ثالثا: الكلام في الصلاة نسيانا أو جهلا

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > ثالثا: الكلام في الصلاة نسيانا أو جهلا

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 14 دقيقة قراءة

ثالثا: الكلام في الصلاة نسيانا أو جهلا - الأقوال والأدلة

ثالِثًا: الكَلامُ في الصَّلاةِ نِسيانًا أو جَهلاً:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن تَكلَّمَ ناسِيًا في الصَّلاةِ أو جاهِلًا، هل تَصحُّ صَلاتُه أو تبطُلُ؟

فذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ تَكلَّمَ في صَلاتِه ناسِيًا أو جاهِلًا بكَلامٍ قَليلٍ لا تبطُلُ صَلاتُه؛ لأنَّ النَّبيَّ تَكلَّمَ في حَديثِ ذي اليَدينِ؛ ولم يَأمُر مُعاويةَ بنَ الحَكَمِ بالإعادةِ إذ تَكلَّمَ جاهِلًا، وما عُذِرَ فيه بالجَهلِ عُذرَ فيه بالنِّسيانِ.

فرَوى مُسلِمٌ عن مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلمِيِّ قال: «بينَا أنا أُصَلِّي معَ رَسولِ اللهِ إِذْ عَطَسَ رَجلٌ من القَومِ، فقُلتُ: يَرحَمُكَ اللهُ. فَرَمانِي القَومُ بأَبصَارِهِم؛ فقُلتُ: واثُكلَ أُمِّيَاهُ! ما شَأنُكُم تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟ فجَعَلُوا يَضرِبُونَ بأَيدِيهِم على أَفخَاذِهِم، فلمَّا رأَيتُهم يُصَمِّتُونَنِي لَكنِّي سَكَتُّ، فلمَّا صلَّى رَسولُ اللَّهِ فَبأَبِي هو وَأُمِّي ما رَأيتُ مُعَلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسَنَ تَعليمًا منه؛ فوَاللَّهِ ما كَهَرَنِي ولا ضَرَبَنِي ولا شَتَمَنِي، قالَ: إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يَصلُحُ فيها شَيءٌ من كلَامِ النَّاسِ، إنما هو التَّسبيحُ وَالتَّكبيرُ وَقِراءَةُ القُرآنِ»، أو كما قالَ رَسولُ اللَّهِ … الحَديثَ (١).

ولقولِه : «رُفِعَ عن أُمَّتِي الخَطأُ والنِّسيانُ»، وحَديثِ ذي اليَدينِ أنَّه قال: أقُصِرَتِ الصَّلاةُ يا رَسولَ اللهِ أم نَسيتَ؟ فقالَ: «كلُّ ذلك لم يكن»، ومَوضِعُ الدَّليلِ أنَّه عليه السلام تَكلَّمَ ساهِيًا وعندَه أنَّه قَدْ فرغَ مِنْ

(١) رواه مُسلِم (٥٣٧).

الصَّلاةِ، ثم لمَّا ذكرَ بَنَى على صَلاتِه وسجدَ لِلسَّهوِ، ولأنَّه كَلامٌ على وَجهِ السَّهوِ فأشبَهَ لَفظَ السَّلامِ.

وأيضًا: فإنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ مِنْ بابِ التُّروكِ، فيُعذَرُ فيه بالخَطَأِ والنِّسيانِ، كما في الصَّومِ، بل أَولَى؛ لأنَّ الكَفَّ عن الأكلِ والشُّربِ في الصَّومِ رُكنٌ، ولأنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ مَحظورٌ، ولأنَّ الإثم فيه مَرفوعٌ إجماعًا، فإذا رُفِعَ إثمُه لم يَبقَ مَحظورًا. وإذا لم يكنِ الأكلُ ناسِيًا مُنافِيًا لِلصَّومِ، مع كَونِ الكَفِّ عنه رُكنًا؛ فلأَلَّا يَكونَ الكَلامُ ناسِيًا مُنافِيًا لِلصَّلاةِ بطَريقِ الأَولَى.

ولا يُعذَرُ الجاهِلُ بذلك إلا إذا كانَ قَريبَ عَهدٍ بالإسلامِ، أو نَشَأَ بَعيدًا عن العُلماءِ، فأمَّا مَنْ طالَ عَهدُه بالإسلامِ أو نَشَأَ قَريبًا من العُلماءِ، فتبطُلُ صَلاتُه؛ لِتَقصِيرِهِ في التَّعليمِ، وكذا لو علِم تَحريمَ الكَلامِ في الصَّلاةِ، ولم يَعلَم أنَّه مُبطِلٌ لها، كما لو علِم تَحريمَ الزِّنا، ولم يَعلَم حَدَّه؛ فإنَّه يُحَدُّ بغيرِ خِلافٍ.

وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ وأحمدُ في رِوايةٍ وهو قولُ بعضِ المالِكيَّةِ إلى بُطلانِ صَلاتِه؛ لعُمومِ أحاديثِ المَنعِ من الكَلامِ، ولأنَّه ليس مِنْ جِنسِ ما هو مَشروعٌ في الصَّلاةِ، فلم يُسامَح فيه، ولا فَرقَ بينَ العامِدِ والنَّاسِي في الحُكمِ، وإنَّما يختلِفانِ في المَأثَمِ واستِحقاقِ الوَعِيدِ، فأمَّا في الأحكامِ التي هي فَسادُ الصَّلاةِ وإيجابُ قَضائِها فلا يختلِفانِ، ألَا تَرَى أنَّ لِلنَّاسِي بالأَكلِ والحَدثِ والجِماعِ في الصَّلاةِ حُكمَ العامِدِ فيما يتعلَّقُ عليه من أحكامِ هذه

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوف

كتابُ صلاةِ الخَوْفِ

صلاةُ الخَوْفِ ثَابِتَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أما الكِتَابُ فقولُ اللهِ تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} الآية. وأمَّا السُّنَّةُ فثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى صَلَاةَ الخَوْفِ، وجُمْهُورُ العُلَمَاءِ مُتَّفِقُونَ على أنَّ حُكْمَها باقٍ بعدَ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقال أبو يوسفَ: إنَّما كانت تَخْتَصُّ بالنَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِقَوْلِه تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} . وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ ما ثَبَتَ في حَقِّ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَبَتَ في حَقِّنَا، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتِصَاصِه به، فإنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بِاتِّبَاعِه بقَوْلِه: {فَاتَّبِعُوهُ} . وسُئِلَ عن القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فأجَابَ: "بأَنَّنِى أَفْعَلُ ذلك" ، فقال السَّائِلُ: لستَ مِثْلَنا، فغَضِبَ وقال: "إنِّي لَأَرْجُو أنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ تَعَالَى، وأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِى" . ولو اخْتَصَّ بِفِعْلِهِ لَما كان الإِخْبَارُ بِفِعْلِه جَوَابًا، ولا غَضِبَ من قولِ السَّائِلِ لستَ مِثْلَنا؛ لأن قَوْلَه إذًا يكونُ صَوَابًا. وكان أصْحَابُ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَحْتَجُّونَ بأفْعَالِ رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويَرَوْنَها مُعَارِضَةً لِقَوْلِه ونَاسِخَةً له، ولذلك لمَّا أخْبَرَتْ عائشةُ وأُمُّ سَلَمَةَ بَأنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غيرِ احْتِلَامٍ، ثم يَغْتَسِلُ، ويَصُومُ ذلك اليَوْمَ . تَرَكُوا به خَبَرَ أبي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل سجدة التلاوة

أُخْرَى فَعَلَيْهِ السَّهْوُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ تَمَكَّنَ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ أَدَّى بَعْدَهَا صَلَاةً أُخْرَى.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إنَّمَا بَنَى النَّفَلَ عَلَى تِلْكَ التَّحْرِيمَةِ وَقَدْ تَمَكَّنَ فِيهَا النَّقْصُ بِالسَّهْوِ فَيُجْبَرُ بِالسَّجْدَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْبُوقِ.

(ثُمَّ) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا أَنَّ هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكَّنِ فِي الْفَرْضِ أَوْ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكِّنِ فِي النَّفْلِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكَّنِ فِي النَّفْلِ لِدُخُولِهِ فِيهِ لَا عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلنَّقْصِ الَّذِي تَمَكَّنَ فِي الْفَرْضِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ انْقَطَعَتْ تَحْرِيمَةُ الْفَرْضِ بِالِانْتِقَالِ إلَى النَّفْلِ، فَلَا وَجْهَ إلَى جَبْرِ نُقْصَانِ الْفَرْضِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ وَانْقِطَاعِ تَحْرِيمَتِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّحْرِيمَةُ بَاقِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَوَصْفِهَا، وَبِالِانْتِقَالِ إلَى النَّفْلِ انْقَطَعَ الْوَصْفُ لَا غَيْرُ فَبَقِيَتْ التَّحْرِيمَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِنَاءَ النَّفْلِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ جَائِزٌ فِي حَقِّ الِاقْتِدَاءِ حَتَّى جَازَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ؟ فَكَذَا بِنَاءُ فِعْلِ نَفْسِهِ عَلَى تَحْرِيمَةِ فَرْضِهِ يَكُونُ جَائِزًا، وَالْأَصْلُ فِي الْبِنَاءِ هُوَ الْبِنَاءُ فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب الصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيره)

(بَابُ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ مِنْ مسجدٍ وغيره)

قال الشافعي: رحمه الله تعالى: وَإِذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِقَوْمٍ أَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْعَبَّاسِ " قال المزني " يقول كما لا يجزئ عني فعل إمامي فكذلك لا يفسد علي فساد إمامي ولو كان معناي في إفساده معناه لما جاز أن يحدث فينصرف وأبني ولا أنصرف وقد بطلت إمامته واتباعي له ولم تبطل صلاتي ولا طهارتي بانتقاض طهره "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي إِمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ جُنُبٌ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَحْدَهُ فَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِحَالِهِ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ

وَقَالَ أبو حنيفة: عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ بِكُلِّ حَالٍ كَالْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي تَضَاعِيفِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ مَعَهُ وغلط عَلَيْهِ فَأَلْزَمَهُ حَدَثَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 372 - 373

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله