الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > ب- العقل
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 11 دقيقة قراءةأمَّا المُرتدُّ فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ الصَّلاةِ عليهِ.
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ مِنْ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابلَةِ في المَذهبِ إلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَجِبُ على المُرتدِّ؛ فلا يَقضي ما فاتَه إذا رَجعَ إلى الإسلامِ؛ لأنَّه بالردَّةِ يَصيرُ كالكافرِ الأصليِّ.
وقد ذَهب الشَّافعيَّةُ والإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى وُجوبِ قَضاءِ الصَّلاةِ على المُرتدِّ بعدَ إسلامِه؛ تَغليظًا عليه، ولأنَّه التَزمَها بالإسلامِ فلا تَسقطُ عنه بالجُحودِ، كحقِّ الآدَميِّ إذا أقَرَّ بمالٍ ثم ارتَدَّ؛ فلا يسقطُ عنهَ (١).
ب- العَقلُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترطُ لوُجوبِ الصَّلاةِ أن يَكونَ المَرءُ عاقِلًا، فلا تَجِبُ على المَجنونِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حتى يَستَيقِظَ، وعنِ الصَّبِيِّ حتى يَحتَلِمَ، وعنِ المَجنُونِ حتى يَعقِلَ» (٢)، ولأنَّ مدَّتَه تَتَطاوَلُ فيَشُقُّ إيجابُ القَضاءِ عليه فعُفِيَ عنهُ.
إلَّا أنَّهم قد اختَلَفوا فيمَن غُطِّيَ عَقلُه أو سُتِرَ بمرَضٍ أو إغماءٍ أو دَواءٍ مُباحٍ:
(١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٣٤)، و «الشرح الصغير» (١/ ١٧٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٤)، و «مُغني المحتاج» (١/ ١٣٠)، و «كفاية الأخيار» (١٢٥/ ١٢٦)، و «حاشية الجمل» (١/ ٢٨٧)، و «كشاف القناع» (١/ ٢٢٢، ٢٢٣)، و «منار السبيل» (١/ ٨٧)، و «الكافي» (١/ ٩٣)، و «المغني» (١/ ٥٠١، ٥٠٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٩٨، ٤٤٠١، ٤٤٠٣)، وابن ماجه (٢٠٤١)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ١٠٢)، وابن حبَّان في «صحيحه» (١/ ٣٥٥).
فذَهب الحَنفيَّةُ إلى التَّفريقِ بينَ أن يَكونَ زَوالُ العَقلِ بآفَةٍ سَماويَّةٍ أو بصُنعِ العَبد، فإن كانَ بآفَةٍ سَماويَّةٍ كأن جُنَّ أو أُغمِيَ عليه، ولو بفَزَعٍ مِنْ سَبُعٍ أو آدَميٍّ، نُظِرَ، فإن كانَت فَترَةُ الإغماءِ يَومًا ولَيلَةً فإنَّه يجِبُ عليه قَضاءُ الخَمسِ، وإن زادَت على ذلك فلا قَضاءَ عليه لِلحَرجِ، ولَو أَفاقَ في زَمنِ السادِسةِ -إلَّا أن تَكونَ إفاقَتُه في وَقتٍ مَعلومٍ- فيجبُ عليه قَضاءُ ما فاتَ إن كانَ أقلَّ مِنْ يَومٍ ولَيلَةٍ، مثلَ أن يَخِفَّ عنه المَرضُ عندَ الصُّبحِ مَثلًا فيفيقَ قَليلًا ثم يُعاوِدَهُ فيُغمَى عليه، فتُعتبَرُ هذه الإفاقَةُ، ويَبطُلَ ما قبلَها مِنْ حُكمِ الإغماءِ إذا كانَ أقَلَّ مِنْ يَومٍ ولَيلَةٍ، وإن لم يَكن لإفاقَتِه وقتٌ مَعلومٌ بل يُفيقُ بَغتةً فيَتكلَّمُ بكَلامِ الأصحَّاءِ ثم يُغمَى عليه فلا عِبرةَ بهذه الإفاقَةِ.
