الطمأنينة

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > الطمأنينة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 16 دقيقة قراءة

الطمأنينة - الأقوال والأدلة

أفعالِ النَّبيِّ في الصَّلاةِ مَسنونةٌ غيرُ واجِبةٍ، فلا يَمتَنِعُ حَملُ فِعلِه لِهذه التَّسليمةِ على السُّنةِ عندَ قيامِ الدَّليلِ عليها، واللهُ أعلَمُ، ولأنَّ التَّسليمةَ الواحدةَ يَخرُجُ بها مِنْ الصَّلاةِ، لم يَجِب عليه شَيءٌ آخَرُ فيها، ولأنَّ هذه صَلاةٌ، فتُجزِئُه فيها تَسليمةٌ واحدةٌ، ولأنَّ هذه واحدةٌ كصَلاةِ الجِنازةِ والنَّافِلةِ، وأمَّا قولُه في حَديثِ جابرٍ: «إنَّما يَكفِي أَحدَكُم»، فإنَّه يَعني: في إصابةِ السُّنةِ، بدَليلِ أنَّه قالَ: «أَنْ يَضَعَ يَدهُ على فَخِذِهِ ثم يسلِّمَ على أَخِيهِ مِنْ على يَمِينِه، وَشِمَالِه».

وكلُّ هذا غيرُ واجِبٍ، وهذا الخِلافُ الذي ذكَرناه في الصَّلاةِ المَفروضةِ.

أمَّا صَلاتَا الجِنازةِ والنَّافِلةِ، وسُجودُ التِّلاوةِ، فلا خِلافَ في أنَّه يَخرُجُ منها بتَسليمةٍ واحدةٍ، قالَ القاضي: هذا رِوايةٌ واحدةٌ، نصَّ عليه أحمدُ في صَلاةِ الجِنازةِ وسُجودِ التِّلاوةِ، ولأنَّ أصحابَ النَّبيِّ لم يسلِّموا في صَلاةِ الجِنازةِ إلا تَسليمةً واحدةً، واللهُ أعلَمُ (١).

١٢ - الطُّمَأنينة:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الطُّمأنينةِ في الصَّلاةِ، فَذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الطُّمأنينةَ رُكنٌ من أركانِ الصَّلاةِ؛ لحَديثِ المُسيءِ في صَلاتِه، وهو: أنَّ النَّبيَّ دخلَ المَسجدَ،

(١) «المغني» (٢/ ١٠٨، ١١٠)، و «الإجماع» لابن المنذر (٢٥)، و «الإفصاح» (١/ ١٧٧)، و «مواهب الجليل» (١/ ٥٣٠)، و «عون المعبود» (٣/ ٢٠٩)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٢٤١)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٧٧)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٣٦١)، و «المجموع» (٣/ ٤٢٥)، و «منار السبيل» (١/ ١٠٥).

فَدخلَ رَجلٌ فَصلَّى فَسلَّم على النَّبيِّ ، فَردَّ، وقالَ: «ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لم تُصَلِّ»، فَرَجعَ يُصلِّي كما صلَّى، ثم جاء فَسلَّم على النَّبيِّ فقالَ: «ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لم تُصَلِّ». ثَلاثا، فقالَ: وَالَّذي بعَثكَ بِالحقِّ ما أُحسِنُ غيرَهُ، فَعَلِّمنِي. فقالَ: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّر، ثم اقرَأ ما تَيَسَّرَ معَكَ مِنْ القُرآنِ، ثم اركَع حتى تَطمَئن رَاكِعًا، ثم ارفَع حتى تَعتَدلَ قائِمًا، ثم اسجُد حتى تَطمَئن ساجِدًا، ثم ارفَع حتى تَطمَئن جالسًا، وَافعَل ذلك في صَلاتِكَ كلِّهَا».

وهذا الحَديثُ لِبَيانِ أقَلِّ الواجِباتِ، ثم إنَّ الاستِدلالَ به مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها: أنَّه أمرَه بالإعادةِ، والإعادةُ لا تَجِبُ إلا عندَ فَسادِ الصَّلاةِ، وفَسادُها بفَواتِ الرُّكنِ.

