الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > الخطاب بنظم القرآن والذكر
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 14 دقيقة قراءةساذَجٌ، سَواءٌ صَدَر مِنْ المُصلِّي بالاختِيارِ أو بالإكراهِ، وسَواءٌ وجبَ عليه هذا الصَّوتُ، كإنقاذِ أعمَى، أو لَم يَجِب (١).
٢ - الخِطابُ بنَظمِ القُرآنِ والذِّكرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في بُطلانِ صَلاةِ مَنْ خاطَبَ أحَدًا بشَيءٍ من القُرآنِ وهو يُصلِّي، كقولِه لِمَنِ اسمُه يَحيَى أو مُوسى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، أو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧]؛ أو لِمَنْ بالبابِ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى بُطلانِ الصَّلاةِ بكلِّ ما قُصد به الخِطابُ من القُرآنِ.
قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: والظَّاهرُ أنَّها تفسُدُ، وإن لم يكنِ المُخاطَبُ مُسمًّى بهذا الاسمِ إذا قَصد خِطابَه.
وقيَّد المالِكيَّةُ بُطلانَ الصَّلاةِ بالخِطابِ بالقُرآنِ بما إذا قَصد به التَّفهيمَ بغيرِ مَحَلِّه، وذلك كما لو كانَ في الفاتِحةِ أو غيرِها، فاستُؤذِنَ عليه فقطعَها إلى آيةِ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، أمَّا إن قُصد التَّفهيمُ به بمَحَلِّه فلا تبطُلُ به الصَّلاةُ، كأَن يَستَأذِنَ عليه شَخصٌ وهو يَقرأُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]، فيَرفَعَ صَوتَه بقولِه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]؛ لِقَصدِ الإذنِ في الدُّخولِ، أو يَبتَدئَ ذلك بعدَ الفَراغِ من الفاتِحةِ.
وقيَّد الشافِعيَّةُ بُطلانَ الصَّلاةِ بالخِطابِ بالقُرآنِ بما إذا قَصد التَّفهيمَ
(١) المراجع السابقة.
فقط، أو لم يَقصِد شَيئًا؛ لأنَّه فيهما يُشبِهُ كَلامَ الآدَميِّينَ، فلا يَكونُ قُرآنًا إلَّا بالقَصدِ، وأمَّا إن قَصد معَ التَّفهيمِ القِراءةَ لم تبطُلِ الصَّلاةُ؛ لأنَّه قُرآنٌ؛ فصارَ كما لو قَصد القُرآنَ وَحدَه.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ولو نطقَ بنَظمِ القُرآنِ بقَصدِ التَّفهيمِ ك ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]؛ مُفهِمًا بهِ مَنْ يَستَأذِنُ في أخذِ شَيءٍ أن يَأخُذَه، ومِثلَ قولِه لِمَنِ استَأذَنَ عليه في دُخولٍ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحجر: ٤٦]؛ وقولِه لِمَنْ يَنهاهُ عن فِعلِ شَيءٍ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]؛ إن قَصد معه -أي: التَّفهيمِ- قِراءةً، لم تبطُل؛ لأنَّه قُرآنٌ؛ فصارَ كما لو قَصد القُرآنَ وَحدَه، ولأنَّ عَلِيًّا كانَ يُصلِّي، فدخلَ رَجلٌ من الخَوارِجِ فقالَ: لا حُكمَ إلَّا للهِ ورَسولِه، فتَلَا علِيٌّ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠].
وإلَّا بأن قَصد التَّفهيمَ فقط، أو لم يَقصِد شَيئًا، بطَلت به؛ لأنَّه فيهما يُشبِهُ كَلامَ الآدَميِّينَ؛ فلا يَكونُ قُرآنًا إلَّا بالقَصدِ.
قالَ في الدَّقائقِ: يُفهَم مِنْ قولِ المِنهاجِ أربَعةُ مَسائِلَ: إحداها: إذا قَصد القِراءةَ. الثَّانيةُ: إذا قَصد القِراءةَ والإعلامَ. الثَّالثةُ: إذا قَصد الإعلامَ فَقط. الرَّابعةُ: ألَّا يَقصد شَيئًا، فَفِي الأُولى والثَّانيةِ: لا تبطُلُ، وفي الثَّالثةِ والرَّابعةِ: تبطُلُ.