وإن كانَ زَوالُ العَقلِ بصُنعِ الآدَميِّ، كما لو زالَ عَقلُه ببَنجٍ أو خَمرٍ أو دَواءٍ لزِمه قَضاءُ ما فاتَه وإن طالَتِ المدَّةُ.
وعندَ مُحمَّدٍ يسقطُ القَضاءُ بالبَنجِ والدَّواءِ؛ لأنَّه مُباحٌ؛ فصارَ كالمَريضِ، قالَ ابنُ عابِدينَ: والظَّاهرُ أنَّ عَطفَ الدَّواءِ على البَنجِ عَطفُ تَفسيرٍ، وأنَّ المُرادَ شُربُ البَنجِ لأجلِ الدَّواءِ، أمَّا لو شرِبه لِلسُّكرِ فيَكونُ مَعصيةً بصُنعِه كالخَمرِ، وأنَّه لو شرِب الخَمرَ على وَجهٍ مُباحٍ كإكراهٍ يَكونُ كالبَنجِ، فيَجري فيه الخِلافُ.
أمَّا النَّومُ فلا يُسقِطُ القَضاءَ؛ لأنَّه لا يَمتَدُّ يَومًا ولَيلَةً في الأغلَبِ، فلا حَرجَ في القَضاءِ بخِلافِ الإغماءِ ممَّا يَمتدُّ عادَةً (١).
(١) ابن عابدين (٢/ ١٠٢)، و «البحر الرائق» (٢/ ١٢٧).
وذهَبَ المالِكيُّةُ إلى سُقوطِ وُجوبِ الصَّلاةِ على مَنْ زالَ عَقلُه بجُنونٍ أو إغماءٍ، إلا إذا زالَ عُذرُه المُسقِطُ لِلصَّلاةِ، وقد بَقيَ مِنْ الوقتِ الضَّروريِّ ما يَسعُ رَكعةً بعدَ تَقديرِ تَحصيلِ الطَّهارةِ المائِيَّةِ أو التُّرابيَّةِ، فإذا كانَتِ البقِيةُ لا تَسَعُ رَكعةً؛ سقطَت عنه الصَّلاةُ.
أمَّا مَنْ زالَ عَقلهُ بسُكرٍ حَرامٍ فإنَّه تَجِبُ عليه الصَّلاةُ مُطلَقًا، وكَذا النَّائِمُ والسَّاهي تَجِبُ عليهما الصَّلاةُ، فمَتى تَنبَّه السَّاهي أو استَيقظَ النَّائمُ وجبَت عليهما الصَّلاةُ على كلِّ حالٍ، سَواءٌ أكانَتِ البقيَّةُ مِنْ الوقتِ تَسعُ رَكعةً معَ فِعلِ ما يَحتاجُ إليه مِنْ الطُّهرِأو لا، بل ولو خَرجَ الوقتُ ولم يَبقَ منه شَيءٌ (١).
أمَّا الشافِعيَّةُ فقالوا: لا تَجِبُ الصَّلاةُ على مَنْ زالَ عَقلُه بجُنونٍ أو إغماءٍ أو عَتهٍ أو سُكرٍ أو مرَضٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثةٍ: … وعنِ المَجنُونِ حتى يُفِيقَ» (٢)، فنَصَّ على المَجنونِ؛ وقِيسَ عليه كلُّ مَنْ زالَ عَقلُه بسَببٍ مُباحٍ يُعذَرُ فيه، وسَواءٌ قَلَّ زَمنُ ذلك أو طالَ، إلا إذا زالَت هَذهِ الأسبابُ، وقد بَقيَ مِنْ الوقتِ الضَّروريِّ قَدرُ زَمنِ تَكبيرةٍ فأكثرَ؛ لأنَّ القَدرَ الذي يتعلَّقُ به الإيجابُ يَستويِ فيه الرَّكعةُ وما دُونَها، ولا تَلزمُه بإدراكِ ما دون تَكبيرةٍ، لكِن يُسنُّ لِلمُغمَى عليه والمَجنونِ ونحوِهما القَضاءُ.