والثاني: أنَّه نَفَى كَونَ المُؤدَّى صَلاةً، بقولِه: فإنَّكَ لم تُصَلِّ.

والثالِثُ: أنَّه أمرَه بالطُّمأنينةِ، ومُطلَقُ الأمرِ لِلفَرضيةِ.

ورَوى البُخاريُّ عن زَيدِ بنِ وَهبٍ قالَ: «رَأى حُذَيفَةُ رَجلًا لَا يُتمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجودَ، قالَ: ما صلَّيتَ، وَلَو مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطرَةِ التي فَطَرَ اللهُ مُحمَّدًا عليها» (١).

قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: استُدلَّ به على وُجوبِ الطُّمأنينةِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ، وعلى أنَّ الإخلالَ بها مُبطِلٌ لِلصَّلاةِ (٢).

(١) رواه البخاري (٧٥٨).
(٢) «فتح الباري» (٢/ ٢٧٥).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: وهذا الذي لم يُتمَّ صَلاتَه إنَّما تركَ الطُّمأنينةَ، أو تركَ الاعتِدالَ، أو تركَ كِلَيهما، فإنَّه لا بدَّ أن يَكونَ قد تركَ بَعضَ ذلك؛ إذ نَقرُ الغُرابِ والفَصلُ بينَ السَّجدتَينِ بحَدِّ السَّيفِ، والهُبوطُ مِنْ الرُّكوعِ إلى السُّجودِ لا يُمكِنُ أن يَنقُصَ منه مع الإتيانِ بما قد يُقالَ: إنَّه رُكوعٌ أو سُجودٌ، وهذا الرَّجلُ كان يأتي بما يُقالَ له: رُكوعٌ وسُجودٌ، لكنَّه لم يُتمَّه، ومع هذا قالَ حُذيفةُ: «ما صلَّيتَ»، فنَفَى عنه الصَّلاةَ، ثم قالَ: ما صلَّيتَ، وَلَو مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطرَةِ التي فَطَرَ اللهُ مُحمَّدًا عليها، وعلى غيرِ السُّنةِ، وكِلاهما المُرادُ به هنا الدِّينُ والشَّريعةُ، وليس المُرادُ به فِعلُ المُستحَبَّاتِ، فإنَّ هذا لا يُوجِبُ هذا الذَّمَّ والتَّهديدَ، فلا يَكادُ أحَدٌ يَموتُ على كلِّ ما فعلَه النَّبيُّ مِنْ المُستحَبَّاتِ (١).

وعن أبي مَسعودٍ البَدرِيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ النَّبيُّ : «لَا تُجزِئُ صَلاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجلُ فيها صُلبَه في الرُّكُوعِ وَالسُّجودِ» (٢).

قالَ شَيخُ الإسلامِ: فهذا صَريحٌ في أنَّه لا تُجزِئُ الصَّلاةُ حتى يَعتدِلَ الرَّجلُ مِنْ الرُّكوعِ ويَنتَصبَ مِنْ السُّجودِ؛ فهذا يدلُّ على إيجابِ الاعتِدالِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ، وهذه المَسألةُ -وإن لم تكُن هي مَسألةَ الطُّمأنينةِ- تُناسِبُها وتُلازِمُها؛ وذلك أنَّ هذا الحَديثَ نَصٌّ صَريحٌ في وُجوبِ الاعتِدالِ، فإذا وجبَ الاعتِدالُ لِإتمامِ الرُّكوعِ والسُّجودِ فالطُّمأنينةُ فيهما أوجَبُ (٣).

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٣٤، ٥٤٠).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقَدَّمَ.
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٣٤).

ومَحَلُّ الطُّمأنينةِ عندَهم في الرُّكوعِ والسُّجودِ والاعتِدالِ مِنْ الرُّكوعِ والجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ.

وذَهب الحَنفيَّةُ -ما عدا أبا يُوسفَ- إلى أنَّ الطُّمأنينةَ في الصَّلاةِ -ويُسمُّونَها: «تَعديلَ الأركانِ»، أو تَسكينَ الجَوارِحِ- ليست بفَرضٍ، وهي سُنَّةٌ، على تَخريجِ الجُرجَانِيِّ، واجِبةٌ على تَخريجِ الكَرخِيِّ، وهو الصَّحِيحُ، ولهذا يُكرَهُ تَركُها عَمدًا، ويَلزمُه سُجودُ السَّهوِ إذا تركَها ساهِيًا.

ومَحَلُّ التَّعديلِ عندَهم في الرُّكوعِ والسُّجودِ، واختارَ بَعضُ الحَنفيَّةِ وُجوبَ التَّعديلِ في الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، والجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ أيضًا.

قالَ في البَحرِ: وتَسكينُ الجَوارِحِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ حتى تَطمَئن مَفاصِلُه، وأدناه مِقدارُ تَسبيحةٍ، واجِبٌ، على تَخريجِ الكَرخِيِّ، وهو الصَّحِيحُ؛ كما في شَرحِ المُنيَةِ، وسُنةٌ على تَخريجِ الجُرجانِيِّ، وفَرضٌ على ما نقلَه الحاوي عن الثَّلاثةِ.

والذي نقلَه الجَمُّ الغَفيرُ أنَّه واجِبٌ عندَ أبي حَنيفَةَ ومُحمدٍ، فَرضٌ عندَ أبي يُوسفَ … ويدلُّ على وُجوبِها المُواظَبةُ عليها، وبهذا يَضعُفُ قولُ الجُرجانِيِّ، ولهذا سُئلَ مُحمدٌ عن تَركِها، فقالَ: إنِّي أخافُ ألَّا تَجوزَ، وعنِ السُّرخسيِّ: مَنْ تركَ الاعتِدالَ تَلزَمُه الإعادةُ (١).

وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: الطُّمأنينةُ في الرُّكوعِ واجِبةٌ عندَ أبي حَنيفةَ، ومُحمدٍ، كذا ذكرَه الكَرخيُّ، حتى لو تركَها ساهِيًا يَلزمُه سُجودُ السَّهوِ،

(١) «البحر الرائق» (١/ ٣١٦).

وذكرَ الجُرجانيُّ أنَّها سُنَّةٌ … والصَّحِيحُ ما ذكرَه الكَرخيُّ؛ لأنَّ الطُّمأنينةَ مِنْ بابِ إتمامِ الرُّكنِ، وإكمالُ الرُّكنِ واجِبٌ، كإكمالِ القِراءةِ بالفاتِحةِ، ألا تَرى أنَّ النَّبيَّ ألحَقَ صَلاةَ الأعرابيِّ بالعدمِ؟ والصَّلاةُ إنَّما يُقضَى عليها بالعدمِ إما لانعِدامِها أصلًا، بتَركِ الرُّكنِ، أو بانتِقاصِها بتَركِ الواجِبِ، فتَصيرُ عدمًا مِنْ وَجهٍ، فأمَّا تَركُ السُّنةِ فلا يُلحَقُ بالعدمِ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ نُقصانًا فاحِشًا، ولهذا يُكرَهُ تَركُها أشَدَّ الكَراهةِ، حتى رُويَ عن أبي حَنيفَةَ أنَّه قالَ: أخشَى ألَّا تَجوزَ صَلاتُه (١).

ونقلَ ابنُ عابدينَ عن البَحرِ قولَه: ومُقتضَى الدَّليلِ وُجوبُ الطُّمأنينةِ في الأربعةِ؛ أي: في الرُّكوعِ والسُّجودِ والجُلوسِ بينَ السَّجدتَينِ؛ لِلمُواظَبةِ على ذلك كلِّه، ولِلأمرِ في حَديثِ المُسيءِ صَلاتَه، ولمَا ذكرَه قاضي خانَ مِنْ لُزومِ سُجودِ السَّهوِ بتَركِ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ ساهِيًا، وفي المُحِيطِ: لو تركَ تَعديلَ الأركانِ أو القَومةَ التي بينَ الرُّكوعِ والسُّجودِ ساهِيًا، لزِمه السَّهوُ، فيَكونَ حكمُ الجَلسةِ التي بينَ السَّجدتَينِ كذلك؛ لأنَّ الكَلامَ فيهما واحدٌ، والقولُ بوُجوبِ الكلِّ هو مُختارُ المُحقِّقِ ابنِ الهُمامِ، وتِلميذِه ابنِ أميرِ الحاجِّ، حتى إنَّه قالَ: إنَّه الصَّوابُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

