من رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. أخرجهما البخاريُّ . وعن مُعَاوِيَة قال:
سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ" . أخرجهُ مُسْلِمٌ . وعن ابن عمر قال: قال رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ المِسْكِ" أُرَاهُ قال: "يَوْمَ القِيَامَةِ، يَغْبِطُهُم الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ، رَجُلٌ نَادَى بالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ؛ وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ راضُونَ، وعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّه وحَقَّ مَوَالِيهِ" . أخرجهُ التِّرْمِذِىُّ ، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.