الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > التثاؤب في الصلاة
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 17 دقيقة قراءةقالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: والدَّليلُ على ذلك إجماعُ الجَميعِ على أنَّ المُصلِّي يَسجُدُ على رُكبتَيهِ مَستُورَتَينِ بالثِّيابِ، وهي بَعضُ الأعضاءِ التي أُمر المُصلِّي بالسُّجودِ عليها، فكذلك سائِرُ أعضائِه، إلا ما أجمَعوا عليه مِنْ كَشفِ الوَجهِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: لا يَلزمُه كَشفُ يَديه في السُّجودِ، خِلافًا لِأحَدِ قولَيِ الشافِعيِّ؛ لأنَّه يُسمَّى ساجِدًا مُتَمَكِّنًا، فأشبَهَ إذا كَشَفَ (٢).
وذَهب الشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى وُجوبِ كَشفِ اليَدينِ، قالَ النَّوويُّ: وفي وُجوبِ كَشفِ اليَدينِ قَولانِ: الصَّحِيحُ: أنَّه لا يجبُ، وهو المَنصوصُ في عامَّةِ كُتُبِ الشافِعيِّ، كما ذكرَه المُصَنِّفُ، والآخَرُ: يجبُ كَشفُ أدنى جُزءٍ مِنْ باطِنِ كلِّ كَفٍّ، واللهُ أعلَمُ (٣).
١٢ - التَّثاؤُبُ في الصَّلاةِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على كَراهةِ التَّثاؤُبِ في الصَّلاةِ أو في خارِجِها، وفي الصَّلاةِ أشَدُّ، وهو: التَّنفُّسُ الذي يَنفَتِحُ منه الفَمُ لِدَفعِ البُخاراتِ، وهو يَنشَأُ مِنْ امتِلاءِ المَعِدةِ وثِقلِ البَدنِ، لمَا في الصَّحِيحَينِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيطَانِ، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكم فَليَكظِم ما استَطَاعَ» (٤).
(١) «الاستذكار» (٢/ ٣٠٧).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٧٩، ٢٨٠)، (١٩٥، ١٩٦).
(٣) «المجموع» (٣/ ٣٨٦، ٣٨٩)، و «شرح مسلم» (٥/ ١٠٥).
(٤) رواه البخاري (٣٢٨٩)، ومُسلِم (٢٩٩٤)، والتِّرمذي (٣٦٨).
وعن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إذا تَثَاءَبَ أحَدُكم في الصَّلاةِ فَليَكظِم ما استَطَاعَ؛ فإنَّ الشَّيطَانَ يَدخلُ» (١).
والأدَبُ أن يَكظِمَه ما استَطاعَ، أي: أن يَرُدَّه، وليَحبِسهُ؛ لمَا رَوَينا، فإن لم يقدِر؛ فليَضَع يَده أو كُمَّه على فيه، ووَضعُ اليَدِ ثابِتٌ في صَحِيحِ مُسلِمٍ، ووَضعُ الكُمِّ يَكونُ قِياسًا عليه.
وفي رِوايةٍ: «العُطاسُ مِنْ اللَّهِ، والتَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيطَانِ، فإذا تَثَاءَبَ أحَدُكم فليَضَع يَدهُ على فيه، وإذا قالَ: آه آه؛ فإنَّ الشَّيطَانَ يَضحَكُ مِنْ جَوفِه، وإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطاسَ، ويَكرَهُ التّثَاؤُبَ، فإذا قالَ الرَّجلُ: آه آه، إذا تَثَاءَبَ، فإنَّ الشَّيطَانَ يَضحَكُ في جَوفِه» (٢).
فقولُه: «يُحِبُّ العُطاسَ، ويَكرَهُ التَّثاؤُبَ»؛ إنَّما ذلك لأنَّ العُطاسَ إنَّما يَكونُ مع انفِتاحِ المَسَامِّ، وخِفَّةِ البَدنِ، وتَيَسُّرِ الحَركاتِ، وسَببُ هذه الأُمورِ: تَخفيفُ الغِذاءِ، والإقلالُ مِنْ الطَّعامِ، والقَناعةُ باليَسيرِ منه، والتَّثاؤُبُ إنَّما يَكونُ مع ثِقلِ البَدنِ، وامتِلائِه، واستِرخائِه لِلنَّومِ، ومَيلِه إلى الكَسَلِ، فصارَ العُطاسُ مَحمودًا؛ لأنَّه يُعينُ على الطَّاعاتِ، وصَارَ التَّثاؤُبُ مَذمومًا؛ لأنَّه يُثَبِّطُه عنها، ويُكَسِّلُه عن الخَيراتِ (٣).
قالَ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: يَنبَغي كَظمُ التَّثاؤُبِ في كلِّ حالةٍ، وإنَّما خصَّ
(١) رَواه مُسلِم (٢٩٩٥).
(٢) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رَواه التِّرمذي (٢٧٤٦).
(٣) «جامع الأُصول» (٦/ ٦٢٣، ٦٢٤).
الصَّلاةَ لأنَّها أَولَى الأحوالِ بدَفعِه؛ لمَا فيه مِنْ الخُروجِ عن اعتِدالِ الهَيئةِ واعوِجاجِ الخِلقةِ.