قالَ ابنُ عابدينَ: والحاصِلُ أنَّ الأصحَّ رِوايةً ودِرايةً وُجوبُ تَعديلِ الأركانِ، وأمَّا القَومَةُ والجَلسةُ وتَعديلُها فالمَشهورُ في المَذهبِ السُّنِّيةُ، ورُويَ وُجوبُها، وهو المُوافِقُ لِلأدلَّةِ، وعليه الكَمالُ، ومَن بعدَه مِنْ

(١) «معاني الآثار» (١/ ٥١٠).

المُتأَخِّرينَ، وقالَ أبو يُوسفَ بفَرضيَّةِ الكلَّ، واختارَه في المَجمَعِ والعينِيِّ، ورَواها الطَّحاويُّ عن أئِمَّتِنا الثَّلاثةِ، وقالَ في الفَيضِ: إنَّه الأحوَطُ (١).

ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفَةَ فيمَن لم يُقِم صُلبَه في الرُّكوعِ، إن كانَ إلى القيامِ أقرَبَ منه إلى إتمامِ الرُّكوعِ، لم يُجزِئه، وإن كانَ إلى إتمامِ الرُّكوعِ أقرَبَ منه إلى القيامِ أجزَأَه؛ إقامةً لِلأكثَرِ مَقامَ الكلِّ (٢).

أمَّا المالِكيَّةُ فإنَّ عندَهم في الطُّمأنينةِ خِلافًا، قالَ الدُّسوقيُّ: القولُ بفرَضيَّتِها صحَّحه ابنُ الحاجِبِ، والمَشهورُ مِنْ المَذهبِ أنَّها سُنَّةٌ؛ ولِذا قالَ زَرُّوقٌ والبُنانيُّ: مَنْ تركَ الطُّمأنينةَ أعادَ في الوقتِ على المَشهورِ، وقيلَ: إنَّها فَضيلةٌ (٣).

وإلى ما ذَهب إليه ابنُ الحاجِبِ ذَهب القُرطُبيُّ وغيرُه، فقالَ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: لمَّا قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، قالَ بَعضُ عُلمائِنا وغيرُهم: يَكفي منها ما يُسمَّى رُكوعًا وسُجودًا، وكذلك مِنْ القيامِ، ولم يَشتَرِطوا الطُّمأنينةَ في ذلك، فأخَذوا بأقَلِّ الاسمِ في ذلك، وكأنَّهم لم يَسمَعوا الأحاديثَ الثَّابِتةَ في إلغاءِ الصَّلاةِ.

(١) ابن عابدين (١/ ٤٦٤)، و «البحر الرائق» (١/ ٣١٧)، والطَّحطاوي (١/ ١٥٧)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١١٨)، و «عمدة القاري» (٦/ ١٨، ١٩)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٥٨)، و «كفاية الأخيار» (١٥٠)، و «المجموع» (٣/ ٣٦٨)، و «الإفصاح» (١/ ١٦٧)، و «المغني» (٢/ ٥١)، و «التحقيق» لا بن الجوزي (١/ ٣٨٨)، و «منار السبيل» (١/ ١٠٤)، و «الإنصاف» (٢/ ١١٣).
(٢) «معاني الآثار» (١/ ٥٠٩).
(٣) «حاشية الدُّسوقيِّ» (١/ ٢٤١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 217 - 222

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 30 ربيع الأول
هلال متزايد اليوم 2.1 / 29.5
الإضاءة 5%
البدر بعد 13 يوم
الحمد لله