الاعتدال

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > الاعتدال

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 11 دقيقة قراءة

الاعتدال - الأقوال والأدلة

يَأتي بتَكبيرةٍ أُخرى لِلرُّكوعِ في حالِ انحِطاطِه إليه، فالأُولى رُكنٌ لا تَسقُطُ بحالٍ، والثانيةُ تَكبيرةُ الرُّكوعِ، والمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّها تَسقُطُ ههنا، ويُجزِئُه تَكبيرةٌ واحدةٌ، نقلَه أبو داود وصالِحٌ، ورُويَ ذلك عن الشافِعيِّ ومالِكٍ وأصحابِ الرَّأيِ (١).

٦ - الاعتِدالُ:

اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، وفي وُجوبِ الاعتِدالِ عنه قائِمًا.

فقالَ أبو حَنيفَةَ رحمة الله عليه: لا يَجِبانِ، ولو انحَطَّ مِنْ الرُّكوعِ إلى السُّجودِ كُرِهَ له ذلك، وأجزَأَه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لم يَأمُر به، وإنما أمرَ بالرُّكوعِ والسُّجودِ والقِيامِ، فلا يجبُ غيرُه، ولأنَّه لو كانَ واجبًا لتَضمَّنَ ذِكرًا واجِبًا، كالقِيامِ الأوَّلِ.

لكِن ذَهب بَعضُ فُقهاءِ الحَنفيَّةِ إلى القولِ بوُجوبِ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، منهم المُحقِّقُ ابنُ الهُمامِ وتِلميذُه ابنُ أميرِ الحاجِّ حتى قالَ: إنَّه الصَّوابُ؛ لمُواظَبتِه على ذلك كلِّه، ولِلأمرِ في حَديثِ المُسيءِ صَلاتَه، ولمَا ذكرَه قاضي خانَ مِنْ لُزومِ سُجودِ السَّهوِ بتَركِ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ ساهِيًا.

قالَ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: والحاصِلُ أنَّ الأصحَّ رِوايةً ودِرايةً وُجوبُ تَعديلِ الأركانِ، وأمَّا القَومَةُ والجَلسةُ وتَعديلُها فالمَشهورُ في المَذهبِ السُّنِّيةُ، ورُويَ وُجوبُها، وهو المُوافِقُ لِلأدلَّةِ، وعليه الكَمالُ، ابنُ الهُمامِ، ومَن بعدَه

(١) ابن عابدين (١/ ٣٢٣)، والطَّحطاوي (١/ ٢٩٥)، و «الاستذكار» (١/ ٦٣)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٨٣)، و «القوانين» (١/ ٥٠)، و «المجموع» (٤/ ١٨٧)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٤٦٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٢٥٩)، و «التَّمهيد» (٧/ ٧٣).

مِنْ المُتأخِّرينَ، وقالَ أبو يُوسفَ بفَرضيَّةِ الكلِّ، واختارَه في المَجمَع، والعينِيُّ، رَواه الطَّحاوِيُّ عن أئِمَّتِنا الثَّلاثةِ، وقالَ في الفَيضِ: إنَّه الأحوَطُ (١).

وذَهب المالِكيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ الرَّفعَ مِنْ الرُّكوعِ فَرضٌ، فمَن لم يَرفَع رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ لم يَعتَدَّ بتلك الرَّكعةِ حتى يَقومَ فيَعتدِلَ صُلبُه قائِمًا.

وذلك لقولِ النَّبيِّ لِلمُسِيءِ صَلاتَه: «ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ قائِمًا» (٢). ولأنَّ النَّبيَّ دَاوَمَ عليه؛ لقولِ أبي حُمَيدٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ : «فإذا رفعَ رَأسَه استَوَى حتى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ مَكانَهُ» (٣)، ولقولِه : «صَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّى»، وقالَ النَّبيُّ : «لَا تُجزِئُ صَلاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجلُ فِيهَا صُلبَه في الرُّكُوعِ وَالسُّجودِ» (٤).

قالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: وقالَ : «لا تُجزِئُ رَجلًا صَلاتُه حتى يُقيمَ فيها ظَهرَه في رُكوعِه وسُجودِه» (٥).

(١) ابن عابدين (١/ ٤٦٤)، و «معاني الآثار» (١/ ٥٠٨، ٥٠٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقَدَّمَ.
(٣) رواه البخاري (٧٩٤).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه التِّرمذي (٢٦٥)، والنسائي (١٠٢٧)، وابن ماجه (٨٧٠)، وابن حِبَّان في «صحيحه» (٥/ ٢١٧)، والبَيهَقي في «الكبرى» (٢/ ٨٨)، وقالَ: إسناده صحيح، وقالَ التِّرمذي: حَسَن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ومن بعدهم.
(٥) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١٧١٤٤) بإسناد صحيح، بلفظ: «لَا تُجزِئُ صلَاةٌ لأحَدٍ لا يُقِيمُ فيها ظَهرَهُ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ».

وقالَ أبو حَنيفَةَ فيمَن صارَ مِنْ الرُّكوعِ إلى السُّجودِ ولم يَرفَع رَأسَه أنَّه يُجزِئُه. وقالَ أبو يُوسفَ: لا يُجزِئُه.

وقالَ الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وداودُ والطَّبرِيُّ: إذا لم يَرفَع رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ لم يُعتَدَّ بتلك الرَّكعةِ حتى يَقومَ فيَعتدِلَ صُلبُه قائِمًا.

قالَ أبو عمرَ: أحاديثُ هذا البابِ تَدلُّ على صحَّةِ هذا القولِ، وما رَوى فيه ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ هو الصَّوابُ، وعليه العُلماءُ، ورِوايةُ ابنِ عَبد الحَكَمِ، قد رَوى مِثلَها ابنُ القاسِمِ، ولا أعلَمُ أحَدًا تَقدَّم إلى هذا القولِ غيرُ أبي حَنيفَةَ، والأحاديثُ المَرفوعةُ في هذا البابِ تَرُدُّه (١).

ثم أكثرُ المالِكيَّةِ على أنَّ الاعتِدالَ في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ سُنَّةٌ، وليس رُكنًا من أركانِ الصَّلاةِ، قالوا: فيَسجُدُ لتَركِه سَهوًا، وتبطُلُ الصَّلاةُ بتَركِه عَمدًا؛ لأنَّه سُنَّةٌ اشتُهِرت فَرضيَّتُها.

قالَ الدُّسوقيُّ: قالَ شَيخُنا -أبو الحَسنِ العدويُّ- هذا هو الرَّاجحُ كما يُستَفادُ مِنْ كَلامِ الحَطَّابِ (٢).

(١) «التَّمهيد» (١٩/ ٨)، ويُنظر: «الاستذكار» (٢/ ١٦٤)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٤٢٣)، و «حاشية العدوي» (١/ ٣٣٥)، و «التاج والإكليل» (١/ ٥٢٤)، و «الفواكه الدواني» (١/ ١٨٠)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٢٤١)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٦٥)، و «المجموع» (٣/ ٣٦٧)، و «المغني» (٢/ ٥٨)، و «مطالب أولي النُّهى» (١/ ٤٩٦)، و «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٣٥)، و «الإفصاح» (١/ ١٦٨)، و «شرح مسلم» (٤/ ٩٦).
(٢) «حاشية الدُّسوقِيِّ» (١/ ٢٤١).

وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: الاعتِدالُ في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ غيرُ مُستحَقٍّ عندَ مالِكٍ، ومِن شُيُوخِنا مَنْ يَزعُمُ أنَّه مُستحَقٌّ، على قولِه، وهو قولُ الشافِعيِّ، والذي رَأيتُ مَنصوصًا لابنِ القاسِمِ وعلِيِّ بن زيادٍ عنه أنَّه إنِ انحَطَّ قبلَ الاعتِدالِ فلا شَيءَ، والدَّليلُ عليه أنَّ الاعتِدالَ قِيامٌ، فلو كانَ فَرضًا لَكانَ عُقَيبَه رُكوعٌ، كالقِيامِ الأوَّلِ، ولأنَّ القِيامَ رُكنٌ قبلَ الرُّكوعِ، فوجبَ ألَّا يَتكرَّرَ فَرضُه في الرَّكعةِ، كالقِراءةِ، ولأنَّ هذا الرَّفعَ أُريدَ لِفَصلٍ بينَ الرُّكوعِ والسُّجودِ، فوجبَ أن يَكتَفيَ منه بما دونَ الاعتِدالِ؛ لأنَّ الفَصلَ يَقعُ به، وكلُّ ما أُريدَ به فِعلُ فَصلٍ فإنَّه إذا حصَل ذلك الفَصلُ كفَى في وُجوبِه، ولأنَّه فِعلٌ مِنْ الرَّفعِ ما خرَج به عن أن يَكونَ راكِعًا أو مُقارِبًا لِلرُّكوعِ، كما لوِ اعتَدلَ.

مَسألةٌ: والرَّفعُ مِنْ الرُّكوعِ واجِبٌ، وإن كانَ الاعتِدالُ الذي فيه غيرَ واجِبٍ، فإنِ انحَطَّ ساجِدًا وهو راكِعٌ، فلا يُجزِئُه على الظَّاهرِ مِنْ المَذهبِ. ورَأيتُ في بعضِ الكُتُبِ عن مالِكٍ، أو عن بعضِ أصحابِه أنَّه يُجزِئُه، وليس بشَيءٍ يُعَوَّلُ عليه، ودَليلُنا على أنَّه لا يُجزِئُه -خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ- قولُه : «لا يُجزِئُ الرَّجلَ صَلاةٌ لا يُقيمُ فيها صُلبَه في الرُّكوعِ والسُّجودِ»، وقولُه: «ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ قائِمًا»، ولأنَّ الرُّكوعَ رُكنٌ مِنْ الفِعلِ وجبَ الفَصلُ بينَهما، اعتِبارًا بالرَّفعِ مِنْ السُّجودِ (١).

وحَدُّ الاعتِدالِ عندَ المالِكيَّةِ: ألَّا يَكونَ مُنحَنِيًا، والكَمالُ منه

(١) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٧٦، ٢٧٧) رقم (١٩٠، ١٩١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 191 - 194

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 2 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل