الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > تسييد النبي ﷺ في الصلاة
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 42 دقيقة قراءةكَثِيرًا، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنتَ؛ فَاغفِر لي مغفرةً مِنْ عِندِكَ، وَارحَمنِي؛ إِنَّكَ أنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (١).
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إذا تَشهَّدَ أحَدُكم فَليَستَعِذ بِاللَّهِ مِنْ أَربَعٍ، يَقولُ: اللَّهمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبرِ، وَمِنْ فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٢).
تَسيِيدُ النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ:
وردَ لَفظُ الصَّلواتِ الإبراهيميَّةِ في كُتُبِ الحَديثِ والفِقهِ مَأثُورةً عن النَّبيِّ ﷺ مِنْ غيرِ ذكرِ (سيِّدِنا) قبلَ اسمِه عليه الصلاة والسلام، أمَّا إضافَةُ لَفظِ (سيِّدِنا) فلا يُوجَدُ كَلامٌ لِلفُقهاءِ المُتقدِّمِينَ فيها، وأمَّا المُتأخِّرونَ فقدِ اختَلَفوا فيها على قولَينِ:
فذَهب إلى استِحبابِ ذكرِها العِزُّ بنُ عَبد السَّلامِ والرَّملِيُّ والقَليُوبِيُّ والشَّرقاويُّ وجَلالُ الدِّينِ المَحَلِّيِّ وغيرُهم مِنْ الشافِعيَّةِ، والحَصكَفيُّ وابنُ عابدينَ والطَّحاويُّ مِنْ الحَنفيَّةِ؛ مُتابعَةً لِلرَّملِيِّ الشافِعيِّ.
قالَ الرَّملِيُّ رحمة الله عليه: والأفضَلُ الإتيانُ بلَفظِ السِّيادةِ، كما قالَه ابنُ
(١) رواه البخاري (٧٩٩)، ومسلم (٢٧٠٥).
(٢) رواه مسلم (٥٨٨)، وانظر: ابن عابدين (١/ ٣٥٠)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٢٣)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٢٥١، ٢٥٢)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٢١)، و «شرح مسلم» (٤/ ١٠٥)، و «مُغني المحتاج» (١/ ١٧٦)، و «كشاف القناع» (١/ ٣٦٠)، و «شرح الزرقاني» (١/ ٢٧١)، و «التحقيق» (١/ ٤٢٧)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ١٣٩).
ظَهِيرَةَ، وصرَّح به جَمعٌ، وبه أفتَى الجَلالُ المَحَلِّيُّ جازِمًا به؛ لأنَّ فيه الإتيانَ بما أُمِرنا به؛ وزِيادةَ الإخبارِ بالواقِعِ الذي هو أدَبٌ، فهو أفضَلُ مِنْ تَركِه، وإن تردَّدَ في أفضَلِيَّتِه الإِسنَوِيُّ (١).
وقالَ الحَصكَفيُّ رحمة الله عليه: ونُدِبَ السِّيادةُ؛ لأنَّ زِيادةَ الإخبارِ بالواقِعِ عَينُ سُلوكِ الأدَبِ؛ فهو أفضَلُ مِنْ تَركِه. ذكرَهُ الرَّملِيُّ الشافِعيُّ وغيرُه (٢).
قالَ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: واعتُرِضَ بأنَّ هذا مُخالِفٌ لِمَذهبِنا؛ لمَا مرَّ مِنْ قولِ الإمامِ مِنْ أنَّه لو زادَ في تَشهُّدِه أو نقصَ فيه كانَ مَكروهًا. قُلتُ: فيه نَظرٌ؛ فإنَّ الصَّلاةَ زَائِدةٌ على التشهُّدِ، ليست منه. نَعم يَنبَغي على هذا عدمُ ذكرِها في: «وَأَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسولُه». وأنَّه يَأتي بها مع إبراهيمَ عليه السلام (٣).
وقالَ العِزُّ بنُ عَبد السَّلامِ رحمة الله عليه: إنَّ هذا مِنْ قَبيلِ الأدَبِ، ورِعايةُ الأدَبِ خَيرٌ مِنْ الامتِثالِ.
واحتُجَّ على ذلك بحَديثَينِ:
الأوَّلُ: ما رَواهُ سَهلُ بنُ سَعدٍ السَّاعِديُّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ذَهب إلى بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ لِيُصلِحَ بينَهم، فحانَتِ الصَّلاةُ، فجاءَ المُؤذِّنُ إلى أبي بَكرٍ فقالَ: أتُصَلِّي لِلنَّاسِ، فأُقيمَ؟ قالَ: نَعم. فصلَّى أَبو بَكرٍ، فجاءَ رَسولُ اللهِ ﷺ والنَّاسُ في الصَّلاةِ فتَخَلَّصَ حتى وقفَ في الصَّفِّ،
(١) «حاشية الرَّملي على أسنى المطالب شَرح رَوض الطالب» (١/ ١٦٦).