قالَ الحافِظُ: وأمَّا قولُه في رِوايةِ أبي سَعيدٍ في ابنِ ماجه (١): «ولا يَعوِي»، شَبَّهَ التَّثاؤُبَ الذي يَترسَّلُ معه بعُواءِ الكَلبِ؛ تَنفيرًا عنه، واستِقباحًا له؛ فإنَّ الكَلبَ يَرفَعُ رَأسَه ويَفتَحُ فاه ويَعوِي، والمُتَثائِبُ إذا أفرَطَ في التَّثاؤُبِ شابَهَهُ، ومِن هنا تَظهَرُ النُّكتَةُ في كَونِه يَضحَكُ منه؛ لأنَّه صَيَّرَه مَلعَبَةً له، بتَشويهِ خَلقِه في تلك الحالةِ، وأمَّا قولُه في رِوايةِ مُسلِمٍ: «فإنَّ الشَّيطانَ يَدخلُ»، فَيَحتَمِلُ أن يُرادَ به الدُّخولُ حَقيقةً، وهو إن كانَ يَجرِي مِنْ الإنسانِ مَجرَى الدَّمِ، لا يَتمَكَّنُ منه ما دامَ ذاكِرًا للهِ تَعالى، والمُتَثائِبُ في تلك الحالةِ غيرَ ذاكِرٍ؛ فيَتمَكَّنُ الشَّيطانُ مِنْ الدُّخولِ فيه حَقيقةً، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ أطلَقَ الدُّخولَ وأرادَ التَّمَكُّنَ منه؛ لأنَّ مِنْ شَأنِ مَنْ دخلَ في شَيءٍ أن يَكونَ مُتَمَكِّنًا منه، وأمَّا الأمرُ بوَضعِ اليَدِ على الفَمِ، فيَتَناوَلُ ما إذا انفَتَحَ بالتَّثاؤُبِ، فيُغَطِّيه بالكَفِّ ونحوِه، وما إذا كانَ مُنطَبِقًا؛ حِفظًا له من الانفِتاحِ بسَببِ ذلك، وفي مَعنى وَضعِ اليَدِ على الفَمِ وَضعُ الثَّوبِ ونحوِه، ممَّا يُحَصِّلُ ذلك المَقصودَ، وإنَّما تَتَعَيَّنُ اليَدُ إذا لم يَرتَدَّ التَّثاؤُبُ بدُونِها، ولا فَرقَ في هذا الأمرِ بينَ المُصلِّي وغيرِه، بل يَتأَكَّدُ في حالِ الصَّلاةِ (٢).
(١)
(٢) «فتح الباري» (١٠/ ٦١٢)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٢١٥، ٢١٦)، و «شرح مسلم» (١٨/ ١٢٢)، و «عُمدة القاري» (٢٢/ ٢٢٨)، و «الكافي» (١/ ١٧٣)، و «كشاف القناع» (١/ ٣٧٣)، و «المجموع» (٤/ ١١٠)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٧)، و «الإفصاح» (١/ ١٩٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل بيان ما يستحب في الصلاة وما يكره
الْيَسَارِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَنْوِيهِ فِي الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ يَمِينَ الْإِمَامِ عَنْ يَمِينِ الْمُقْتَدِي وَيَسَارَهُ عَنْ يَسَارِهِ فَكَانَ لَهُ حَظٌّ فِي الْجَانِبَيْنِ فَيَنْوِيهِ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ بَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُكْرَهُ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا وَمَا يُكْرَهُ.
فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْشَعَ فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْخَاشِعِينَ فِي الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ يُصَلِّي خَاشِعًا شَاخِصًا بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المؤمنون: ١ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ المؤمنون: ٢ رَمَى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ» أَيْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ ثُمَّ أَطْلَقَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلَهُ وَيَكُونُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَفَسَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَالَ: يَرْمِي بِبَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ وَفِي حَالَةِ الرُّكُوعِ إلَى رُءُوسِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ وَفِي حَالَةِ السُّجُودِ إلَى أَرْنَبَةِ أَنْفِهِ وَفِي حَالَةِ الْقَعْدَةِ إلَى حِجْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ تَعْظِيمٌ وَخُشُوعٌ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب المواقيت
باب المواقيتِ
أجْمَعَ المسلمون على أنَّ الصلواتِ الخَمْسَ مُؤَقَتَةٌ بمواقيتَ معلومة محدودة، وقد ورد ذلك في أحاديثَ صِحاحٍ جِيادٍ، نَذْكرُ أكْثَرَهَا في مواضِعها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
١٠٩ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: (وإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ)
بدأ الخِرَقِىُّ بذِكْرِ صلاةِ الظُّهْرِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ بدأ بها حين أمَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ، وجابرٍ، وبدأ بها -صلى اللَّه عليه وسلم-حين علَّمَ الصَّحابةَ مَوَاقِيتَ الصَّلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَة وغَيْرِه، وبدأ بِها الصَّحابةُ رَضِىَ اللهُ عنهم حين سُئِلُوا عن الأوقاتِ في حديثِ أبى بَرزْةَ وجابرٍ وغيرِهما، تُسَمَّى الأُولَى والهَجِيرَ وَالظُّهْرَ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى الهَجِيرَ التي يَدْعُونَها الأُولَى حين تَدْحَضُ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه ، يَعْني حينَ تزُولُ الشَّمْسُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب إمامة المرأة)
(باب إمامة المرأة)
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا صَلَّتْ بِنِسْوَةٍ الْعَصْرَ فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ جَارِيَةً لَهُ تَقُومُ بِأَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ بِنِسَاءٍ تَقُومُ وَسَطَهُنَّ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ جَمَاعَةً عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ النِّسَاءَ فَرْضًا وَنَفْلًا
وَقَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة يُكْرَهُ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ يُكْرَهُ لَهَا الْإِمَامَةُ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ، تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ "
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.