وأمَّا إن زالَ عَقلُه بمُحَرمٍ كمَن شرِب المُسكِرَ أو تَناولَ دَواءً مِنْ غيرِ
(١) «الشرح الكبير» (١/ ١٨٤).
(٢) سبق تخريجه.
حاجةٍ فزالَ عَقلُه وجبَ عليه القَضاءُ إذا أفاقَ؛ لأنَّه زالَ عَقلُه بمُحَرمٍ فلم يسقُط عنه الفَرضُ.
قالوا: وأمَّا النَّاسي لِلصَّلاةِ أو النَّائمُ عَنها والجاهِلُ لوُجوبِها فلا يجبُ عليهم الأَداءُ؛ لِعَدمِ تَكليفِهم، ويجبُ عليهم القَضاءُ؛ لحَديثِ: «مَنْ نَسيَ صَلاةً أو نَامَ عنها فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصلِّيَهَا إذا ذكرَهَا» رَواه مُسلمٌ، ويُقاسُ على النَّاسي والنَّائمِ الجاهِلُ إذا كانَ قَريبَ عَهدٍ بالإسلامِ (١).
أمَّا الحَنابلَةُ فإنَّهم قَصَروا عدَمَ وُجوبِ الصَّلاةِ على المَجنونِ الذي لا يُفيقُ؛ لحَديثِ عائِشِةَ مَرفوعًا: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثةٍ … » الحَديثَ، ولأنَّه ليس مِنْ أَهلِ التَّكليفِ أشبهَ الطِّفلَ ومِثلَه الأَبلَه الذي لا يُفيقُ.
أمَّا مَنْ تَغَطَّى عَقلُه بمرَضٍ أو إغماءٍ أو دَواءٍ مُباحٍ فإنَّه تَجبُ عليه الصَّلواتُ الخَمسُ؛ لأنَّ ذلك لا يُسقِطُ الصَّومَ، فكَذا الصَّلاةُ، فهو كالنَّائمِ، ولأنَّ عمَّارًا تَغشَّى ثَلاثًا، ثم أَفاقَ فقالَ: «هَلْ صلَّيتُ؟ قالُوا: مَا صلَّيتَ مُنذُ ثَلاث، ثم توضَّأَ وَصلَّى تلك الثَلاث» (٢)، وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ وسَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ نحوَهُ، ولم يُعرَف لهم مُخالِفٌ، فكانَ كالإجماعِ، ولأنَّ مدَّةَ الإغماءِ لا تَطولُ في الأغلَبِ، ولا تَثبُتُ عليه الوِلايَةُ بخِلافِ الجُنونِ.
(١) «المجموع» (٣/ ٧)، و «المهذب» (١/ ٥١)، و «مُغني المحتاج» (١/ ١٣١).
(٢) رواه ابن المنذر في «الأوسط» (٢٢٩٢) بإسناد ضعيف جدًّا، ورواه الدارَقُطني (٢/ ٨) بلفظ مُقارِب: أنَّ عَمارًا أُغمِيَ عليه في الظُّهر والعَصر والمَغرب والعِشاء، قالَ في نصب الراية (٢/ ١٧٧): وأفاق نصف الليل فصلى الظُّهر والعَصر والمَغرب والعِشاء (رواه البَيهَقي في المعرفة)، وقال الشافِعيُّ: هذا ليس بثابِتٍ عن عَمار، ولو ثَبَتَ فمَحمولٌ على الاستِحبابِ، واللهُ أعلَمُ.
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.