(٢) «الدُّر المختار» مع «حاشية ابن عابدين» (١/ ٥١٣).
(٣) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٥١٣).
فصفَّقَ النَّاسُ، وكانَ أَبو بَكرٍ لا يَلتَفِتُ في صَلاتِه، فلمَّا أكثرَ النَّاسُ التَّصفيقَ التَفَتَ، فرَأى رَسولَ اللهِ ﷺ، فأشارَ إليه رَسولُ اللهِ ﷺ أنِ امكُث مَكانَكَ، فرفعَ أَبو بَكرٍ يَديهِ، فحَمِدَ اللهَ على ما أمرَه به رَسولُ اللهِ مِنْ ذلك، ثم استَأخرَ أَبو بَكرٍ حتى استَوَى في الصَّفِّ وتَقدَّم رَسولُ اللهِ ﷺ فصلَّى، فلمَّا انصَرفَ قالَ: «يا أَبا بَكرٍ، ما منعَكَ أَنْ تَثبُتَ إِذْ أَمَرتُكَ؟» فقالَ أَبو بَكرٍ: ما كانَ لابنِ أبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصلِّيَ بينَ يَدي رَسولِ اللهِ ﷺ (١).
(١) رواه البخاري (٦٥٢)، ومسلم (٤٢١) لكن قد يُجاب عن هذا الدليل بما ورد عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أيضًا، فرَوى البخاري (٦٥١) من حَديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «أَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ في مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِم، قال عُروَةُ: فَوَجَدَ رسولُ اللهِ ﷺ في نَفسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، فإذا أبو بَكرٍ يَؤُمُّ الناسَ، فلما رَآهُ أبو بَكرٍ استَأخَرَ، فَأَشَارَ إليه أَنْ كما أنتَ، فَجَلَسَ رسولُ اللهِ ﷺ حِذَاءَ أبي بَكرٍ إلى جَنبِهِ، فَكَانَ أبو بَكرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رسولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أبي بَكرٍ». فهذا أبو بكرٍ نَفسُه قد امتَثَلَ أمرَ النَّبيِّ، فهل يَعني ذلك أنه قد تَرَكَ الأدَبَ ههنا، أو ماذا؟
وقالَ فضيلة الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي حفظه الله: يَقُول الإمام الطَّحطاوي رحمة الله عليه: [وسيدُ المرسلينَ] أي: ونقول: إنَّه ﷺ خاتمُ الأنبياءِ وإمامُ الأتقياءِ وسيدُ المرسلينَ، وعلى ذلك علَّقَ المُصنِّفُ رحمة الله عليه بذِكر هذه الأحاديث الصحيحة التي ورد فيها إثبات هذه الصفة للنَّبيِّ ﷺ، ومنها الحديث الصحيح المعروف: «أنا سيِّدُ ولدِ آدم يَومَ القِيامةِ، وأوَّلُ مَنْ يَنشَقُّ عنه القَبرُ، وأوَّلُ شافِعٍ وأوَّلُ مُشَفَّعٍ».
الكلام على إضافة كلمة: «سيِّدنا» للرسولِ ﷺ، وكونُ النَّبيِّ ﷺ هو سيِّدَ وَلدِ آدم، لا غبارَ عليه، ولا إشكالَ فيه، وإنما الشُّبهة التي تُثار وخُصوصًا عند المتأخِّرينَ حولَ إطلاق كلمة: «سيِّدنا» على رَسولِ اللهِ ﷺ، فيرى بعضهم:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن هذه الكلمةَ تصلُحُ لأن تكونَ شعارًا وتُتَّخَذَ سُنَّةً في الخُطبِ، والمقالاتِ، والمَواعظِ، حتى إنَّ بَعضَهم يَذكُرها في التشهدِ في الصلاةِ!
ويَقُول: لماذا لا نقولُ: وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا، أو اللَّهمَّ صَلِّ على سيِّدِنا مُحمَّد وعلى آلِ سيِّدِنا محمد؟ ويَقُولُون: إنَّ هذا اللفظَ قد ثَبَتَ مِنْ قَولِه ﷺ: هو سيِّدُ وَلَدِ آدَمَ! وأنَّ الذي يَقُول: اللَّهمَّ صَلِّ على سيِّدنا مُحمَّد في صَلاتِه، أو في خُطبةِ الجُمُعةِ، أو غَيرِ ذلك أفضَلُ من الذي لا يَذكُرُ لفظَ سيِّدِنا!
