الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > التشهد الأخير
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 9 دقيقة قراءة١٠ - التشهُّدُ الأخيرُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في التشهُّدِ الأخيرِ، هل هو فَرضٌ أو واجِبٌ أو سُنَةٌّ؟ فَذَهب الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ عنه إلى أنَّه سُنَّةٌ، وليس بواجِبٍ.
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: التشهُّدانِ جَميعًا مَسنونانِ غيرُ مَفروضَينِ، خِلافًا لِلشافِعيِّ في إيجابِه الأخيرَ، ولغيرِه في إيجابِه إيَّاهُما؛ لقولِه ﷺ لِلأعرابيِّ لمَّا علَّمه الصَّلاةَ: «ثم اجلِس حتى تَطمَئن جالسًا، فإذا فَعَلتَ ذلك فقد تَمَّت صَلاتُكَ» ففيه دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّ التشهُّدَ لو كانَ مَفروضًا لَعلَّمه إيَّاه مع عِلمِه بأنَّه لا يُحسِنُ الصَّلاةَ.
والآخَرُ: قولُه: «فقد تَمَّت صَلاتُكَ»، فحَكَمَ بتَمامِها مع عدمِ هذا، ولأنَّه ذِكرٌ يَختَصُّ بالجُلوسِ، فلم يكن فَرضًا كالأوَّلِ، ولا يَدخلُ عليه السلام؛ لأنَّه لا يَختَصُّ بالجُلوسِ؛ لأنَّه يُؤتى به في الجِنازةِ، وإن شِئتَ قُلتَ: قبلَ التَّحليلِ، ولأنَّه ذِكرٌ يَتكرَّرُ في الصَّلاةِ إذا لم يكنِ الأوَّلُ واجِبًا، فكذلك الآخَرُ، كالتَّعظيمِ في الرُّكوعِ، والدُّعاءِ في السُّجودِ، وقِراءةِ ما عَدا الفاتِحةِ، ولأنَّه ذِكرٌ لا يُجهَرُ به في الصَّلاةِ على حالٍ، كالتَّوجيهِ على أصلِهم، والدُّعاءِ على أصلِ الجَميعِ، ولأنَّه جُملةُ ذِكرٍ مِنْ شَرطِه الشَّهادَتَانِ، فأشبَهَ الأذانَ والإقامةَ، ولأنَّه ذِكرٌ في تَضاعِيفِ الصَّلاةِ، ليس مِنْ المُعجِزِ، كسائرِ الأذكارِ، ولأنَّ ألفاظَه وردَت مُختَلِفةً غيرَ مُتعيَّنةٍ، فدلَّ على أنَّه غَيُر واجِبٍ، لأنَّ الأذكارَ المَفروضةَ مُتعيَّنةٌ، كالتَّحريمِ والتَّسليمِ والقِراءةِ.
ودَليلُنا على مَنْ أوجَبَهما أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قامَ مِنْ اثنَتَينِ فمَضى ثم سَجَد لِلسَّهوِ، وسُجودُ السَّهوِ لا يَنوبُ عن مَفروضٍ، ولأنَّ كلَّ ذِكرٍ صحَّتِ الصَّلاةُ بتَركِه سَهوًا صحَّت بتَركِه عَمدًا، أصلُه التَّسبيحُ، عَكسُه التَّحريمُ والسَّلامُ (١).
وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ التشهُّدَ الأخيرَ واجِبٌ، وليس بفَرضٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُعلِّمه لِلأعرابِيِّ، فدلَّ على أنَّه غيرُ فَرضٍ، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ: «إذا قَعد الإمامُ في آخرِ صَلاتِه ثم أحدَثَ قبلَ أن يَتشهَّدَ، فقد تَمَّت صَلاتُه» (٢).
قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولَنَا قولُ النَّبيِّ ﷺ لِلأعرابِيِّ: «إذا رَفَعتَ رَأسَكَ مِنْ آخرِ سَجدةٍ، وقَعَدتَ قَدرَ التشهُّدِ، فقد تَمَّت صَلاتُكَ»، أثبَتَ تَمامَ الصَّلاةِ عندَ مُجرَّدِ القَعدةِ، ولو كانَ التشهُّدُ فَرضًا لَمَا ثَبت التَّمامُ بدُونِه، دلَّ على أنَّه ليس بفَرضٍ، لكنَّه واجِبٌ بمُواظَبةِ النَّبيِّ ﷺ، ومُواظَبتُه دَليلُ الوُجوبِ، فيما قامَ دَليلُ عدمِ فَرضِيَّتِه، وقد قامَ هَهُنَا، وهو ما ذكَرنا، فكانَ واجِبًا، لا فَرضًا، واللهُ أعلَمُ (٣).
(١) «الإشراف» (١/ ٢٨٤، ٢٨٥) رقم (٢٠١)، ويُنظر: «تفسير القرطبي» (١/ ١٧٣)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٢٤٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٨٤)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٤٧)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢١٣).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٦١٧)، والتِّرمذي (٤٠٨)، والدَّارقطني (١/ ٣٧٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ١٣٩)، وقد ضَعَّفه الدَّارقطني والبيهقي والألباني.
(٣) «البدائع» (١/ ١٦٣)، ويُنظر: «معاني الآثار» (١/ ٥١١)، و «الاختيار» (١/ ٥٩)، والطَّحطاوي (١/ ٦٨).
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التشهُّدَ الأخيرَ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلا به؛ لحَديثِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: كُنَّا نَقُولُ قبلَ أن يُفرَضَ التشهُّدُ: السَّلامُ على اللهِ، السَّلامُ على جِبريلَ، السَّلامُ على مِيكائيلَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «لَا تَقُولوا: السَّلامُ على اللهِ؛ فإنَّ اللهَ هو السَّلامُ، وَلَكِن قُولوا: التَّحِيَّاتُ للهِ … » الحَديثَ (١).
قالوا: وهذا أمرٌ، والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ، ويدلُّ على أنَّه فَرضٌ بعدَ أن لم يكن مَفروضًا، وحَديثُ الأعرابيِّ يَحتَمِلُ أنَّه كانَ قبلَ أن يُفرَضَ التشهُّدُ، ويَحتَمِلُ أنَّه تركَ تَعليمَه لأنَّه لم يَرَه أساءَ في تَركِه، ويَحتَمِلُ أنَّه لم يَذكُره له لأنَّه كان مَعلومًا عندَه، ولهذا لم يَذكُر له النِّيةَ، وقد أجمَعنا على وُجوبِها، ولم يَذكُرِ القُعودَ لِلتشهُّدِ، وقد وافَقَ أبو حَنيفَةَ على وُجوبِه، ولم يَذكُرِ السَّلامَ، وقد وَافَقَ مالِكٌ والجُمهورُ على وُجوبِه.
وأقَلُّ التشهُّدِ عندَ الشافِعيَّةِ: «التَّحيَّاتُ للهِ، سَلامٌ عَلَيكَ أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، سَلامٌ عَلَينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه»، كذا قالَ الرَّافِعِيُّ، وقالَ النَّوويُّ: لا يُشترَطُ لَفظُ: «أشهَدُ». بل يَكفي: «وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه».
وهو أقَلُّه عندَ الحَنابلَةِ أيضًا بدُونِ لَفظِ: «وبَرَكاتُه». مع التَّخَيُّرِ بينَ: «وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ». وَ «وَأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه»؛ لِاتِّفاقِ الرِّواياتِ على ذلك (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (١٢٧٧)، والدَّارقطني (١/ ٣٥٠)، وهو في البخاريِّ (٧٩٧) بدون لفظ: «قَبلَ أن يُفرَضَ علينا».
(٢) «المجموع» (٣/ ٤٢٥، ٤٢٦)، و «كفاية الأخيار» (١٥٣)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٧٢)، و «المغني» (٢/ ٩٣)، و «الإنصاف» (٢/ ١١٣)، و «الإفصاح» (١/ ١٧٣)، و «كشَّاف القناع» (١/ ١٨٨)، و «مطالب أولي النُّهى» (١/ ٤٩٩)، و «منار السبيل» (١/ ١٠٤).
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.