الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > القبض (وضع اليد اليمنى على اليسرى)
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 11 دقيقة قراءة٢ - القَبضُ (وَضعُ اليَدِ اليُمنَى على اليُسرَى):
اختَلفَ العُلماءُ في ذلك على أربَعةِ أقوالٍ:
الأوَّلُ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ مِنْ سُننِ الصَّلاةِ القَبضَ، وهو وَضعُ اليَدِ اليُمنَى على اليُسرَى، وهو رِوايةُ مُطرِّفٍ وابنِ الماجِشونِ عن الإمامِ مالِكٍ، وقالوا: إنَّه السُّنةُ، وحَكاه أيضًا ابنُ المُنذرِ عن مالِكٍ. قالَ ابنُ العَربيِّ: وهو الصَّحِيحُ. واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
١ - ما رَوى قَبيصةُ بن هُلبٍ عن أبيه رضي الله عنه قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَأخُذُ شِمَالَه بِيَمِينِه» (١). رَواه التِّرمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ، وعليه العملُ عندَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ والتَّابِعينَ، ومَن بعدَهم.
٢ - ما رَواه أبو حازِمٍ عن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِديِّ قالَ: كانَ النَّاسُ يُؤمَرُونَ أن يَضَعَ الرَّجلُ اليَد اليُمنَى على ذِرَاعِه اليُسرَى في الصَّلاةِ، قالَ أبو حَازِمٍ: لَا أَعلَمُه إلا يَنمِي ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ (٢).
٣ - ما رُويَ عن وائِلِ بنِ حُجرٍ في صِفةِ صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ: «أنَّه وضعَ يَدهُ اليُمنَى على كَفِه اليُسرَى وَالرُّسغِ وَالسَّاعِدِ» (٣).
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه التِّرمذي (٢٥٢)، وابن ماجه (٨٠٩)، وأحمد (٥/ ٢٢٦، ٢٢٧).
(٢) رواه البخاري (٧٠٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٧٢٧)، والنسائي (٨٨٩).
٤ - ما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه قالَ: «مرَّ بِيَ النَّبيُّ ﷺ وأنا وَاضِعٌ يَدِي اليُسرَى على اليُمنَى، فَأَخذَ بِيَدِي اليُمنَى فَوضعَهَا على اليُسرَى» (١).
٥ - قولِ النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّا معاشِرَ الأَنبِيَاءِ أُمِرنَا أن نُعَجِّلَ فِطرَنَا، وأن نُؤَخر سَحُورَنَا، وأن نَضَعَ أَيمَانَنَا على شَمَائِلِنِا في الصَّلاةِ» (٢).
القولُ الثاني: استِحبابُ الإرسالِ وكَراهيةُ القَبضِ في الفَرضِ، والجَوازُ في النَّفلِ، قيلَ: مُطلَقًا، وقيلَ: إن طَوَّلَ. وهذه رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ في المُدَوَّنةِ، وإليه ذَهب الشَّيخُ خَليلٌ، وشُرَّاحُ مَتنِه، كالدَّرديرِ والدُّسوقيِّ، وعُلِّلتِ الكَراهةُ في الفَرضِ بأنَّ القَبضَ فيه اعتِمادٌ على اليَدينِ، فأشبَهَ الاستِنادَ، ولذلك قالَ الدَّرديرُ: فلو فعلَه، لا لِلِاعتِمادِ، بل استِنادًا، لم يُكرَه، ثم قالَ: وهذا التَّعليلُ هو المُعتَمدُ، وعليه فيَجوزُ في النَّفلِ مُطلَقًا، لِجَوازِ الاعتِمادِ فيه بلا ضَرورةٍ.
القولُ الثَّالثُ: إباحَةُ القَبضِ في الفَرضِ والنَّفلِ، وهو قولُ مالِكٍ في سَماعِ أشهَبَ وابنِ نافِعٍ.
وذكرَ الحَطَّابُ نَقلًا عن ابنِ فَرحونَ: وأمَّا إرسالُهما (أي: اليَدينِ) بعدَ رَفعِهما، فقالَ سَنَدٌ: لم أرَ فيه نَصًّا، والأظهَرُ عِنْدِي أن يُرسِلَهما حالَ التَّكبيرِ؛ ليَكونَ مُقارِنًا لِلحَركةِ، ويَنبَغي أن يُرسِلَهما برِفقٍ (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٧٥٥)، وابن ماجه (٨١١).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» (٥/ ٦٧)، والطَّيالسيُّ (٢٦٥٤).
(٣) «مواهب الجليل» (١/ ٥٣٧).
وقالَ ابنُ عَبد البرِّ: ووَضعُ اليُمنَى منهما على اليُسرَى أو إرسالُهما، كلُّ ذلك سُنَّةٌ في الصَّلاةِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: في وَضعِ اليُمنَى على اليُسرَى رِوايتانِ: إحداهما: الاستِحبابُ، والأُخرى: الإباحةُ، وأمَّا الكَراهةُ ففي غيرِ مَوضِعِ الخِلافِ، وهي إذا قَصد بها الاعتِمادَ والاتِّكاءَ.