بل ليت الأمر وَقَفَ عِنْدَ حُدودِ الأفضليةِ، وإنَّما يَقُولُونَ عن الذي يَقُولُ: أشهد أنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه، ولا يُضيفُ «سيِّدَنا»، هذا جافٍ يَكرَهُ النَّبيَّ ﷺ والعياذُ باللهِ. وقد سَبَقَ أن قُلنا: إنَّ مما أجمَعَ عليه أهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: أنَّ مَنْ كَرِهَ شَيئًا مما جَاءَ به الرَسولُ ﷺ أو كَانَ في قَلبِه أدنى كَراهيةٍ لِلرسُولِ ﷺ فإنَّه كافِر قَطعًا، وإن أظهَرَ الإسلامَ، وأظهَرَ الشَّعائِرَ، فهو مِن المنافقين الذين لا يُقبل منهم عَمَل، بل هم في الدَّركِ الأسفلِ من النارِ، فمِن الخطورةِ بمكان أن يُقَالَ: إنَّ فُلانًا يكرهُ الرَسولَ ﷺ؛ لأنَّه لا يَقُولُ: أشهد أنَّ سيِّدَنا محمدًا رَسولُ الله، وإنما يَقُول: أشهد أنَّ محمدًا رَسول الله! والقولُ الصَّوابُ في هذه المَسألَةِ أنَّنا نقولُ: أولًا: لا بد أن نَعلَمَ أنَّنا مُتِّبعونَ ولسنا مُبتَدِعينَ، وأنَّ اللهَ ﷾ جعلَ هذا الدِّينَ اتِّباعًا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وكذلك رَسولُ اللهِ ﷺ يقولُ له اللهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، فهو ﷺ لا يُنذِرُنا بالعقلِ ولا بالهوى، ولا بالرأيِ، وإنما هو وَحيٌ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]. وهو ﷺ لو قال قولًا أو فَعَلَ فِعلًا على خِلافِ ما يريدُ اللهُ ﷾، لنزَلَ عليه العِتابُ، ويَنزلُ تَصحيحُ ذلك الخطأِ من عِنْدِ اللهِ ﷾، فهو لا يأتي بشَيءٍ مِنْ عِنْدِ نَفسِه ﷺ، بل هو مُتَّبِعٌ لما يُوحى إليه: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [لقمان: ٢]، فاللهُ تبارك وتعالى يأمرُ رسولَه ﷺ أن يتبعَ ما يُوحَى إليه مِنْ رَبِّه، وأن يقولَ للناسِ: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]. وكذلك يأمُرُنا رَسولُ اللهِ ﷺ بأن نَتَّبِعَه؛ لأنَّه لا ينطقُ عنِ الهَوى، فالمَسألَة إذًا اتِّباعٌ، والنبيُّ ﷺ لَمَّا سأله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابُه قالوا: يا رَسولَ الله، قد علِمنا كيف نسَلِّمُ عليك، فكيف نصلِّي عليكَ؟ عَلَّمَهم، ولا يُوجدُ في أي حديثٍ صَحيحٍ أنه علَّمهم إضافةَ كلمةِ: «سيِّدِنا»، فضلًا على أن تَكونَ شعارًا، بحيث لا يُذكَرُ النبيُّ ﷺ إلا وتُوضعُ قَبلَه هذه الكلمةُ، ونحن نؤمنُ بثُبوتِ هذه الصفةِ للنبيِّ ﷺ، ولا ننكرُها، بل هو ﷺ سيدُ ولدِ آدمَ، لكن يجبُ أن نفهمَ أن هذا لا يقالُ في أمرٍ تعبُّديٍّ، فلا يقالُ في الصلاةِ، ولا يقالُ في الأذانِ، كما تَفعَلُه بعضُ الدُّولِ، وإذا قيلت اللفظةُ فلا تقالُ على سبيلِ اللقبِ، ولا بأسَ أن يقالَ في خارجِ الصلاةِ والأذانِ، كما لو كَانَ في موعظةٍ أو في درسٍ أو في مقالةٍ، فلا مانعَ أن يقَالَ: سيِّدُ المرسلينَ ﷺ، لكن لا على سبيلِ الالتزامِ المُطلَقِ الذي يُجعَلُ شِعارًا.
إذًا فهذه الصِّفة ثبتت للنبيِّ ﷺ، لكنها لا تدخُلُ في أيِّ أمرٍ تعبَّدنا به، جاءت صفتُه الشرعيةُ التعبديةُ منقولةً عن النبيِّ ﷺ صَحيحةً بدونِ هذه الصِّفةِ.
الأمرُ الثاني: أننا إذا قُلنا: نشهدُ أنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه، أو إذا قُلنا: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ، قلتُم: لا؛ بل قولوا: سيِّدُنا رَسولُ اللهِ ﷺ، هذه أبلَغُ!
فنقولُ: أولًا: تعظيمُه ﷺ لا يكونُ إلا بما ورَد عندَ البُخاريِّ ومُسلِمٍ وغيرِهما كالإمامِ أَحمَدَ.