ثم قالَ رحمة الله عليه: وهذا التَّفصيلُ يَجرِي في الفَتحِ على الإمامِ بالقُرآنِ، والجَهرِ بالتَّكبيرِ، أو التَّسميعِ؛ فإنَّه إن قَصد الرَّدَّ معَ القِراءةِ أو القِراءةَ فقط، أو قَصد التَّكبيرَ أو التَّسميعَ فقط، أو معَ الإعلامِ لم تبطُل، وإلَّا بطَلت،
وإن كانَ في كَلامِ بعضِ المُتأخِّرِينَ ما يُوهِمُ خِلافَ ذلك (١).
وذَهب الحَنابِلةُ إلى صحَّةِ صَلاةِ مَنْ خاطَبَ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ.
قالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: لِما رَوى الخلَّالُ بإسنادِه عن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ قالَ: استَأذَنَّا على عَبد الرَّحمنِ بنِ أبي لَيلَى وهو يُصلِّي، فقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]؛ فقُلنا: كيفَ صَنَعتَ؟ فقالَ: استَأذَنَّا على عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ وهوَ يُصلِّي فقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، ولأنَّه قُرآنٌ لم تَفسُد به الصَّلاةُ، كما لو لم يَقصِدِ التَّنبيهَ، وقالَ القاضي: إذا قَصد بالحَمدِ الذِّكرَ أو القُرآنَ، لم تبطُل، وإن قَصد خِطابَ آدَميٍّ بطَلت، وإن قَصدهُما فوَجهانِ، فأمَّا إن أتَى بما لا يَتمَيَّزُ به القُرآنُ من غيرِه، كَقولِه لِرَجلٍ اسمُه إبراهيمُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]؛ ونحوِه، فَسَدَت صَلاتُه؛ لأنَّ هذا كَلامُ النَّاسِ، ولَم يَتمَيَّز عن كَلامِهم بمَا يَتمَيَّزُ به القُرآنُ؛ أشبَهَ ما لو جَمعَ بينَ كَلِماتٍ مُتفرِّقةٍ مِنْ القُرآنِ، فقالَ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]: ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١] ﴿الْكَبِيرُ﴾ [الرعد: ٩] (٢).
كما ذَهب الإمامانِ أبو حَنيفَةَ ومُحمَّدٌ -رحمهما الله- إلى بُطلانِ الصَّلاةِ بكلِّ مَا قُصد به الجَوابُ مِنْ الذِّكرِ والثَّناءِ، خِلافًا لِأبي يُوسفَ، كأَن قِيلَ: أَمعَ اللهِ إلهٌ؟ فقالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]. أو: ما مالُكَ؟ فقالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨].
(١) «مُغني المحتاج» (١/ ١٩٦).
(٢) «كشاف القناع» (١/ ٣٨١).
وأمَّا إن كانَ الجَوابُ بما لَيسَ بثَناءٍ فإنَّها تفسُدُ اتِّفاقًا، كأَن قِيلَ: ما مالُكَ؟ فقالَ: الإبلُ والبَقرُ والعَبيدُ، مَثَلًا؛ لأنَّه ليس قُرآنًا ولَا ثَناءً، أمَّا لو أخبَرَه بخَبرِ سُوءٍ فاستَرجَعَ أو سارَّ فحَمِدَ، أو تَعَجَّبَ بالتَّسبيحِ أو التَّهليلِ، وهو في الصَّلاةِ؛ فإنَّها تفسُدُ عندَ أبي حَنيفَةَ ومُحمدٍ، خِلافًا لِأبي يُوسفَ؛ لأنَّ الأصلَ عندَه أنَّ ما كانَ ثَناءً أو قُرآنًا لا يتغيَّرُ بالنِّيةِ، وعندَهما يتغيَّرُ.
وصَرَّحوا بأنَّ تَشميتَ العاطِسِ في الصَّلاةِ لغيرِه يُفسِدُ الصَّلاةَ؛ فلو عَطَسَ شَخصٌ فقالَ له المُصلِّي: «يَرحَمُكَ اللهُ»، فَسَدَت صَلاتُه؛ لأنَّه يَجرِي في مُخاطَباتِ النَّاسِ، فكانَ مِنْ كَلامِهم، بخِلافِ ما إذا قالَ العاطِسُ أو السَّامِعُ: الحَمدُ للهِ؛ فإنَّها لا تُفسِدُ صَلاتَه؛ لأنَّه لم يُتَعارَف جَوابًا إلَّا إذا أرادَ التَّعليمَ؛ فإنَّ صَلاتَه تفسُدُ، وأمَّا إذا عطَس فشَمَّتَ نَفسَه فقالَ: يَرحَمُكِ اللهُ يا نَفسُ، لا تفسُدُ صَلاتُه؛ لأنَّه لم يكن خِطابًا لغيرِه لم يُعتبَر من كَلامِ النَّاسِ، كما إذا قالَ: يَرحَمُنِي اللهُ (١).
وذَهب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الصَّلاةَ لا تبطُلُ بالذِّكرِ والدُّعاءِ إلَّا أن يُخاطِبَ كقولِه لِعاطِسٍ: يَرحَمُكَ اللهُ؛ فتبطُلَ بذلك، ويُستَثنَى من ذلك الخِطابُ للهِ تَعالى ولِرَسولِه ﷺ فلا تبطُلُ به الصَّلاةُ، ك «لا قُوَّةَ إلَّا باللهِ».
وصرَّح الحَنابِلةُ بكَراهَتِه؛ لِلِاختِلافِ في إبطالِ الصَّلاةِ.
واستدَلُّوا على جَوازِ ذلك بما رَواهُ رِفاعةُ بنُ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ:
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٣٥)، و «رد المحتار» (١/ ٦٢٠، ٦٢١)، و «فتح القدير» (١/ ٣٤٧).
«صلَّيتُ خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ فَعَطَستُ، فقُلتُ: الحَمدُ لِلَّهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه، مُبارَكًا عليه، كما يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى. فلمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ انصَرفَ فقالَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ في الصَّلاةِ؟ فلم يَتَكلَّم أَحدٌ، ثم قالَهَا الثَّانيَةَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ في الصَّلاةِ؟ فلم يَتَكلَّم أَحدٌ، ثم قالَهَا الثَّالثةَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ في الصَّلاةِ؟ فقالَ رِفَاعَةُ بنُ رَافِعِ بنِ عَفرَاءَ: أنا يا رَسولَ اللهِ. قالَ: كَيفَ قُلتَ؟ قالَ: قُلتُ: الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه، مُبارَكًا عليه، كما يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: وَالذي نَفسِي بِيَدِه لقدِ ابتَدَرَهَا بِضعَةٌ وَثَلاثونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصعَدُ» (١).
ويُؤيِّدُ ذلك أيضًا ما في حَديثِ مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلمِيِّ قالَ: «بينَا أنا أُصَلِّي مع رَسولِ اللهِ ﷺ إِذْ عطَس رَجلٌ مِنْ القَومِ، فقُلتُ: يَرحَمُكَ … » الحَديثَ (٢).
وفيهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد نَهاهُ عن تَشميتِ العاطِسِ ولم يَنهَ العاطِسَ عن الحَمدِ (٣).
وذَهب المالِكيَّةُ إلى جَوازِ الحَمدِ لِلعاطِسِ، والاستِرجاعِ من مُصيبةٍ أُخبِرَ بها، ونحوِها، إلا أنَّه يُندَبُ تَركُه، كمَا صرَّحُوا بجَوازِ التَّسبيحِ
(١) رواه التِّرمذي (٤٠٤)، والنسائي (٢/ ٢٤٥)، ورواه البُخاري (٧٩٩) بدون ذكر العاطس.
(٢) رواه مُسلِم (٥٣٧).
(٣) «المجموع» (٤/ ٩٣)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٩٦)، و «المغني» (٢/ ٢٥١)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٣٨١)، و «مطالب أولي النُّهى» (١/ ٥٣٧).
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.