الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة
مسائلُ فقهيةٌ في الأذان والإقامة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 8 دقيقة قراءةبابُ الأذانِ والإقامةِ
الأذانُ لُغةً: الإعلامُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، أي: إعلامٌ مِنْ اللهِ ورَسولِه. وقالَ تَعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، أي: أعلِمهُم به (١).
وفي الحَديثِ: «ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ، ما أَذِنَ لِنَبيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ، يَتَغَنَّى بالقُرآنِ يَجهَرُ به» (٢).
قالَ أبو عُبَيدٍ: أي: ما استَمعَ اللهُ لِشَيءٍ كاستِماعِه لنَبيٍّ يَتغنَّى بالقُرآنِ (٣).
وشَرعًا: الإعلامُ بوقتِ الصَّلاةِ المَفروضةِ بألفاظٍ مَعلومةٍ مَأثُورةٍ على صِفةٍ مَخصوصةٍ، أو الإعلامُ باقتِرابِه، بالنِّسبةِ لِلفَجرِ فَقط عندَ بعضِ الفُقهاءِ.
والإقامةُ كذلك، هي إعلامٌ بالقيامِ إلى الصَّلاةِ بألفاظٍ مَعلومةٍ مَأثورةٍ على صِفةٍ مَخصوصةٍ.
فالأذانُ والإقامةُ يَشتَرِكانِ في أنَّ كُلًّا منهما إعلامٌ، ويَفتَرِقانِ مِنْ حيثُ
(١) «لسان العرب» و «المصباح المنير».
(٢) رواه البخاريُّ (٣٤٩٠، ٣٤٩١)، ومسلم (٧٩٢).
(٣) «غريب الحديث» لأبي عبيد (٢/ ١٣٩).
إنَّ الإعلامَ في الإقامةِ هو لِلحاضِرينَ المُتأَهِّبِينَ لافتِتاحِ الصَّلاةِ، وإنَّ الأذانَ لِلغائِبِينَ؛ لِيَتأَهَّبُوا لِلصَّلاةِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ: والأذانُ له فوائِدُ:
منها: أنَّه إعلامٌ بوقتِ الصَّلاةِ، أو فِعلِها، ومِن هذا الوَجهِ هو إخبارٌ بالوقتِ أو الفِعلِ؛ ولهذا كانَ المُؤذِّنُ مُؤتَمَنًا.
ومنها: أنَّه إعلامٌ لِلغائبِينَ عن المَسجدِ؛ فلهذا شُرِعَ فيه رَفعُ الصَّوتِ، وسُمِّيَ نِداءً؛ فإنَّ النِّداءَ هو الصَّوتُ الرَّفيعُ. ولهذا المَعنى قالَ النَّبيُّ ﷺ لِعَبد اللهِ بنِ زَيدٍ: «قُم فألقِه على بِلالٍ؛ فإنَّه أندَى صَوتًا مِنْكَ».
ومنها: أنَّه دُعاءٌ إلى الصَّلاةِ؛ فإنَّه معنَى قولِه: «حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ». وقد قيلَ: إنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، الآيةَ: نزلَت في المُؤذِّنينَ، رُويَ عن طائِفةٍ مِنْ الصَّحابةِ. وقيلَ في قولِه تَعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]: إنَّها الصَّلواتُ الخَمسُ حينَ يُنادَى بها.
ومنها: أنَّه إعلانٌ بشَرائِعِ الإسلامِ مِنْ التَّوحيدِ والتَّكبيرِ والتَّهليلِ والشَّهادةِ بالوَحدانيَّةِ والرِّسالةِ (٢).
(١) «الدُّرُّ المختار» (١/ ٣٨٣)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٦٨)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ١٢٨)، و «التاج والإكليل» (١/ ٤٢١)، و «شرح مسلم» (٤/ ٦٨)، و «المجموع» (٤/ ١٢١)، و «كفاية الأخيار» (١٥٥)، و «المغنى» (١/ ٥٦٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ١٣٠)، و «كشاف القناع» (١/ ٢٣٠)، و «مطالب أولي النُّهى» (١/ ٢٨٤).
(٢) «فتح الباري شرح صحيح البخاريُّ» (٣/ ٣٩٧).
وقالَ القاضي عِياضٌ رحمة الله عليه: اعلَم أنَّ الأذانَ كَلامٌ جامِعٌ لِعَقيدةِ الإيمانِ، مُشتمِلٌ على نَوعَيه مِنْ العَقليَّاتِ والسَّمعياتِ: فأوَّلُه إثباتُ الذَّاتِ وما يَستَحِقُّه مِنْ الكَمالِ والتَّنزيهِ عن أضدادِها.
وذلك بقولِه: «اللهُ أكبَرُ»، وهذه اللَّفظةُ مع اختِصارِ لَفظِها دالَّةٌ على ما ذكَرناه، ثم صرَّح بإثباتِ الوَحدانيةِ ونَفيِ ضِدِّها مِنْ الشَّرِكةِ المُستِحيلةِ في حقِّه ﷾، وهذه عُمدةُ الإيمانِ والتَّوحيدِ المُقدَّمةُ على كلِّ وظائِفِ الدِّينِ. ثم صرَّح بإثباتِ النُّبُوَّةِ والشَّهادةِ بالوَحدانيَّةِ، ويَكونُ مَوضِعُها بعدَ التَّوحِيدِ؛ لأنَّها من بابِ الأفعالِ الجائِزةِ الوُقوعِ، وتلك المُقدِّماتُ مِنْ بابِ الواجِباتِ، وبعدَ هذه القَواعِدِ كَمُلتِ العَقائِدُ العَقليَّاتُ فيما يجبُ ويَستَحيلُ ويَجوزُ في حقِّه ﷾. ثم دَعا إلى ما دَعاهم إليه مِنْ العِباداتِ، فدَعا إلى الصَّلاةِ وجعلَها عَقِبَ إثباتِ النُّبوَّةِ؛ لأنَّ مَعرِفةَ وُجوبِها مِنْ جِهةِ النَّبيِّ ﷺ لا مِنْ جِهةِ العَقلِ، ثم دَعا إلى الفَلاحِ، وهو الفَوزُ والبَقاءُ في النَّعيمِ المُقيمِ، وفيه إشعارٌ بأُمورِ الآخِرةِ مِنْ البَعثِ والجَزاءِ، وهي آخرُ عقائِدِ تَراجِمِ الإسلامِ، ثم قَرَّرَ ذلك بإقامةِ الصَّلاةِ؛ لِلإعلامِ بالشُّروعِ فيها، وهو مُتَضَمِّنٌ لِتأكيدِ الإيمانِ وتَكرارِ ذكرِه عندَ الشُّروعِ في العِبادةِ بالقَلبِ واللِّسانِ، ولِيَدخُلَ المُصلِّي فيها على بَيِّنَةٍ مِنْ أمرِه وبَصيرةٍ مِنْ إيمانِه، ويَستَشعِرَ عَظيمَ ما دخلَ فيه، وعَظَمةَ حقِّ مَنْ يَعبُدُه، وجَزيلَ ثَوابِه. إلى هنا انتَهى كَلامُه رحمة الله عليه.
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهو مِنْ النَّفائِسِ الجَليلةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
(١) «المجموع» (٤/ ١٢١).
ارجع إلى الصلاة للاطلاع على جميع الأبواب.