فلم يَرِد مثلًا عندَ أَحمَدَ في «مسنده»: عن أَبِي هُرَيرَةَ عن سيدِنا مُحمَّدٍ ﷺ! وهمُ السَّلَفُ الصالحُ الذين يَعرفونَ النبيَّ ﷺ ويحبُّونَه ويقدِّرونه أعظمَ منا، مع أنهم لم يُنكروا أنَّه سيدُ ولدِ آدمَ، كما جَاءَ في الحَديثِ، ولكنَّهم لم يستخدِموه شعارًا ولَقَبًا، فنقِفُ حيثُ وقفَ القومُ. والأمرُ الآخَرُ الذي يُظهِرُ أنَّ هذا اللفظَ ليس فيه زيادةُ توقيرٍ، ولا زيادةُ تعظيمٍ للنبيِّ ﷺ؛ أنَّ العربَ وجميعَ الأممِ تسمِّي كلَّ من يتزعَمُها سيِّدًا لها، كَانَ يُقَالَ: أبو سفيانُ سيِّدُ قريشٍ، والأقرعُ بن حابسٍ سيِّدُ بني تَميمٍ، وفلانٌ سيدُ بنى حَنيفةَ، وفُلانٌ سيِّدُ بنى كذا مِنْ قبائلِ العربِ، فليس هناك غرابةٌ أن يقَالَ: فُلانٌ سيدُ قبيلةٍ، أو أُمَّةٍ من الأُممِ، بل لما جَاءَ الرسلُ منَ الفُرسِ إِلَى الرَسولِ ﷺ، وكانوا يحلِقونَ اللحيةَ =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُطيلونَ الشاربَ، فَقَالَ لهمُ النبيُّ ﷺ: مَنْ أمَرَكم بهذا؟ قالوا: أمَرَنا رَبُّنا. أي: ملكُهم كسرى، ومعنى رَبُّنا أي: سيِّدُنا، كما جَاءَ في القرآنِ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥].
أي: زوجَها وصاحبَها، فالمقصودُ أنَّ هذه الكلمَةَ تُطلقُ على من يملِكُ عبدًا مملوكًا رقيقًا، فيقالُ له: هذا سيدُ فلانٍ المملوكِ، وتَقُولُ للزعيمِ أو للأميرِ الذي تنتمي إليه: هذا سيِّدُنا، ويَقُولُ إنسانٌ لأيِّ إنسانٍ آخَرَ ينتمي إِلَى أُمَّةٍ من الأُممِ: فلانٌ سيدُ بني فلانٍ، أو فلانٌ سيدُ الدولةِ الفلانيةِ أو الطائفةِ الفلانيةِ، فليس في هذه العبارةِ ميزةُ اختصاصٍ أو تفضيلٍ، اللَّهمَّ إلا أنَّ هذا الرَّجُلَ مفضَّلٌ على قومِه.
وعلى هذا يُفهمُ من قولِنا: فلانٌ سيدُ بني تميمٍ أنَّه سيدٌ في حدودِ قريةِ بني تميمٍ، وأن هذا أفضلُ رجُلٍ فيهم، فإذا قالَ بنو تميمٍ: سيدُنا الأقرعُ، أو سيدُنا فلانٌ، وقالَ أصحابُ النبيِّ ﷺ سيدُنا مُحمَّد، استَوَيَا! وليس الأمرُ كذلك، فالنبيُّ ﷺ أعظمُ من ذلك، فلقَبُه أو اسمُه أو صفَتُه أعظمُ من كونِه سيدًا التي يُفهَمُ منها الزعامةُ الدنيويةُ العاديةُ. فلهذا كَانَ الصحابةُ على وَعيٍ وفَهمٍ وسُنَّةٍ واتِّباعٍ، عندما كانوا يَقُولُونَ: أمَرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ، ورَسولُ اللهِ هو رَسولُ رَبِّ العَالَمِينَ ﷾، وهذه مَيزَتُه التي لا يشارِكُه فيها أحدٌ من العالَمينَ في عَصرِه على الإطلاقِ، وهذه هي التي بموجِبِها يلزَمُ جميعَ العالمين أن يَخضَعوا لأمرِه ونَهيِه، ويتَّبِعوه؛ لأنَّه يتكَلَّمُ بكلامِ مَنْ عندَ رَبِّ العَالَمِينَ، وبوَحيٍ من اللهِ تَعالى، فإذا قيلَ: قالَ رَسولُ اللهِ، كَانَ هذا الكلامُ من عندِ اللهِ، لا بواسطةِ رسولِه ﷺ، فيجبُ أن نتَّبِعَه، ولذا لَمَّا رَدَّ النبيُّ ﷺ على صاحبَي كسرى قَالَ: ولكن ربي