فوَجهُ الاستِحبابِ قولُه ﷺ: «ثَلاثٌ مِنْ أخلاقِ النُّبُوَّةِ … »، فذكرَ وَضعَ اليُمنَى على اليُسرَى في الصَّلاةِ. وقيلَ في تَأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، في الصَّلاةِ، وَضعُ اليُمنَى على اليُسرَى في الصَّلاةِ. ولأنَّه أزيَدُ وأدخَلُ في الخُشوعِ وَوَقارِ الصَّلاةِ.
ووَجهُ نَفيِه: «كُفُّوا أيديَكم في الصَّلاةِ»، ولأنَّه ﷺ علَّم الأعرابيَّ الصَّلاةَ مَفروضَها وسُنَّتَها، ولم يَذكُر ذلك فيها، والأوَّلُ أظهَرُ.
(فَصلٌ): وَصفَةُ وَضعِ إحداهما على الأُخرى أن تَكونَ تحتَ صَدرِه وفوقَ سُرَّتِه، خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ في قولِه: إنَّ السُّنةَ أن يَضَعَهما تحتَ السُّرَّةِ؛ لأنَّه مَوضِعٌ مَحكومٌ له مِنْ العَورةِ؛ فلم يكن مَحَلًّا لوَضعِ اليُمنَى على اليُسرَى كالفَخِذِ (٢).
هذا وقد ذُكر عن الشافِعيَّةِ ما يُؤيِّدُ قولَ المالِكيَّةِ، إذ قالَ الشِّربينيُّ ما نَصُّه: «والقَصدُ مِنْ القَبضِ المَذكورِ -يَعني قَبضَ اليَدينِ في الصَّلاةِ-
(١) «الكافي» (٤٣).
(٢) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٦٥، ٢٦٦) رقم (١٨٢).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب صفة الصلاة
باب صِفَةِ الصلاةِ
رَوَى محمدُ بنُ عمرو بن عطاءٍ، قال، سَمِعْتُ أبا حُمَيْدٍ السَّاعِدِىّ في عشرةٍ مِن أصحاب رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، مِنهم أبو قَتادةَ، فقال أبو حُمَيْد؛ أنا أَعْلَمُكُمْ بصلاةِ رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قَالُوا: فاعْرِضْ . قال: كان رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قَامَ إلى الصلاةِ يَرْفَعُ يدَيْهِ، حتى يُحَاذِىَ بهما مَنْكِبَيْه، ثُم يُكَبِّرُ، حتى يَقِرَّ كُلُّ عَظْمٍ في مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا. ثم يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، فَيَرْفَعُ يدَيْهِ حتى يُحَاذِىَ بهما مَنْكِبَيْهِ، ثم يَرْكَعُ، ويَضَعُ رَاحَتَيْهِ على رُكْبَتَيْه، ثم يَعْتَدِلُ، فلا يُصَوِّبُ رأسَهُ ولا يُقْنِعُهُ ، ثم يَرْفَعُ رأسَهُ، ويقولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثم يرْفَعُ يدَيْهِ حتى يُحَاذِىَ مَنْكِبَيْه مُعْتَدِلًا، ثم يقولُ: اللهُ أكْبَرُ. ثُمَّ يَهْوِى إلَى الأَرْضِ، فَيُجَافِى يَدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ، ثم يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ويثْنِى رِجْلَهُ اليُسْرَى فيَقْعُدُ عليها، ويَفتحُ أصابعَ رجْلَيْهِ إذا سَجَدَ، ويسجُدُ، ثم يقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، ويَرْفَعُ ويثْنِى رِجْلَهُ اليُسْرَى، فيَقْعُدُ عليها، حتى يَرْجِعَ كُلُّ عظمٍ إلى مَوْضِعِه، ثم يَصْنَعُ في الأُخْرَى مِثْلَ ذلك، ثم إذا قام مِن الرَّكْعَةِ كَبَّرَ، فرفع يديهِ حتى يُحاذِىَ بهما مَنْكِبَيْه، كما كَبَّرَ عَند افْتِتَاحِ الصلاةِ، ثم يَفْعَلُ ذلكَ في بَقِيَّةِ صلاتِهِ، حتى إذا كانت السَّجْدةُ التي فيها التَّسْلِيمُ أخَّرَ رِجْلَه اليُسْرَى، وقعد مُتَوَرِّكًا على شِقِّهِ الأيْسَرِ. قالوا: صَدَقْتَ، هَكذا كانَ يُصَلِّى -صلى اللَّه عليه وسلم-. رَوَاهُ مالكٌ في المُوَطَّإِ ، وأبو داود، والتِّرْمِذِىُّ .
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.