أمَرَني، وما قَالَ: أنا سيدُ قومي، فأمَرتُهم بإعفاءِ اللِّحَى، وسيدُكم أمَرَكم بإعفاءِ الشَّوارِبِ، فهذانِ سيَّدانِ: هذا يأمُرُ قَومَه، وهذا يأمرُ قومَه، لكن هذا يَقُولُ: إنَّ ربي الذي هو الله ﷿، أمَرَني بكذا، أما ذاك فهو رَبُّكم، أي سيدُكم بشَرٌ مِثلُكم، فالذي يَختَصُّ به النبيُّ ﷺ ويمتازُ به، ويرتفعُ به عن سائرِ العالمينَ هو تمامُ العبوديةِ لله ﷾، وكمالُ الرسالةِ التي اختَصَّه اللهُ ﷾ بها دونَ العالمينَ أجمعينَ. لكنَّنا لو قُلنا: إنَّه سيدُ ولدِ آدمَ يَومَ القِيامةِ، كما جَاءَ في الحديث: «أنا =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سيدُ ولدِ آدمَ يَومَ القِيامةِ»، يكونُ النبيُّ ﷺ هنا حدد أنه سيدُ ولدِ آدمَ يَومَ القِيامةِ، وحالُ يَومِ القِيامةِ يختلفُ عن حالِ الدُّنيا تمَامًا، فيَومَ القِيامةِ يُنادِي الرَّبُ تبارك وتعالى: أينَ الجبارونَ؟ أين المتكبرونَ؟ فلا يجيبُ أحدٌ، فيأتونه مُهطِعينَ، مُخبِتِينَ، أبصارُهم شاخصةٌ، ويأتيه جميعُ النَّاسِ في غايةِ الانكسارِ والخضوعِ، وتشخَصُ أبصارُهم، فلا تسمعُ إلا هَمسًا، بل المتكبرونَ الذين كانوا يتكبرونَ في الدُّنيا، يُحشَرونَ -كما جَاءَ في الحَديثِ- على هَيئةِ الذَّرِّ يَطؤُهُم النَّاسُ بأقدامِهم، فيُحشَرُ خلقُ اللهِ تَعَالَى على خِلقةٍ واحِدةٍ إلا المتكبرينَ، فإنَّهم يُحشَرونَ على هيئةِ الذَّرِّ؛ جَزاءً ونَكالًا لِتعاليهم، وتفاخُرِهم في الحياة الدُّنيا، ففي ذلك المَوقِفِ الذي لا يَتكَلَّمُ فيه أحَدٌ، والذي يُخرَسُ فيه جَميعُ المُتكبرينَ، يَقفُ جميعُ الأنبياءِ، ومنهم أُولو العَزمِ يَعتَذِرونَ عنِ الشَّفَاعةِ، وحينئذٍ يقومُ ﷺ فيَشفَعُ، وهي السيادةُ الحقيقيةُ على العالَمينَ، فلذلك يَقُولُ: «أنا سيِّدُ وَلَدِ آدمَ يَومَ القِيامةِ، وأوَّلُ من تَنشَقُّ عنه الأرضُ، وأولُ شافِعٍ، وأوَّلُ مُشَفَّعٍ».
فلهذا جَاءَ الحديثُ بهذا القَيدِ، مع أننا نقولُ: لا يَمنَعُ من استِعمالِه أو مِنْ إطلاقِه في غيرِ يَومِ القِيامةِ، لكنَّنا لا نَنسَى أنَّ هذا اللَّفظَ إنما جَاءَ في مَعرِضِ يَومِ القِيامةِ، فإنَّ ليَومِ القِيامةِ تلك الحالةَ المَخصوصةَ التي تختَلِفُ عن حالِ الدُّنيا، ولهذا فَهِمَ الصحابةُ -رِضوانُ اللهِ عليهم- أنَّهم لا يتخذونَ هذا اللَّقبَ دائمًا، وكذلك العلماءُ مِنْ بَعدِهم. وأيضًا إذا قيلَ: إنه ﷺ سيدُ المرسلينَ، فهو يختلفُ عن قولِنا: إنه سيِّدُنا، لأن المرسلينَ هم أفضلُ البَشَرِ وأعلاهم درجةً ورُتبةً وشَرَفًا، فتفضيلُ النبيِّ ﷺ على المرسلينَ بأنه سيِّدُ المرسلينَ، تفضيلٌ واضحٌ، بخِلافِ ما إذا قال العامِّيُّ من الناسِ: سيِّدُنا، فقد يُفهَمُ منها ما يُستَخدمُ عادةً لِلعُظماءِ أو للأمراءِ، أو للملوكِ، ولهذا إذا قالَ فلانٌ: سيدُ العلماءِ الشَّافِعِيُّ، وسيدُ المحدِّثينَ الإمامُ أَحمدُ، ففيه مَيزةٌ.
لكننا لو قُلنا: سيدنا الإمامُ أَحمدُ، فإن هناكَ فرقًا بَينَ هذا وهذا، وإذا قُلنا: فلانٌ سيدُهم أو أميرُ المؤمنينَ في الحديثِ، فهذا تفضيلٌ، فلو فَكَّرنا في هذه الأُمورِ بعَقلٍ صائِبٍ سليمٍ مُتَّزِنٍ، لوَجَدنا أنَّ ما وردَ في حَقِّه ﷺ هو: أوَّلًا: أنَّه المُتَّبَعُ الذي يَجِبُ أن يُطاعَ. وثانيًا: أنَّ الأليَقَ والذي فيه تَوقيرٌ وتَعظيمٌ له ﷺ أكثَرُ، أن نقولَ: إنه عَبد اللهِ، ورسولُه ﷺ.
والآخَرُ: امتِناعُ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه عن مَحوِ اسمِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ الصَّحيفةِ في صُلحِ الحُدَيبِيَةِ: فعنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ قالَ: «اعتَمرَ النَّبيُّ ﷺ في ذِي القَعدَةِ، فَأَبَى أَهلُ مكَّةَ أَنْ يَدعُوهُ يَدخلُ مَكَّةَ حتى قاضَاهُم على أَنْ يُقِيمَ بها ثَلاثةَ أَيَّامٍ، فلمَّا كَتَبُوا الكتابَ كَتَبُوا: هذا ما قاضَى عليه مُحمَّدٌ رَسولُ اللهِ ﷺ، فَقالُوا: لَا نُقِرُّ بها، فلَو نَعلمُ أَنَّكَ رَسولُ اللهِ ما مَنَعنَاكَ، لَكِن أنتَ مُحمدُ بنُ عَبد اللهِ، قالَ: أنا رَسولُ اللهِ، وأنا مُحمدُ بنُ عَبد اللهِ. ثم قالَ لِعَلِيٍّ: امحُ رَسولَ اللهِ. قالَ: لَا واللهِ، لَا أَمحُوكَ أَبَدًا. فَأَخذَ رَسولُ اللهِ ﷺ الكتابَ فَكَتَبَ: هذا ما قاضَى عليه مُحمدُ بنُ عَبد اللهِ … » الحَديثَ (١). وكِلَا الحَديثَينِ في الصَّحِيحَينِ، فتَقريرُه ﷺ لهما على الامتِناعِ مِنْ امتِثالِ الأمرِ؛ تَأدُّبًا، مُشعِرٌ بأوَّلِيَّتِه.
وذَهب المالِكيَّةُ والخَطيبُ الشِّربِينِيُّ والحافِظُ ابنُ حَجرٍ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّه لا يُستحبُّ ذِكرُها؛ لأنَّ فيه الامتِثالَ لمَا وردَ عنه ﷺ في غيرِ زِيادةٍ في الأذكارِ والألفاظِ المَأثُورةِ عنه.
وقد تَوَقَّفَ في ذلك الإسنَوِيُّ مِنْ الشافِعيَّةِ، حيثُ قالَ رحمة الله عليه: قد اشتُهِرَ زِيادةُ: «سيِّدِنا» قبلَ مُحمدٍ، عندَ أكثرِ المُصلِّينَ، وفي كَونِ ذلك أفضَلَ نَظرٌ، وفي حِفظِي أنَّ الشَّيخَ عِزَّ الدِّينِ بَناه على أنَّ الأفضَلَ سُلوكُ الأدَبِ أم امتِثالُ الأمرِ، فعلى الأوَّلِ يُستحبُّ دونَ الثاني. اه.
(١) رواه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (١٧٨٣).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وظاهرُ كَلامِهم اعتِمادُ الثاني (١).
وقالَ الشَّيخُ أحمدُ الصَّاويُّ رحمة الله عليه (٢): الاقتِصارُ على الوارِدِ أفضَلُ، حتى إنَّ الأفضَلَ فيها تَركُ السِّيادةِ؛ لورُودِها كذلك.
وإليكَ رَأيَ الحافِظِ ابنِ حَجرٍ العَسقَلانيِّ، وهو أحَدُ كِبارِ عُلماءِ الشافِعيَّةِ الجامِعينَ بينَ الحَديثِ والفِقهِ، فالحافِظُ مُحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ مُحمدِ الغَرابِيليُّ (٧٩٠ - ٨٣٥)، كانَ مُلازِمًا لِلحافِظِ ابنِ حَجرٍ، قالَ رحمة الله عليه وسُئلَ (أي: الحافِظُ ابنُ حَجرٍ): أمتَعَ اللهُ بحياتِه، عن صِفةِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ أو في خارِجِ الصَّلاةِ، سَواءٌ قيلَ بوُجوبِها أو نَدبِيَّتِها: هل يُشترَطُ فيها أن يَصفَه بالسِّيادةِ، كأَن يَقولَ مَثلًا: اللَّهمَّ صَلِّ على سيِّدِنا مُحمدٍ، أو على سيِّدِ الخَلقِ، أو سيِّدِ وَلَدِ آدَمَ؟ أو أن يَقتَصرَ على قولِه: اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ؟ وأيُّهما أفضَلُ: الإتيانُ بلَفظِ السِّيادةِ لكَونِها صِفةً ثابِتَةً له ﷺ، أو عدمُ الإتيانِ به؛ لِعدمِ وُرودِ ذلك في الآثارِ؟ فأجابَ رحمة الله عليه: نَعم؛ اتِّباعُ الألفاظِ المَأثورةِ أرجَحُ، ولا يُقالُ: لَعلَّه تركَ ذلك تَواضُعًا منه ﷺ، كما لم يكن يَقولُ عندَ ذكرِه ﷺ: «ﷺ». وأُمَّتُه مَندوبةٌ إلى أن تَقُولَ ذلك كلَّمَا ذُكر؛ لأنَّا نَقولُ: لو كان ذلك راجِحًا، لَجاءَ عن الصَّحابةِ، ثم عن التَّابِعينَ، ولم نَقِف في شَيءٍ مِنْ الآثارِ عن أحَدٍ مِنْ الصَّحابةِ ولا التَّابِعينَ لهم قالَ ذلك، مع كَثرةِ ما وردَ
(١) «مغني المحتاج» (١/ ١٧٦)، و «عون المعبود» (٣/ ١٩١).
(٢) «بلغة السَّالك» (١/ ٢١٤).
عنهم مِنْ ذلك، وهذا الإمامُ الشافِعيُّ -أعلَى اللهُ دَرَجتَه، وهو مِنْ أكثرِ النَّاسِ تَعظيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ قالَ في خُطبةِ كتابِه الذي هو عُمدةُ أهلِ مَذهبِه: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ». إلى آخرِ ما أدَّاه إليه اجتِهادُه، وهو قولُه: كلَّمَا ذكرَه الذَّاكِرونَ، وكلَّمَا غَفلَ عن ذكرِه الغافِلونَ، وكَأَنَّه استَنبَطَ ذلك مِنْ الحَديثِ الصَّحِيحِ الذي فيه: «سُبحَانَ اللهِ عددَ خَلقِهِ». فقد ثَبت أنَّه ﷺ قالَ لِأُمِّ المُؤمِنينَ ورَآها قد أكثرَتِ التَّسبيحَ وأطالَته: «قُلتُ بعدَكِ كَلمَاتٍ، لو وُزِنَت بِمَا قُلتِ لَوَزَنَتهُنَّ»، فذكرَ ذلك، وكانَ ﷺ يُعجِبُه الجَوامِعُ مِنْ الدُّعاءِ.
وقد عَقَدَ القاضي عِياضٌ بابًا في صِفةِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في كتابِ: «الشِّفاءُ»، ونقلَ فيه آثارًا مَرفوعةً عن جَماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، ليس في شَيءٍ منها عن أحَدٍ مِنْ الصَّحابةِ وغيرِهم لَفظُ: «سيِّدِنا».
منها؛ حَديثُ علِيٍّ أنَّه كانَ يُعلِّمُهم كَيفيَّةَ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ، فيَقولُ: «اللَّهمَّ داحيَ المَدحُوَّاتِ، وبارِيَ المَسمُوكاتِ، اجعَل سَوابِقَ صَلواتِكَ، ونَواحيَ بَرَكاتِكَ، وزائِدَ تَحِيَّتِكَ على مُحمدٍ عَبدكَ ورَسولِكَ الفاتِحِ لمَا أُغلِقَ». وعن: «علِيٍّ» أنَّه كانَ يَقولُ: «صَلواتُ اللهِ البرِّ الرَّحيمِ والمَلائِكةِ المُقَرَّبِينَ، والنَّبيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهداءِ والصَّالِحينَ، وما سَبَّحَ لكَ مِنْ شَيءٍ يا رَبَّ العالَمِينَ، على مُحمدِ بنِ عَبد اللهِ، خاتَمِ النَّبيِّينَ وإمامِ المُتَّقِينَ … » الحَديثَ.
وعن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ أنَّه كانَ يَقولُ: «اللَّهُمَّ اجعَل صَلواتِكَ
وَبَرَكاتِكَ وَرَحمَتَكَ على سيِّدِ المُرسَلِينَ، وَإِمَامِ المُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبيِّينَ، مُحمَّدٍ، عَبدكَ وَرَسولِكَ، إِمَامِ الخَيرِ وَرَسولِ الرَّحمَةِ … » الحَديثَ. وعنِ الحَسنِ البَصريِّ أنَّه كانَ يَقولُ: مَنْ أرادَ أن يَشرَبَ بالكَأسِ الأروَى مِنْ حَوضِ المُصطَفَى فليَقُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمدٍ وأصحابِه وأزواجِه وأولادِه وذُرِّيَّتِه وأهلِ بَيتِه وأصهارِه وأنصارِه وأشياعِه ومُحِبِّيه. فهذا ما أُوثِرُ مِنَ: «الشِّفاءُ»، ممَّا يتعلَّقُ بهَيئةِ الصَّلاةِ عليه عن الصَّحابةِ ومَن بعدَهم، وذُكر فيه غيرُ ذلك.
نَعم، وردَ في حَديثِ ابنِ مَسعودٍ أنَّه كانَ في صَلاتِه على النَّبيِّ ﷺ يَقولُ: «اللَّهمَّ اجعَل فَضائِلَ صَلواتِكَ وَرَحمَتِكَ وبَرَكاتِكَ على سيِّدِ المُرسَلِينَ … » الحَديثَ، أخرَجه ابنُ ماجَه (١)، ولكنَّ إسنادَه ضَعيفٌ، وحَديثُ: «علِيٍّ» المُشارُ إليه أخرَجه الطَّبرانيُّ بإسنادٍ ليس به بَأسٌ، وفيه ألفاظٌ غَريبةٌ، رَويتُها مَشروحَةً في كتابِ: «فَضلُ النَّبيِّ ﷺ»، لِأبي الحَسنِ بنِ الفارِسِ، وقد ذكرَ الشافِعيَّةُ أنَّ رَجلًا لو حلَف ليُصلِّينَّ على النَّبيِّ ﷺ أفضَلَ صَلاةٍ، فطَريقُ البرِ أن يُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمدٍ كلَّمَا ذكرَه الذَّاكِرونَ، وسَها عن ذكرِه الغافِلونَ».
وقالَ النَّوويُّ: والصَّوابُ الذي يَنبَغي الجَزمُ به أن يُقالَ: «اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وَعلى آلِ مُحمَّدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ … » الحَديثَ.
وقد تَعقَّبه جَماعةٌ مِنْ المُتأخِّرينَ، بأنَّه ليس في الكَيفيَّتَينِ المَذكورَتَينِ
(١)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل أركان الصلاة
الْمُقِيمِينَ، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمِصْرَ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ فَمَشَى إلَيْهِ فَتَوَضَّأَ - صَلَّى أَرْبَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِالنِّيَّةِ صَارَ مُقِيمًا، فَبِالْمَشْيِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَمَامَهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِنْ حَصَلَتْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِفِعْلِ السَّفَرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُسَافِرًا لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ عَمَلٌ، فَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ مَنَعَتْهُ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ شَرْعًا، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكُ السَّفَرِ، وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَوْ تَكَلَّمَ حِينَ عَلِمَ بِالْمَاءِ أَمَامَهُ، أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي مَكَانِهِ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَلَوْ مَشَى أَمَامَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا ثَانِيًا بِالْمَشْيِ إلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَيُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ أَخْرَجَتْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ
(فَصْلٌ) :
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب المواقيت
باب المواقيتِ
أجْمَعَ المسلمون على أنَّ الصلواتِ الخَمْسَ مُؤَقَتَةٌ بمواقيتَ معلومة محدودة، وقد ورد ذلك في أحاديثَ صِحاحٍ جِيادٍ، نَذْكرُ أكْثَرَهَا في مواضِعها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
١٠٩ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: (وإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ)
بدأ الخِرَقِىُّ بذِكْرِ صلاةِ الظُّهْرِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ بدأ بها حين أمَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ، وجابرٍ، وبدأ بها -صلى اللَّه عليه وسلم-حين علَّمَ الصَّحابةَ مَوَاقِيتَ الصَّلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَة وغَيْرِه، وبدأ بِها الصَّحابةُ رَضِىَ اللهُ عنهم حين سُئِلُوا عن الأوقاتِ في حديثِ أبى بَرزْةَ وجابرٍ وغيرِهما، تُسَمَّى الأُولَى والهَجِيرَ وَالظُّهْرَ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى الهَجِيرَ التي يَدْعُونَها الأُولَى حين تَدْحَضُ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه ، يَعْني حينَ تزُولُ الشَّمْسُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب إمامة المرأة)
(باب إمامة المرأة)
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا صَلَّتْ بِنِسْوَةٍ الْعَصْرَ فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ جَارِيَةً لَهُ تَقُومُ بِأَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ بِنِسَاءٍ تَقُومُ وَسَطَهُنَّ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ جَمَاعَةً عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ النِّسَاءَ فَرْضًا وَنَفْلًا
وَقَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة يُكْرَهُ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ يُكْرَهُ لَهَا الْإِمَامَةُ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ، تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ "
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.